"Today News": بغداد
يعد شهر رمضان المبارك مدرسة إيمانية دورية سنوية يتربّى فيها المؤمن على الصبر وضبط النفس ومجاهدة الهوى.
غير أن البعض يركز في صيامه على مدة الجوع والعطش ناسيا أن الصيام يعيد تنظيم صحته كما في الحديث الشريف لرسول الله محمد (ص): ( صوموا تصحوا) والهدف الأسمى تحقيق تقوى الله كما نصّ القرآن الكريم:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).
فالغاية من الصيام هي بناء التقوى، كما أن هذه الفريضة لم تكن خاصة بأمة الإسلام، بل فُرضت على الأمم السابقة، مما يدل على عالميتها ودورها الإصلاحي في تهذيب الإنسان والمجتمع.
أولاً: أبرز التحديات التي تواجه الصائمين
رغم ما في الصيام من خير عظيم، إلا أن الصائمين يواجهون عدداً من التحديات، ومنها نذكر ما يلي:
1-: التحديات الصحية والجسدية:
وتشمل الجوع والعطش، خاصة في الأجواء الحارة.
الجفاف ونقص السوائل، والصداع الناتج عن نقص الكافيين، وانخفاض الطاقة والتركيز،اضطراب النوم بسبب تغير مواعيد الأكل والعبادة.
الحلول المقترحة هي كما يأتي:
أ-تناول سحور متوازن غني بالألياف والبروتين والسوائل.
ب-شرب الماء بانتظام بين الإفطار والسحور.
ت-تقليل الكافيين تدريجياً قبل شهر رمضان.
ث-الاعتدال في الطعام وتجنب الإفراط في الحلويات والمقليات.
ج-تنظيم أوقات النوم قدر المستطاع.
2-: العادات الغذائية الخاطئة
الإفراط في تناول الطعام عند الإفطار، والطعام الكثير في السحور أوإهمال وجبة السحور،
الاعتماد على الوجبات السريعة والسكريات،
الحلول:
أ-الاعتدال في الطعام اقتداءً بالهدي النبوي.
ب-البدء بالتمر والماء، ثم الصلاة، ثم تناول الطعام بهدوء.
ح-التركيز على الغذاء الصحي المتوازن.التحديات النفسية والسلوكية
3- التحديات العصبية وسوء المزاج نتيجة انخفاض مستوى السكر.
من أمثال: صعوبة ضبط النفس والانفعالات، ومواجهة العادات السلبية مثل التدخين.
الحلول:
أ-الإكثار من التسبيح والاستغفار والدعاء وقراءة القرآن.
ب-استحضار نية التقرب إلى الله دائما.
ج- اعتبار شهر رمضان فرصة حقيقية للإصلاح الذاتي.
ثانياً: مقومات التقوى التي يربي عليها الصيام:
التقوى ليست شعاراً، بل هي سلوك يومي ومجاهدة دائمة للنفس. ومن أهم مقوماتها التي يغرسها الصيام:
أ-مراقبة الله في السر والعلن: فالصوم عبادة خفية لا يعلم حقيقتها إلا الله.
ب-الإخلاص والصدق: لأن الصائم يترك شهواته أثناء الصيام ابتغاء مرضاة الله.
ج- الصبر وضبط النفس: فالصيام مدرسة عملية للتحكم في الانفعالات.
د-اجتناب المعاصي: فليس المقصود ترك الطعام فقط، بل صوم الجوارح كلها.
محاسبة النفس: امتثالاً لقوله تعالى ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾.
ح- الرحمة والإحسان للناس: خاصة للفقراء والمحتاجين.
فالصائم المتقي هو الذي يتقن صيامه روحياً وسلوكياً، ويسهم في إصلاح مجتمعه ونشر القيم الفاضلة.
ثالثاً: الصيام عبادة عالمية عبر التاريخ:
قول الله تعالى ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ يدل على أن الصيام شريعة قديمة فُرضت على أقوام سابقين، مما يؤكد أنه وسيلة تربوية إصلاحية تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتهدف إلى تهذيب النفس، وتقوية الإرادة، وإقامة مجتمع يقوم على الطهر والتراحم.
رابعاً: فوائد الصيام المتكاملة:
1- الفوائد الصحية:
أ-تنظيم مستوى السكر في الدم.
ب-تحسين صحة القلب وخفض الكوليسترول.
ج- المساعدة في حرق الدهون وضبط الوزن.
خ-تقوية جهاز المناعة.
د-إراحة الجهاز الهضمي وخفض ضغط الدم
2-الفوائد النفسية
-صفاء الذهن وتحسين التركيز.
-تقليل التوتر والقلق.
-تعزيز الشعور بالانضباط والرضا.
-تقوية الإرادة والثبات.
3- الفوائد المجتمعية
-تعزيز روح التكافل الاجتماعي.
-دعم الفقراء والمحتاجين ومساعدتهم ماديا وإفطار الصائمين.
-نشر قيم الرحمة والتعاون.
-تقليل السلوكيات السلبية في المجتمع.
خامساً: أثر الصيام في تحسين شخصية الصائم
الصيام يسهم في بناء شخصية متوازنة من خلال:
-تعويد الإنسان على الانضباط والتنظيم.
-تقوية العزيمة والصبر.
-ترسيخ الإخلاص والأمانة والصدق.
-تعميق الإحساس بالمسؤولية.
-تنمية الرحمة والشعور بمعاناة الفقراء.
-التحرر من سيطرة الشهوات والعادات السيئة.
ومن فضائل الصيام أنه جُنّة ووقاية من النار، وسبب لمغفرة الذنوب، وللصائمين باب خاص في الجنة يُسمى “الريان”، كما أن دعوة الصائم لا تُرد، ويشفع الصيام لصاحبه يوم القيامة.
خاتمة
إن التحدي الحقيقي في شهر رمضان ليس في احتمال الجوع والعطش، بل في تحقيق التقوى التي هي الهدف الأسمى من الصيام. فإذا تحقق هذا الهدف، أثمر الصيام صحةً في الجسد، وصفاءً في النفس، وصلاحاً في المجتمع. وهكذا يتحول شهر رمضان إلى مشروع إصلاحي شامل يصنع الإنسان المتقي، ويبني المجتمع المتراحم، ويقود إلى مستقبل يرضي الله سبحانه وتعالى.
ينقل عن الامام الصادق (ع) والكاظم (ع) هذا الدعاء( .... وَ هذا شَهْرٌ عَظَّمْتَهُ وَ كَرَّمْتَهْ ، وَ شَرَّفْتَهُ وَ فَضَّلْتَهُ عَلَى الشُّهُورِ ، وَ هُوَ الشَّهْرُ الَّذي فَرَضْتَ صِيامَهُ عَلَيَّ ، وَ هُوَ شَهْرُ رَمَضانَ ، الَّذي أنْزَلْتَ فيهِ الْقُرْآنَ ، هُدىً لِلنّاسِ وَ بَيِّنات مِنَ الْهُدى وَ الْفُرْقانَ ، وَ جَعَلْتَ فيهِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، وَ جَعَلْتَها خَيْراً مِنْ ألْفِ شَهْر) .
نسأل الله أن يجعلنا من أهل التقوى، وأن يوفقنا لصيام يزكي نفوسنا ويصلح أعمالنا.
الدكتور وليد الحلي
4 شهر رمضان 1447 هـ
22-2-2026