تعاني محافظات الجنوب والفرات الأوسط من أزمة مائية متفاقمة تهدد حياة الملايين، حيث أدى شح المياه المستمر على مدى السنوات الماضية إلى تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع المخاطر الغذائية في المناطق المتضررة. ومع دخول أكثر من 90 منطقة ضمن ما يعرف بـ"الدائرة الحمراء"، يواجه السكان تحديات غير مسبوقة لتأمين احتياجاتهم اليومية من الماء والغذاء، في وقت حذر فيه خبراء نيابيون من أن الصيف المقبل قد يكون الأصعب منذ عقود.
حيث أكد النائب السابق عارف الحمامي، اليوم الأحد ، أن "الوضع المائي في مناطق الجنوب والفرات الأوسط لا يزال صعباً ومعقداً للغاية، إذ إن أكثر من 90 منطقة ما زالت تعيش ضمن الدائرة الحمراء، أي في وضع مائي حرج، رغم أننا حالياً في ذروة فصل الشتاء".
وأشار الحمامي إلى أن "الأوضاع مرشحة لمزيد من التعقيد مع اقتراب صيف 2026، الذي تشير جميع المؤشرات إلى أنه سيكون الأصعب خلال العقود الماضية"، محذراً من أن "التجاوزات على الأنهار والجداول وعدم الالتزام بالحصة المائية بين المناطق قد تشعل فتيل مشاكل لا تُحمد عقباها، لا سيما في الأرياف والمناطق الزراعية".
وأضاف أن "حتى الآن لا توجد استراتيجية واضحة للتعامل مع الصيف المقبل"، داعياً إلى "إجراء دراسة شاملة وتشكيل لجنة قادرة على إدارة ملف المياه بشكل مهني، خاصة أن محافظات الجنوب والفرات الأوسط تعد الأكثر تضرراً من الأزمة المائية على مستوى البلاد".
وختم بالقول إن "التعامل مع هذا الملف يجب أن يكون أولوية وطنية لتجنب تداعيات خطيرة تمس الأمن المجتمعي والغذائي في آن واحد".
وفي وقت سابق، قال المتحدث باسم وزارة الموارد المائية خالد شمال، إن النقص في المياه أسوأ من عام 2025، ما سيجبر السلطات على تقليص مساحة الأراضي الزراعية المزروعة هذا الصيف"، موضحا أن "العراق يستلم أقل من 40% من استحقاقه من مياه نهري دجلة والفرات بسبب السدود في بلدَي المنبع تركيا وإيران، ما أدى إلى انخفاض كبير في مستوى المياه مقارنة بالعام الماضي".
وحذر المختصون من أن الجفاف القادم لا يهدد فقط الزراعة أو مياه الشرب، بل قد يدفع البلاد تدريجياً نحو سيناريو كارثي يشمل نزوح ملايين العراقيين من محافظات الجنوب، مثل ذي قار والبصرة وميسان، بسبب فقدان مصادر رزقهم أو تردي جودة المياه"، مشيرين إلى أن "هذا النزوح قد يغير الخريطة الاجتماعية والسياسية للبلاد ويزيد الضغط على البنية التحتية للمدن المكتظة، ويولد احتقانات مجتمعية جديدة".
رغم هذه الصورة المقلقة، يرى الخبراء أن الأزمة قد تكون فرصة للعراق لإعادة ترتيب أولوياته المائية، ويستلزم ذلك تحركاً دبلوماسياً مكثفاً لإعادة البلاد إلى طاولة المفاوضات بقوة القانون الدولي، إلى جانب تبني رؤية وطنية مستدامة تشمل: إصلاح البنية التحتية، إعادة توزيع الموارد، التحول إلى أنظمة ري ذكية ومغلقة، إعلان "حالة طوارئ مائية" بمشاركة جميع الوزارات والمؤسسات والقطاع الخاص لتعزيز ثقافة الترشيد، وتنمية بدائل استراتيجية مثل تحلية المياه، إعادة تدوير المياه، والتعاون مع المجتمع الدولي لتوفير الدعم الفني والمالي العاجل للمشاريع المائية.