الرئيسية / اليوم الدولي للأخوة الإنسانية

اليوم الدولي للأخوة الإنسانية

"Today News": بغداد 


نشرت جريدة الصباح العراقية، اليوم الأربعاء 4 شباط 2026، ريبورتاجاً حول اليوم الدولي للأخوّة الإنسانية، الذي يصادف الرابع من شباط من كل عام.

وقد تمحور سؤال الريبورتاج، الذي وُجِّه إليّ وحاولتُ الإجابة عليه، حول: هل نحن بحاجة إلى يوم عالمي للأخوّة الإنسانية؟

أجبتُ:
نحيي اليوم العالمي للأخوّة الإنسانية، لا كمناسبة بروتوكولية، بل كتذكير صريح بسؤال جوهري: كيف يمكن لمجتمع متعدّد، مثل العراق، أن يبني دولةً عادلةً ومنتجة دون أن ينقلب تنوّعه إلى عبءٍ أو صراعٍ؟

الفرضية التي انطلق منها واضحة هي أن مشكلة العراق لم تكن يوماً في نقص الاتفاقات السياسية، بل في غياب المجتمع كشريكٍ حقيقيٍّ في إنتاجها والدفاع عنها. فالاتفاقات، مهما بدت متقنةً على الورق، نادراً ما تصمد أمام التحديات الكبرى إن لم تُبنَ على إرادةٍ مجتمعيةٍ واعية.

من خلال عملي اليومي في أروقة الأمم المتحدة،لاحظ نمطاً يتكرر بهدوءٍ لكنه حاسم هو ان دولا كثيرة تنجح في تمرير بياناتٍ، أو توقيع تفاهماتٍ، أو تسويق خطابٍ وحدويٍّ، لكنها تفشل لاحقاً في ترجمته إلى استقرارٍ فعليٍّ، لأن المجتمع في الداخل لم يكن شريكاً في صياغته، بل متفرجاً عليه أو متشككاً فيه. وقد بات المجتمع الدولي، برغم لغته المثالية، أكثر وعياً بأن الاستقرار لا يُصنع في القاعات وحدها، وأن الدول التي حققت وئاماً مجتمعياً نسبياً لم تبدأ من تسويات النخب، بل من إعادة بناء الثقة بين أبناء المجتمع ومعالجة الخوف المتراكم داخله. أما الدول التي تجاهلت هذه الحقيقة، فغالباً ما تعود إلى مجلس الأمن محلَّ جدالٍ جديدٍ، تحت عناوين مألوفةٍ مثل "السلام" أو "الاستقرار".

هذا المشهد يعيدني إلى ما كتبته سابقاً في كتاب «الشخصية العراقية بين المقاهي والقصور والمآذن» مجتمعنا ليس سلبياً، بل ذكيٌّ ومتيقّظٌ، لكنه حذرٌ؛ يتجاوب حين يشعر بالإنصاف، وينكفئ حين يشعر أن القرارات تُتخذ فوق رأسه، شديد الحساسية للظلم، وسريع اللجوء إلى الهويات الفرعية عندما يشعر بأن العقد الاجتماعي قد انكسر. في هذا السياق، لا تكون الأخوّة الإنسانية وثيقةً دوليةً أو يوماً أممياً، بل اختباراً يومياً لإرادة وممارسة المجتمع في أن يكون شريكاً في الدولة، لا مجرد مادة لإدارته.  

وفي كتاباتنا السابقة شددنا على أن أزمة العراق لم تكن أزمةَ سلطةٍ فحسب، بل أزمةَ مجتمعٍ أنهكته الصراعات، وتعلّم - قسراً - أن يحتمي بالهوية قبل القانون، وبالجماعة أو العشيرة قبل الدولة. والأخوّة الإنسانية تبدأ عندما يقرّر المجتمع أن كرامته لا تُصان بالانغلاق، أو بالخوف، أو بإقصاء الآخر.

هنا يبرز الدور الحقيقي للدولة: فهي تستطيع أن تشرّع، وأن تنظّم، وأن تحمي، لكنها لا تستطيع وحدها أن تُنتج الثقة، أو تُغيّر أنماط التفكير، أو تنهي ثقافة الشك المتبادل. هذه مهمة المجتمع نفسه في المدرسة، وفي العائلة، وفي المنبر الديني، وفي الإعلام وآليات التواصل الاجتماعي، وأخيراً في السلوك اليومي للمواطن وللقائد. صحيحٌ أن المجتمع يتحرك داخل قيودٍ قاسيةٍ، لكن غياب الإرادة المجتمعية لا يُفسَّر فقط بضعف الدولة أو فشل مؤسساتها، بل أيضاً بقبولٍ وتعايش طويلِ الأمد لمنطق الانكفاء بدل الفعل والمبادرة.

وعليه، فإن الأخوّة الإنسانية في معناها المنتج تمثل لحظةَ نضجٍ جماعيٍّ: حين يدرك المجتمع أن حماية كرامته لا تكون بالانسحاب ولا بالاحتماء بالجماعة، بل بالمشاركة الواعية الفعالة في بناء دولةٍ عادلةٍ. عندها فقط يكون الاتفاق السياسي تتويجاً لإرادةٍ عامةٍ وليس بديلاً عنه.

ومن المهم التذكير بأن الأخوّة الإنسانية ليست فكرةً مستوردةً ولا ترفاً فكرياً، بل حاجةٌ عراقيةٌ ملحّةٌ بعد عقودٍ من العنف والانقسام وسوء إدارة التنوّع. فمشكلتنا لم تكن يوماً في تعدّد الهويات، بل في تحويلها إلى أدواتِ صراعٍ على الدولة والسلطة، بدل أن تكون مصادرَ غنىً داخله.

من هذا المنبر الأممي، أؤكد أن العراق قادرٌ على أن يكون نموذجاً للتعايش، لا ساحةً للصراع، إذا امتلكنا الشجاعة السياسية والأخلاقية للاختيار: اختيار الدولة على حساب العصبيات، والمؤسسات على حساب الأشخاص، والمستقبل على حساب ذاكرة الصراع الدموي. العراق وأبناؤه قادرون على ذلك، إذا قرروا أن يكونوا كذلك.

ما أراه هنا في نيويورك يعزز قناعةً بسيطةً ولكنها حيوية: حين تغيب إرادة المجتمع، تتحول السياسة ومعها الدولة إلى إدارةٍ مؤقتةٍ للأزمات، لا مساراً للتنمية المستدامة، ولا طريقاً لصون الكرامة الإنسانية.

لقمان عبد الرحيم الفيلي

https://alsabaah.iq/127466-.html
اليوم, 13:51
عودة