الرئيسية / الظاهرة نوري المالكي

الظاهرة نوري المالكي

"Today News": بغداد 


بتتبع دقيق لسيرة المالكي في فترة محددة تمتد منذ سقوط الدكتاتورية و حتى اجتماع الإطار الأخير الذي تسرّب منه خبر إجماع الإطار على ترشيحه لولاية جديدة تعدّ الثالثة في تاريخه ، نجد أن الرجل لم يكن في كل هذه الفترة هامشيا أو فاقدا للتأثير الكبير ، و لست مبالغا اذا قلت أنه الرقم الأصعب في السياسية العراقية ما بعد التغيير  و يصح جدا أن أصفه بالظاهرة الفريدة في الواقع السياسي العراقي.
و لعلي أستيطع أن أوجز هذه الصفة بعدة نقاط تاريخية :
- إبان مجلس الحكم و كان مناوبا عن السيد الجعفري ، كان محاورا شرسا و فارضا سطوته و قيادته على على جميع الفرقاء ، و ظهر ذلك جليا في لجنة صياغة الدستور فقد اعترف له بالصلابة و الشدة و القوة ممثلو الكيانات الأخرى بذلك لا سيما في قضيتي اجتثاث البعث و عدم تعارض التشريعات مع الإسلام .
- ⁠إبان اعتراض الكورد و السنة على السيد الجعفري و اصرارهم على أن يقدم الائتلاف الوطني الموحد مرشحا آخر غير الجعفري و كتب القائدان الكورديان جلال طالباني و مسعود بارزاني رسالة بذلك الى المرحوم السيد عبد العزيز الحكيم يطلبون منه تغيير الجعفري ، و إسناد المنصب لآخر من الائتلاف ، كان المالكي مفاوضا عنيدا بين كل تلك الزعامات و كان يلتزم بحقيقة مهمة يرددها دائما ( الجعفري خيار الائتلاف و فاز بالتصويت الداخلي للإئتلاف و ليس من حق أحد الاعتراض على خيار الائتلاف طالما أن المنصب من حصة الشيعة ، و اذا قبلنا بطلب الاخرين منا تغيير مرشحنا فإنها سنة سيئة ، و سيكون لهم رأي في كل مرشح نرشحه في المستقبل ، لذلك يجب سد النهر من أصله و لا نفتح هكذا باب .
لكنّ الاجماع الشيعي ذهب الى الاستجابة لمطالب الاخرين ، و كان المرشح هو بدل الجعفري ليتولى رئاسة الحكومة .
- حين تولى الحكومة أظهر المالكي أداءً باهرا لم يتوقعه أحد ، فالرجل و بما يمتلك من كاريزما و شجاعة مفرطة و واقعية بحتة و خطاب واضح يقترب فيه من طبقات الشعب إضافة الى صراحة غير معهودة بعيدة عن الاسلوب الدبلماسي الذي يخفي الكثير من الحقائق و الدوافع جعل الشعب يلتف حوله بسرعة مذهلة ، و لهذه المواصفات فقد تمكن في سنواته الأربع الأولى من تجاوز أخطر المنزلقات الحادة بمهارة و شجاعة نادرة ( القضاء على الارهاب ، اعادة الحياة الى بغداد ، تحسين الخدمات ، فرض القانون و عودة الهيبة للشرطة و الجيش ، كبح الخارجين عن القانون ، و إعدام صدام دون أن يرمش له جفن )
- ⁠فاز في الانتخابات الاخرى بأغلبية شاسعة وفرت له سنوات أربع أخرى حمل فيها الكثير من المشاريع الكبرى التي من شأنها القفز بالعراق الى مستوى حياتي آخر .
- ⁠لكن تلك الطموحات اصطدمت بالمخططات و المشاريع الدولية الكبرى، و لعدم رضوخه لتلك المخططات فقد تحركت ضده كل العوامل الداخلية و الخارجية من أجل الإطاحة به ، فكان ما كان …
