الرئيسية / الحرب ليست خيار العراق

الحرب ليست خيار العراق

"Today News": بغداد 

يتعرض العراق في هذه المرحلة إلى ضغوط مركبة ومتزامنة، فالهجمات العسكرية التي تتقاطع فيها الأجندات الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية، إلى جانب تحركات الفصائل المسلحة المرتبطة بصراعات الإقليم، تجعل البلاد تقف عند حافة توتر أمني وسياسي خطير. ولا تقف تداعيات هذا الوضع عند حدود الأمن فقط، بل تمتد لتطال البنية الاقتصادية الهشة، وتضاعف حالة القلق وعدم الاستقرار التي يعيشها المجتمع العراقي.

وفي ظل هذه الظروف يتصاعد الاستقطاب السياسي الداخلي بصورة واضحة، إذ يتشكل المشهد حول جبهتين أساسيتين:
الأولى تمثل القوى التي ترى أن الانخراط في الدفاع عن الجمهورية الاسلامية الإيرانية  أو دعم ما يعرف بمحور المقاومة هو جزء من معركة إقليمية أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل (جبهة الاستكبار العالمي) .
أما الثانية فتمثل القوى التي تدعو إلى تحييد العراق عن الصراعات الإقليمية وتجنب الانزلاق إلى الحرب، انطلاقاً من أولوية حماية الدولة العراقية والحفاظ على استقرارها الهش.
بين هاتين الرؤيتين يعيش العراق ما يمكن تسميته ثنائية الدولة والمقاومة.
فالدولة لها التزاماتها الدولية، ومسؤولياتها في حماية السيادة وإدارة الاقتصاد والحفاظ على الاستقرار الداخلي.
بينما تتحرك قوى المقاومة وفق منطق مختلف، تحكمه اعتبارات أيديولوجية وتحالفات إقليمية تتجاوز حدود الدولة الوطنية.
هذه الثنائية لم تعد مجرد نقاش سياسي، بل تحولت إلى معضلة بنيوية في النظام السياسي العراقي. فمنذ عام 2003 تشكلت بنية سياسية سمحت بتداخل الفاعلين الرسميين وغير الرسميين في إدارة المجال الأمني والسياسي، الأمر الذي جعل قرار الحرب والسلم في بعض الأحيان موزعاً بين الدولة وقوى مسلحة خارج إطارها الكامل. وفي بيئة إقليمية شديدة الاستقطاب، يصبح هذا التداخل عامل هشاشة خطيراً، لأنه يفتح المجال لتحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات وادامة الصراعات بين القوى الكبرى والإقليمية.
إن خطورة هذه الحالة لا تكمن فقط في احتمال اندلاع مواجهة عسكرية شاملة ، بل في الكلفة السياسية والاقتصادية الباهظة التي يمكن أن يدفعها العراق وهو ليس معنيا بهذه الحرب. فاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على تصدير النفط لا يستطيع تحمل صدمات أمنية كبرى، كما أن أي تصعيد عسكري قد يهدد طرق الطاقة والاستثمار ويعيد البلاد إلى دوامة عدم الاستقرار التي عانى منها طويلاً.
 السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بموقف العراق من الحرب، بل بكيفية إعادة تعريف موقعه في الصراع الإقليمي. فالعراق بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية لا يستطيع الانخراط الكامل في محاور الصراع، كما لا يستطيع في الوقت نفسه تجاهل تأثيراتها. ولذلك فإن التحدي الحقيقي يكمن في بناء سياسة توازن دقيقة تحمي مصالحه الوطنية وتقلل من كلفة الاستقطاب الإقليمي.
إن الخروج من ثنائية الدولة والمقاومة لا يعني بالضرورة الدخول في مواجهة مسلحة داخلية ، بل يتطلب تسوية سياسية واقعية تقوم على جملة من المبادئ. هي بمثابة عقد سياسي جديد أول هذه المبادئ هو تثبيت أولوية الدولة في قرار الحرب والسلم، بحيث يكون استخدام القوة خاضعاً للمؤسسات الدستورية وحدها بعيدا عن الموجهات الايديولوجية. فالدولة الحديثة لا يمكن أن تستقر في ظل تعدد مراكز القرار الأمني والسياسي .
أما المبدأ الثاني فيتمثل في إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة ضمن إطار قانوني ومؤسساتي واضح، يضمن دمج القدرات العسكرية في المنظومة الرسمية تدريجياً وشموليا بلا اغطية ومسميات شكلية ، وبما يحول دون تحول السلاح إلى أداة للصراع السياسي الداخلي أو الإقليمي.
والمبدأ الثالث يتعلق بالسياسة الخارجية، إذ يحتاج العراق إلى تبني مقاربة دبلوماسية نشطة تقوم على مبدأ التوازن والانفتاح، بحيث يحافظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، دون أن يتحول إلى طرف في صراعاتها. فالعراق يستطيع أن يلعب دور الجسر بين المتخاصمين بدلاً من أن يكون ساحة لمواجهاتهم.
كما أن الاستقرار الداخلي يظل شرطاً أساسياً لأي سياسة تحييد. ولذلك فإن تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، ومعالجة الأزمات الاقتصادية والخدمية، وبناء مؤسسات أكثر كفاءة وشفافية، كلها عوامل تقلل من قابلية البلاد للانقسام والاستقطاب في أوقات الأزمات.
إن التجارب الدولية تشير إلى أن الدول التي تقع في قلب الصراعات الإقليمية تستطيع حماية نفسها عندما تنجح في بناء إجماع وطني حول أولوية الدولة ومصالحها العليا. وهذا الإجماع لا يتحقق بالشعارات، بل عبر حوار سياسي جاد بين مختلف القوى، يضع مصلحة العراق فوق حسابات المحاور والتحالفات الخارجية.
في ضوء ذلك يمكن القول إن مستقبل العراق يتوقف إلى حد كبير على قدرة نخبته السياسية على تحويل التحدي الراهن إلى فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي. فبدلاً من الانقسام بين منطق الدولة ومنطق المحاور، يمكن صياغة رؤية وطنية تجعل من استقرار العراق أولوية مشتركة للجميع.
ولهذا فإن الحقيقة التي ينبغي أن تكون واضحة اليوم هي أن الحرب ليست خيار العراق. ليس فقط لأنها ستضيف فصلاً جديداً من المعاناة لشعب أنهكته الحروب، بل لأنها ستقوض ما تبقى من فرص الاستقرار والتنمية. إن الخيار الواقعي أمام العراق هو العمل على ترسيخ منطق الدولة، وتحييد البلاد عن صراعات الآخرين، وبناء سياسة عقلانية تضع مصلحة العراق أولاً وأخيراً.
اليوم, 15:30
عودة