الرئيسية / الإمام المهدي (ع) : مشروع الخلاص الإلهي للعدالة الإنسانية

الإمام المهدي (ع) : مشروع الخلاص الإلهي للعدالة الإنسانية

"Today News": بغداد 


  بسم الله الرحمن الرحيم


أولًا: الوعد الإلهي… قانون لا يتخلّف:
يشهد العالم المعاصر ذروةً غير مسبوقة من الظلم، حيث تتحكم أنظمة الاستغلال بمصير الشعوب، وتُهان كرامة الإنسان تحت شعارات التقدّم والحضارة. وفي قلب هذا المشهد القاتم، يبرز الوعد الإلهي بظهور الإمام محمد المهدي (عليه السلام) بوصفه سنّةً ربانيةً وقانونًا حتميًا لإعادة التوازن لمسار التاريخ.

ولد الأمام المهدي (ع) في ليلة النصف من شعبان المباركةً سنة 255 هـ ( الموافق 29 تموز عام 869 ميلادي) في سامراء  ( ليملأ الأرض قسطا وعدلا بعد ان ملئت ظلما وجورا) .

قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: 5).

فالتمكين وعدٌ إلهي لا يتخلّف، والظلم مهما امتدّ زمنه فهو إلى زوال، لأن الله كتب الغلبة للحق والعدل.

ثانيًا: جذور الأزمة… حين يُفصل الإنسان عن خالقه:
إن جوهر أزمة العالم اليوم لا يكمن فقط في فساد الأنظمة، بل في انحراف الإنسان عن فطرته ووظيفته الإلهية. فعندما يُقصي الإنسان القيم الإلهية عن حياته، وينفصل عن طاعة خالقه، يفقد ميزان الحق، ويتحوّل من خليفةٍ لله في الأرض إلى أداةٍ للفساد والعدوان.

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
ومن هنا، فإن انهيار القيم، وغياب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصمت المجتمعات عن الظلم، كلها عوامل تفتح الطريق أمام الطغيان، وتمنح الفاسدين شرعية الاستمرار.

ثالثًا: التغيير المهدوي… يبدأ بإعادة بناء الإنسان
ينطلق المشروع المهدوي من الإنسان قبل النظام، ومن إصلاح الضمير قبل إسقاط العروش. فغاية الإمام المهدي (ع) إعادة بناء الإنسان على أسس طاعة الله والخضوع لشريعته، وإحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترسيخ العدالة بوصفها عبادةً وسلوكًا يوميًا، لا شعارًا سياسيًا.

فالعدل لا يقوم بلا إنسانٍ عادل، ولا تُبنى دولة القسط بلا مجتمعٍ واعٍ حرّ الإرادة.
قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110).

رابعًا: من إصلاح الإنسان إلى إسقاط منظومات الظلم:
بعد إصلاح الإنسان، يمتدّ التغيير المهدوي ليشمل الأنظمة والحكّام الظلمة الذين بلغوا مواقع السلطة عبر الاستبداد والاستكبار والفساد وسفك الدماء، فنهبوا الثروات، وجوّعوا الشعوب، وزيّفوا الوعي باستخدام الإعلام والتضليل، وهددوا البشرية بالحروب والاحتلال والإذلال.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (هود: 113).

فالمشروع المهدوي لا يساوم على الظلم، ولا يمنحه غطاءً، بل يقتلع جذوره من أساسها.

خامسًا: الدعم الرباني… عدلٌ تُقيمه السماء:
إن ظهور الإمام المهدي (ع) ليس حركةً بشريةً محدودة، بل نهضةٌ إلهيةٌ شاملة، مؤيّدة بالعناية الربانية. فهو يقيم العدل باسم الله، ويُجري شريعته دون خضوعٍ لمصالح أو ضغوط، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ… لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: 25).

وبهذا تُطوى صفحة الطغيان، وتُنهى الحروب العبثية، ويُحرَّر المستضعفون في كل الأرض، وتُوزَّع الثروات بعدالة، وتُصان الكرامة الإنسانية دون تمييز، ويسود السلام بوصفه ثمرةً طبيعيةً للعدل، لا هدنةً مؤقتةً بين صراعين.

سادسًا: الانتظار الواعي… مسؤولية أخلاقية وجهادية:
إن انتظار الإمام المهدي (عليه السلام) ليس حالة سكونٍ أو تواكل، بل موقفٌ أخلاقي وجهادي فاعل، يتمثل في رفض الظلم في البيت والعمل والمجتمع، وعدم التعايش مع الفساد، ونشر الوعي، ومقاومة التضليل، وإعداد جيلٍ يؤمن بأن العدل قيمةٌ إلهية، لا أداةَ صراعٍ سياسي.

قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2).
فكيف ننتظر من يقيم العدل، ونحن نمارس الظلم أو نصمت عنه؟

سابعًا: أفق الإنسانية الجديد:
مع ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) تستعيد الأرض إنسانيتها، ويخضع الإنسان لخالقه طوعًا لا قهرًا، وتُبنى علاقة جديدة بين الإنسان والحياة قوامها القسط والحق والكرامة، ويسود السلام العادل بوصفه ثمرةً لقيام العدل الإلهي.
قال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: 128).

ثامنًا: المستضعفون أئمة ووارثون:
إن امتلاء الأرض ظلمًا وجورًا ليس نهاية التاريخ، بل مقدمته الحتمية لفجر العدل الإلهي. يظهر الإمام المهدي (عليه السلام) بدعمٍ رباني ليعيد الإنسان إلى طاعة خالقه، ويهدم أنظمة الفساد، ويجعل المستضعفين أئمةً ووارثين.

إنه مشروع ثورة قيم قبل أن يكون تغييرَ حكم، وبناء إنسان قبل إقامة دولة، وبهذا وحده ينتصر العدل، وتُستعاد كرامة الإنسان.

وهذا البيان ليس توصيفًا لزمنٍ بعيد، بل خارطة التزامٍ للحاضر، وتمهيدًا واقعيًا لمستقبلٍ قريب…ان شاء الله تعالى.

﴿  وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ – يوسف:  21 ﴾.

     وليد الحلي
12 شعبان 1447
1    شباط 2026
1-02-2026, 11:08
عودة