الرئيسية / المبعث النبوي الشريف .. مبعث الطاقة الروحية للإنسانية المعذبة

المبعث النبوي الشريف .. مبعث الطاقة الروحية للإنسانية المعذبة

"Today News": بغداد 


أولًا: المبعث النبوي وأزمة الإنسان قبل البعثة:
هبط الملك جبرائيل (ع) بوحي من الله عز وجل  على محمد  بن عبد الله في الأربعين من عمره في غار حراء بمكة المكرمة طالبا: يا محمد  اقرأ، قال: وما أقرأ، قال يا محمد (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ...  (سورة العلق).)
 هذا التكليف الرباني في 27 رجب هو المبعث النبوي الشريف وهو بداية نبوة محمد ( صلى الله عليه وآله)  لهداية البشرية لعبادة الله عز وجل في الصراط المستقيم:

شكّل بعث النبي محمد ﷺ نقطة تحول مفصلية، إذ أعاد توجيه الإنسان نحو غايته الوجودية، وربطه بالخالق من خلال مبدأ التوحيد، باعتباره الأساس الذي تُبنى عليه الكرامة الإنسانية والاستقامة السلوكية.

هو الطريق لترميم الروح الإنسانية التي استنزفتها المادية والجاهلية، وليكون المنطلق الأساسي لتوحيد الخالق وسعادة البشرية المعذبة بفقدان البوصلة الأخلاقية.

ثانيًا: البناء الأخلاقي للنبي ﷺ بوصفه نموذجًا إنسانيًا:

تميز النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بتربية ربانية فريدة جعلت منه أسمى نموذج للمثالية والإحسان والتسامح، بعيداً عن الغلظة التي كانت سمة ذلك العصر.

وصفه الله عز وجل في محكم كتابه: ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) [القلم: 4]، فأجابه الرسول (ص) بمنتهى التواضع واليقين: "أدبني ربي فأحسن تأديبي". إن هذا التأديب الإلهي لم يكن لشخصه فحسب، بل كان إعداداً ليكون "القدوة الإلهية" التي تستعيد للأرض توازنها وانسجامها.

ثالثًا: وحدة الرسالات السماوية ومنهج التكامل الديني:

أكمل خاتم الأنبياء محمد (ص) لبنات الدين الواحد الذي دعا إليه الأنبياء العظام؛ فما جاء به كان تصديقاً لملة إبراهيم (عليه السلام)، وتشريعات موسى وعيسى (عليهما السلام). يقول تعالى: ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) [النساء: 125].

إن التعدد في الشرائع لم يكن تناقضاً، بل كان مراعاة لمراحل النمو البشري وتطور الوعي الجمعي. فالدين عند الله واحد وهو الإسلام بمفهومه الشامل (التسليم لله)، كما في قوله تعالى: ((إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ)) [آل عمران: 19].
هذا المنهج يرفض التفرقة بين الرسل ويؤكد على وحدة المصدر والهدف: ((لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)) [البقرة: 136].

رابعًا: منظومة الرحمة الإنسانية العالمية، التعارف كبديل للصراع:
أرسى الرسول (ص) قواعد "منظومة الرحمة الإنسانية العالمية"، وهي رؤية كونية تؤكد أن التنوع البشري وجد ليثمر "تعارفاً" لا تصادماً.
في هذه المنظومة، تنعدم أسباب الفرقة القومية أو الطبقية، ويكون معيار التفاضل الوحيد هو "التقوى" التي يراقبها الخالق وحده. يقول تعالى:
 ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) [الحجرات: 13].

إن استبدال هذا المنهج الإنساني بسياسات الاستكبار هو ما أنتج الأزمات السلوكية والأخلاقية التي تعصف بالعالم المعاصر.

