الرئيسية / حياد أبي هريرة بين معاوية وعلي

حياد أبي هريرة بين معاوية وعلي

"Today News": بغداد 

    لا يزال الصحابي الراوي أبو هريرة حاضراً، بصورة وأخرى، في خطاب وسلوك بعض المتدينين والسياسيين الشيعة، عبر نظريته السياسية القائمة على الحياد السلبي والحياد النفعي بين المتخاصمين، ولا سيما بين الصحابة. ومآل هذا الحياد اعتزال كل اصطفاف واضح؛ سواء الاصطفاف مع الصحابي الذي يمثل الحق والخير، أو الاصطفاف مع الصحابي الذي يمثل الباطل والشر. كما يشمل هذا الاعتزال الامتناع حتى عن الانخراط في ما يسمى الحياد الإيجابي الذي يُزعم أنه يهدف إلى حقن الدماء ورأب الصدع بين المسلمين، مع أن الحياد بين الحق والباطل يفقد معناه في ميزان الأخلاق والدين. فالقرآن الكريم يقرر قاعدة أخلاقية واضحة في هذا السياق، إذ يقول: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، كما يقرر مبدأ الاصطفاف مع الحق بقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾.

    وقد وضع أبو هريرة لتبرير نظرية الحياد السلبي والحياد النفعي، جملة من المسوغات العقلية والأخلاقية والشرعية، غير أن هذه المسوغات تبدو، عند التدقيق، متهافتة لا تنسجم مع منطق الدين أو مقتضيات الأخلاق. ولذلك تصدى لتفنيدها عبر التاريخ علماء الشيعة ومتكلموهم وفقهاؤهم، بدءاً من الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي، وصولاً إلى الباحثين المعاصرين. وهكذا أصبح وعي العقل الشيعي المتدين بهذه الإشكالية وعياً نقدياً تراكمياً يمتلك القدرة على تفكيك هذا النمط من الحياد ونقضه. بينما يجد العقل السني المتدين ــ غالباً ــ صعوبة في إدراك تهافت هذه النظرية بسبب اختلاف مصادر التفسير التاريخي والمعرفي بين المدرستين.

    ولعل أشهر تطبيقات نظرية أبي هريرة في الحياد السلبي هو تطبيق «الوقوف على التل»، الذي استخدمه أبو هريرة خلال معركة صفين بين جيش الإمام علي بن أبي طالب وجيش معاوية بن أبي سفيان، لأن الوقوف على التل بعيداً عن المعركة «آمن وأسلم». وقد اتخذ صحابة آخرون موقف اعتزال القتال أو الحياد السلبي نفسه خلال حروب الإمام علي مع الناكثين والمارقين والقاسطين. وكان المسوغ المعلن لهذا الموقف هو حفظ النفس وعدم التضحية بها في صراع يراه صراعاً سياسياً على السلطة. فالمعركة، في تصور هذا الاتجاه، ليست سوى تنازع بين مصالح علي ومصالح معاوية، أي بين مصالح سلطوية شخصية، أو ــ بلغة العصر الحديث ــ بين مصالح قومية وسياسية.

    غير أن هذا التبرير يخفي في كثير من الأحيان دافعاً آخر هو الخوف والتمسك بالحياة على حساب نصرة الحق، رغم إدراك الحقيقة. وفي مثل هذه الحالات يلجأ الإنسان إلى بناء منظومة من المبررات العقلية أو الدينية لتغطية عجزه عن اتخاذ موقف أخلاقي واضح. وهذه المبررات قد تكون، في كثير من الأحيان، أقبح من الدوافع الحقيقية نفسها.

    أما التطبيق الآخر لنظرية أبي هريرة فهو الحياد النفعي، الذي يتمثل في محاولة الجمع بين منافع السلطة وفضائل الشرعية الدينية. وقد عبّر أبو هريرة عن هذا التوازن بعبارته المشهورة: «مضيرة معاوية ألذ وأدسم، والصلاة خلف علي أفضل وأتم». وهكذا أراد الجمع بين منافع دنيا معاوية وفضائل دين علي.  ومن هنا يتصف هذا الحياد بأنه انتهازي نفعي يفوق في سوئه الحياد السلبي نفسه.