- ⁠بعد أن غادر السلطة و لم يعد يملك شيئا من الصلاحيات ، فإن السلطة لم تتركه و لم يهمل ذكره ، و لم يخفت نجمه ، لقد حاول العبادي كثيرا من النيل منه و التقليل من إنجازه لكن ذلك لم يحقق شيئا أبدا ، فالرجل مازال فاعلا و هو جالس في بيته ، تأتيه الوفود و تستشيره الزعامات و يلتقي المسؤولين محليين و دوليين .
- ⁠حتى اذا حلت الانتخابات فاز هو بأعلى رصيد من الأصوات .. فكان ذلك مثار تعجب و حيرة للمعنيين . فقد تعود العراقيون ان الذي يخرج من السلطة فإن الذي يخلفه سيكون نجم الانتخابات و يحقق أعلى الأصوات مستندا على الإعلام الحكومي و على المنجز الحاضر و على الذاكرة القصيرة لعموم الشعب .
- ⁠لماذا ظل المالكي الرجل الأكثر تأثيرا في السياسة و الشارع و هو بعيد عن السلطة ؟
- ⁠لقد أسبغوا عليه ألقابا كثيرة مثل ( الزعيم ، صانع الملوك ، عراب السياسة العراقية ، الخ )
- ⁠مثّل المالكي حائط الصد العنيد أمام كل المحاولات التي أرادت هدم العملية السياسية و العودة للفوضى و تمكين البعث من السلطة ، و كان و هو في بيته يحرك المشهد بما يعيد الحياة الى عروق العملية السياسية التي شارفت على الموت في بعض فتراتها ، حتى فرضت الظروف مصطفى الكاظمي ليكون رئيسا للحكومة و بإجماع داخلي و اقليمي و دولي رفض هو و كتلته الاعتراف بذلك و لم يوافق عليه ، لأن العملية كانت تجاوزا خطيرا على مخرجات الانتخابات ، التي من أهمها تكليف مرشح الكتلة الأكبر لرئاسة الحكومة ، فكيف يكون رئيس الجمهورية مرشح الكورد و رئيس البرلمان مرشح المكون السني مقبولا و يتم التصويت عليه فيما يرفض مرشح الكتلة الأكبر لتنتهي القصة بأخطر عملية احتيال لحرف التوافق عن مساره و حرمان الأغلبية من استحقاقها ، فكان موقفه تاريخيا و عميقا .
- ⁠في عملية استبدال محمد الحلبوسي و ابعاده عن رئاسة مجلس النواب ، صرّح المالكي في أول الأيام أن بديل الحلبوسي هو محمود المشهداني ، و سار القوم في المفاوضات و شرّقوا وغرّبوا و أهدروا وقتا كبيرا و طرحت أسماء و احترقت و طرحت غيرها و احترقت ثم عاد الجميع ليصوتوا للمشهداني ..!!
- ⁠حتى لحظة إعلان الإطار أو التسريب  الصادر من الاجتماع ، فإن المالكي لم يعد بتلك الصورة القديمة ( رئيس وزراء ) بل ارتقى كثيرا ولم تعد بدلة رئاسة الحكومة على مقاسه و لو صح التسريب و قبل المالكي الرئاسة فإنه سوف ينزل من السلّم درجات كثيرة ليلبس بدلة أقل من مقاسه بكثير ، العراق يحتاج الى حكيم يضبط ايقاع العمل السياسي و يكون حاضرا بقوة في المفاصل السياسية المهمة و يكون منقذا في المنزلقات الحادة ، و البلد اليوم يشهد أزمات كبرى في مختلف المجالات و علاجتها تتطلب وقتا يعبر السنوات الأربع ، و ليس من المصلحة التضحية بالمالكي و هو في موقعه الكبير هذا من أجل فترة قصيرة تهدم الكثير مما بناه في السنوات السابقة .

اليوم, 12:03
عودة