خامسا:  قراءة في واقع التدين العالمي (إحصائيات 2024-2025)
في ظل التحديات الراهنة، تشير البيانات الإحصائية الحديثة لعام 2024 ومطلع 2025 إلى أن نسبة المتدينين أو المنتمين لشرائع ومناهج دينية متنوعة تتجاوز 85% من سكان الأرض، أي ما يعادل قرابة 6.9 مليار نسمة من إجمالي سكان العالم الذي تخطى حاجز الـ 8.1 مليار.
 * يمثل المسلمون اليوم أسرع المجموعات الدينية نمواً، حيث تقدر نسبتهم بنحو 25% من سكان العالم (قرابة 2 مليار مسلم).

 * هذه الكتلة البشرية الهائلة تمتلك طاقة روحية وموارد مادية ضخمة، لكنها تواجه تحديات "التشتت والفرقة"، مما يجعل الى العودة الى نهج المبعث في "وحدة الصف" ضرورة وجودية لا ترفاً فكرياً.

سادسا: الصراع بين منهج الرحمة وطغيان الاستكبار:
بينما حمل رسول الإنسانية رسالة ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ))، نجد اليوم قوى الاستكبار العالمي تمارس (طغياناً متنوع الوجوه) لا إنسانياً عبر التحكم بالمصادر المالية والسياسية.

لقد حول هذا السلوك الأناني قيم حقوق الإنسان إلى "بضاعة" خاضعة للمكر السياسي والكيل بمكيالين.

إن غياب الرادع القيمي أدى إلى استعراض عضلات الدمار الشامل وصناعة الأسلحة الفتاكة، وحتى العبث بالبيئة ونشر الأوبئة، مما جعل الكرامة الإنسانية التي كرمها الله في قوله: ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)) عرضة للانتهاك الممنهج.

سابعا: العلم والفضيلة، سلاح المواجهة والبناء:
أدرك النبي محمد (ص) أن الجهل هو منبع كل شر، فحث على العلم كفريضة وبصيرة، قائلاً: "اغد عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محدثاً، ولا تكن الخامس فتهلك".
فالعالم الحقيقي هو من يطلب العلم النافع الذي يبني الحضارة ويصلح النفس، أما الهالك فهو الجاهل المعادي للحق.
يرتبط العلم بالتقوى ارتباطاً عضوياً: ((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ))، ومن هنا كانت غاية البعثة تتميم البناء الأخلاقي: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". إن العلم بلا أخلاق هو ما صنع الأسلحة النووية والإبادة الجماعية، بينما العلم النبوي هو الذي نقل الصحراء من الجاهلية إلى سعة الحضارة والفضيلة.

ثامنا: واجبات العالم الإسلامي في ذكرى المبعث النبوي الشريف:
إننا في ذكرى المبعث النبوي الشريف والولادة الميمونة للرسالة الإسلامية في 27 رجب، مطالبون بالتعاون والتوحد ونبذ التناحر والاقتتال والإرهاب الذي يغذيه الأعداء لتفتيت الدول.
يجب تحكيم الحكمة والعقل والصبر، والعمل على تنقية القلوب من الأحقاد.

إن العالم الإسلامي بحاجة إلى "ثورة وعي" تعيد الاعتبار لمنهج الحوار السلمي والإقناع بالدليل، كما أمر الله: ((ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [النحل: 125].

تاسعا: المبعث وعد بالنجاة وأمل للبشرية
يبقى المبعث النبوي الشريف هو الوعد الحق والأمل الكبير للإنسانية. إنه المنهج الذي يؤهل أفكار الإنسان وسلوكه لينتقل من "ضيق الدنيا" إلى "سعة الآخرة"، ومن "ظلم الأديان المحرفة والمناهج المادية" إلى "عدل الإسلام".

إن التزامنا بـ "منظومة الرحمة" هو السبيل الوحيد لمواجهة الأنظمة الإستبدادية والعنصرية، وتحقيق حياة كريمة تسودها المروءة، والشجاعة، والعفو عند المقدرة، والتعاون على البر والتقوى.

     وليد الحلي
27 رجب المحرم 1447
17 - كانون 2- 2026
اليوم, 13:43
عودة