    لكن الإمام علي بن أبي طالب كان يرفض هذا المنطق رفضاً قاطعاً، وقد عبّر عن ذلك بوضوح حين قال: «إنك لمبلوس عليك. إن الحق والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال، اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله». وفي موضع آخر قال: «لا يُعرف الحق بالرجال، بل اعرف الحق تعرف أهله». وهذه القاعدة المعرفية تمثل مفتاحاً لفهم كثير من الالتباسات التاريخية التي وقعت في تلك المرحلة.

    ومع ذلك فإن اللبس كان قد وقع بالفعل عند بعض المسلمين، الذين رأوا تلك الحروب فتنة بين المسلمين فاختاروا الحياد، مستندين إلى حديث «كن في الفتنة كابن اللبون». بل إن بعضهم ذهب أبعد من ذلك فقاتل الإمام علي نفسه وهو يعتقد أنه يبرئ ذمته الشرعية، لأنه يقاتل إلى جانب زوج رسول الله أو كبار الصحابة، أو إلى جانب والي الخلافة (الراشدة) في الشام.

    والمفارقة أن تنتقل نظرية أبي هريرة إلى جزء من الوسط الشيعي، إذ تبناها بعض الشيعة كمنهج وسلوك وخطاب، فبات يعيش ازدواجية بين انتمائهم إلى مدرسة علي بن أبي طالب وبين انتمائه إلى سلوك أبي هريرة. وظل هذا الجزء من الشيعة، الذي يضم شرائح متدينة أيضاً، يعاني من مشكلة مزمنة في وعي المصاديق المستجدة عبر الزمان والمكان لأطراف نظرية أبي هريرة؛ الأمر الذي يجعله يقع في اللبس نفسه الذي وقعت فيه الأطراف التي تخلت عن نصرة الإمام علي وولديه الإمامين الحسن والحسين، رغم أن المتدين الشيعي ينبغي أن لا يجد مشكلة في وعي تهافت نظرية الحياد النفعي أو الحياد السلبي.

    وربما يمكن فهم وقوع هذا اللبس في القرون الهجرية الأولى، في إطار سياقه التاريخي المعقد، أما وقوعه لدى شيعي متدين في العصر الحاضر يدعو إلى الحياد بين طرفي المعركة القائمة: المحور الشيعي المدافِع عن نفسه، والمحور الأمريكي الصهيوني المهاجم، فهو أمرٌ يتجاوز نظرية أبي هريرة نفسها، بل هو أسوء وأبشع وأكثر فقداناً للشرعية من الحياد بين علي ومعاوية، لأن معاوية كان في ظاهره صحابياً وقيادياً مسلماً، وأحد رجالات دولة الخلافة (الراشدة)، وهي مواصفات تنطبق على آخرين حاربوا علياً أيضاً، كالزبير وطلحة وعائشة. وقد يتراكم اللبس عند التأمل في عناصر جيش علي من جهة وعناصر جيش الجمل وجيش معاوية وجيش الخوارج من جهة أخرى؛ فسيتبيّن أنهم مسلمون بأجمعهم، وبينهم عدد من الصحابة والتابعين.

    ولكي يتخلص بعض الشيعة المتخلفين عن نصرة الواقع الشيعي الناهض من العبء الشرعي؛ فإنهم راحوا يبحثون عن مبررات للتغطية على سلوكهم الهريري، وأنتجوا خطاباً محشوا بمسوغات شرعية وعقلية، أهمها التقية لحفظ النفس وحفظ الممتلكات وحفظ المذهب، وهي مسوغات تجتر المنهج المذهبي التاريخي الانعزالي الذي يمثله تيار الحجتية، والتي ليس لها موضوع في عصر قوة الشيعة ونهضتهم التي تقودها المرجعية الدينية.

