"Today News": متابعة
كشفت شبكة فوربس الأمريكية، عن واحدة من أكبر المفاجآت الجيولوجية في الشرق الأوسط، مؤكدة اكتشاف احتياطي ضخم يُقدّر بما بين 600 إلى مليار طن من مادة السيلكا عالية النقاء في صحراء الأنبار، وهي المادة الأندر عالميًا في صناعة الرقاقات الذكية والمعدات الإلكترونية المتقدمة.
وبحسب تقرير لها ، فإن “الاستكشافات الجيولوجية أثبتت وجود سيلكا بنقاء يتراوح بين 98% و99%، ما يجعل الموقع العراقي من أهم مكامن الموارد النادرة عالميًا، خصوصًا في زمن تقوم فيه صناعة الذكاء الاصطناعي على استهلاك غير مسبوق للمواد الأولية المستخدمة في صناعة الرقاقات”.
وأوضحت فوربس أنّ السيلكا عالية الجودة تُعد “العصب المحرك” للصناعات التقنية، بدءًا من الخلايا الشمسية والزجاج المتقدم، وصولًا إلى الشرائح الإلكترونية والدوائر الدقيقة، وهي مواد تشهد اليوم سباقًا عالميًا محمومًا للحصول عليها، في ظل اختناقات سلاسل التوريد وارتفاع الطلب.
“ثروة تحت الأقدام” بلا استثمار حقيقي
رغم أهميتها العالمية، ما يزال ملف السيلكا في العراق حاضرًا في الجغرافيا وغائبًا عن الاقتصاد. وتشير البيانات الجيولوجية العراقية إلى امتلاك البلاد ما يقارب 350 مليون طن من رمال السيلكا عالية النقاء، تتوزع في مناطق واسعة من الأنبار والصحراء الغربية، بنقاء يتراوح بين 95% – 99%.
لكن ورغم هذا المخزون الهائل، لا تتجاوز عمليات الاستخراج الفعلي اليوم 70 ألف طن سنويًا، وهو رقم ضئيل جدًا مقارنة بالحد الأدنى المطلوب لدخول الصناعة التحويلية، والتي تحتاج إلى 500 ألف – 1 مليون طن سنويًا.
ويشير خبراء إلى أن العراق يمتلك أعلى احتياطي معلوم في المنطقة، لكنه بقي خارج المنظومة الصناعية العالمية بسبب غياب الاستثمار والتكنولوجيا والبنية التحتية.
خارطة حكومية جديدة
يقول عضو تحالف الإعمار والتنمية محمد عثمان الخالدي لـ“بغداد اليوم”، إن “الحكومة أعادت إدراج السيلكا ضمن الملفات الستراتيجية ذات الأولوية، على أن يُطرح بشكل فعلي في عام 2026 ضمن إعادة تفعيل 16 ملفًا اقتصاديًا”.
ويؤكد أن هذه الخطوة تمثّل محاولة للانتقال من اقتصاد يعتمد بنسبة 92% على النفط، إلى نموذج أكثر تنوعًا يعتمد على الثروات المعدنية والصناعات التحويلية.
معوّقات تعطل قطاع السيلكا في العراق
التحليل الاقتصادي يكشف عن خمسة عوائق مركزية:
البعد الجغرافي: أغلب المكامن تبعد ما بين 250 – 350 كم عن مراكز الصناعة.
غياب المصانع المتخصصة لمعالجة أو تصنيع السيلكا.
تشريعات تعدين غير محفّزة للمستثمرين.
كلف نقل مرتفعة تتراوح بين 14 – 22 دولارًا للطن.
فجوة تكنولوجية في إنتاج السيلكا ذات النقاء العالي المستخدمة في الصناعات الشمسية والإلكترونية الدقيقة.
سوق عالمية تنمو… والعراق خارج المشهد
بلغت قيمة سوق السيلكا العالمية 22 مليار دولار في 2024، مع توقعات بالارتفاع إلى 32 مليار دولار بحلول 2030. ورغم أن احتياطي العراق يفوق احتياطي دولٍ منتجة، إلا أن وجوده الاقتصادي ما يزال هامشيًا جدًا.
التقديرات تشير إلى أنه:
عند تصنيع 1 مليون طن سنويًا يمكن تحقيق عوائد تتراوح بين 400 – 900 مليون دولار.
وفي حال التوسع إلى 2 – 3 ملايين طن مع تصنيع أغلب الإنتاج، قد تصل الإيرادات إلى 1.5 – 2 مليار دولار سنويًا خلال أقل من عقد.
هذه الأرقام، إن تحققت، يمكن أن تجعل السيلكا أهم مورد غير نفطي في العراق.
عقد سعودي – عراقي “مجمّد” ينتظر التفعيل
وكانت وزارة الصناعة العراقية قد وقعت العام الماضي عقدًا مع السعودية لاستثمار موارد الأنبار وبناء مجمع صناعي ضخم مخصص للسيلكا. ووفق فوربس، فإن المشروع يمثل “فرصة استثمارية هائلة في الصناعات الذكية”، لكنه لم يدخل مرحلة التنفيذ الفعلي حتى الآن.
2026: عام التحول؟
يرى الخبراء أن العام المقبل سيكون عامًا حاسمًا في تحديد ما إذا كانت السيلكا ستتحول إلى قصة نجاح اقتصادية، أو تبقى ثروة جيولوجية “تحت الأقدام” لا يشعر بها السوق.
فالدخول في صناعة السيلكا المتقدمة يتطلب:
تشريعات محفزة
شراكات دولية
بنية تحتية نقل وصناعة
وتكنولوجيا قادرة على إنتاج درجات نقاء تتناسب مع أسواق الرقاقات الذكية
وإذا نجح العراق في ذلك، فقد تكون السيلكا أول خطوة عملية في مسار تنويع الاقتصاد الوطني.