    وراح آخرون يقيسون على موقف الإمام السجاد من ثورة المختار الشهيد وموقف الإمام الصادق من ثورة زيد الشهيد. وهو قياس غير صحيح؛ لأن الإمام السجاد والإمام الصادق لم يكونا على الحياد بين ثورة المختار وثورة زيد من جهة والسلطة الأموية من جهة أخرى، بل كان موقفهما مؤيداً لثورة المختار وثورة زيد، وداعماً لهما، وإن كان دعماً غير مباشر، وعبر أساليب ووسائل خاصة، لأسباب يطول شرحها. فضلاً عن الذين يقودون المعركة حالياً يمثلون الخط الشيعي العام، سواء عبر القيادة المباشرة التي يمثلها خط المرجع الشهيد السيد علي الحسيني الخامنئي، أو عبر الدعم غير المباشر الذي يمثله المرجع الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني، فضلاً عن المواقف الداعمة لبقية مراجع الشيعة في النجف وقم، وهي ليست مجرد قيادات ثانوية، كالمختار وزيد.

    ويكفي التأمل في بيانات المرجعيات الدينية عند استشهاد قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس وحسن نصر الله، ثم في بيانات نعي المرجعية العليا باستشهاد الشهيد الخامنئي وغيرها، ليتضح أنها لم تكن مجرد بيانات تعزية، بل كانت تعبيراً عن موقف سياسي وأخلاقي داعم بوضوح، وليس فيه رائحة الحياد إطلاقاً.

    وبعيداً عن الوسط التقليدي الانعزالي المتدين؛ شكّل بعض المثقفين والسياسيين الشيعة خطاباً حيادياً سياسياً علمانياً، يعتمد تركيبة أيديولوجية مكونة من ثلاثة عناصر:

   1- نظرية أبي هريرة في الحياد السلبي والحياد النفعي.

   2- المصطلحات السياسية العلمانية المعاصرة.

   3- مفردات الدعاية الطائفية والعنصرية للخصم المذهبي.

    وكان الناتج خطاباً انهزامياً انتهازياً يصف الصراع القائم بأنه مجرد صراع على المصالح القومية والوطنية بين طرفين متحاربين، ويرى أن شيعة بلدان الاحتكاك، ولا سيما لبنان والعراق واليمن، لا مصلحة لهم في الانخراط فيه، لأنه محرقة تتعارض مع مصالحهم الوطنية. وهو بذلك يساوي بين المعتدي والمدافع، وبين المشروع الاستكباري الصهيوأمريكي وحلفائه، وبين المشروع الدفاعي للمحور الشيعي وحلفائه. بل إن هذا الخطاب يميل بصورة وأخرى إلى تبرير السلوك العدواني لذلك المحور، متجاهلاً تاريخاً طويلاً من الحروب والتدخلات والسياسات العدوانية في المنطقة.

    وفي المحصلة يحاول هذا الخطاب (الهريري) المعاصر، بشقيه الديني والعلماني، استغفال الوعي الشيعي بشأن حقيقة المصالح الجيوسياسية والجيوستراتيجية والتشابك الاجتماعي والمصير المشترك بين المجتمعات الشيعية في المنطقة، فضلاً عن تجاهله لإلزامات الانتماء العقيدي. فبين هذه المجتمعات شبكة عميقة من المصالح والالتزامات الدينية والدنيوية المشتركة، في حين لا توجد أي روابط مماثلة مع أنظمة المحور الأمريكي الإسرائيلي؛ الأمر الذي يُسقط كل المسوغات المصطنعة للحياد السلبي أو النفعي.

   مع الإشارة إلى أن الوقوف إلى جانب المحور الشيعي المدافع لا يعني إلزاماً حمل السلاح والمشاركة بالقوة الخشنة، وإنما يعني الاصطفاف المعنوي والإعلامي والسياسي والمالي، وكل ما يقع في إطار قدرة المؤمن واستطاعته. كما أن الوقوف إلى جانب المعتدي لا يعني بالضرورة الوقوف بالسلاح وتقديم المعلومات والاصطفاف السياسي والإعلامي، وإنما يكون أيضاً عبر الحياد واعتزال المعركة وتوجيه اللوم للمحور وتثبيط عزائم الناس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لمتابعة "كتابات علي المؤمن" الجديدة وارشيف مقالاته ومؤلفاته بنسخة (Pdf) على تلغرام: https://t.me/alialmomen64
اليوم, 19:27
عودة