"Today News": بغداد
…
مقدمة
هذه ليست قراءة نهائية للمشهد، ولا محاولة لإحاطة كل تفاصيله. فالحروب، مثل الشطرنج، تقوم على الذكاء والمفاجأة، وتترك مساحات لا يملؤها سوى التأمل ، لذلك تُترك بعض المسارات مفتوحة كي يشارك القارئ في التحليل، ويضيف من رؤيته ما يراه مناسباً، فالفهم لا يكتمل إلا بتعدد زوايا النظر.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تعاملت الولايات المتحدة مع الشرق الأوسط بوصفه فضاءً يمكن إعادة ترتيبه وفق منطق الدومينو: ضربة واحدة تُسقط نظاماً، فتتبعها سلسلة من الانهيارات المتتابعة.
وعلى امتداد عقود، بدا هذا المشهد هو السائد في دول المنطقة التي خضعت بدرجات متفاوتة للنفوذ الأميركي ، ولكنَّه تلقّى ضربته الكبرى مع الثورة الاسلامية في عام 1979 وهي اللحظة التي خرجت فيها إيران من المدار الأميركي، وتحولت إلى دولة عصيّة على الاحتواء، تمتلك مشروعاً سياسياً وأمنياً لا يمكن إسقاطه بحركة واحدة ولا بإسقاط حجر واحد. ومنذ ذلك الحين، لم تعد إيران جزءاً من لعبة الدومينو، بل لاعباً يشارك الاخرين على رقعة شطرنج طويلة المدى.
ترامب في ولايته الثانية :-
بعد وصوله إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، لم تعد إيران تمثل لترامب العقبة المركزية التي شغلت الإدارات السابقة. كان تركيزه موجهاً نحو الصين، الخصم الذي رأى فيه التهديد الحقيقي لموقع الولايات المتحدة العالمي.
و كان يرى في إيران ضعفا ونهاية فهي المخنوقة اقتصادياً بفعل العقوبات التي فرضها بعد إلغاء الاتفاق النووي، وبالتالي لن تكون سوى ملفاً ثانوياً يمكن حسمه بسرعة.
اعتقد أنَّ طهران وصلت إلى مرحلة من الإرهاق تجعلها عاجزة عن الصمود في مواجهة ضربة أميركية واسعة بعد قراءة المحللين والمستشارين لنتائج حرب ال12 يوم في العام الماضي .
لكن الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب كشفت أن الواقع أكثر تعقيداً مما افترضه فالمعطيات لم تتحرك وفق السيناريو الذي رسمه ، واقتنع ان هذه الحرب لن تستطيع الولايات المتحدة أن تخوضها منفردة دون تحالف دول الناتو.
المفاجأة الاولى:-
هذا التصور المبسّط الذي كان يرى أن الولايات المتحدة ستخطف نصراً سريعا يغير ملامح السرق الاوسط ويعيد تركيب المشهد بما يراه نتنياهو بدا وكأنه وهم أو أمر لا يمكن تحقيقه بهذه السهولة ،
وهو بحاجة الى تحالف دولي كما كان السياق الذي تخوض فيه الولايات المتحدة حروبها واهمها تحرير الكويت والحرب على افغانستان والعراق .
كان ترامب ينظر إلى دول الناتو باعتبارها عبئاً لا سنداً ، و لم يرَ فيها شريكاً استراتيجياً يمكن الاعتماد عليه، بل كيانات ضعيفة تعتمد على المظلّة الأميركية دون أن تقدّم مقابلاً حقيقياً
ولهذا كان يرفض توسيع دائرة التشاور معها، ويُكثر من تعييرها بالعجز والتراخي، وكأن الصراع مع إيران يمكن أن يُدار بمنطق أحادي خارج أي منظومة تحالفية.
وبعدما اضطر للاستعانة بهم كانت النتيجة أن التحالف الدولي الذي كان يُفترض أن يوفّر الغطاء السياسي والعسكري للحرب بدأ يتفكك منذ الأيام الأولى، في واحدة من أكبر المفاجآت التي لم تدخل في حسابات واشنطن.
الدولة العميقة في ايران :-
وما صوّره نتنياهو، ومن خلفه بعض وكلائه في المعارضة الإيرانية، من أن تغييب القائد باغتياله سيُحدث فراغاً قاتلاً داخل بنية النظام، لم يكن سوى امتداد لوهم الدومينو ذاته. فقد رُوّج لفكرة أن رأس الهرم هو العقدة التي إن سقطت انهار كل شيء من حوله. لكن المفاجأة جاءت مع الأيام الأولى للحرب فالدولة العميقة في إيران لم تتصدّع، بل أظهرت قدرة أعلى على التماسك والردّ، وبدت أكثر شراسة مما توقّعه خصومها.
و الملاحظ أنه مع كل تصعيد كانت تظهر طبقات جديدة من القوة، وإشارات إلى أن طهران لا تسعى إلى حسم سريع، بل إلى صراع طويل يُنهك الولايات المتحدة اقتصادياً، ويحوّل ترامب من «صاحب الصفقات السريعة» إلى رجل مقامر يخسر أوراقه واحدة تلو الأخرى.
الصين :-
وفي خلفية هذا المشهد، كانت الصين تراقب تطورات الاحداث بحذر منذ حرب ال12 يوم ، لكنها لم تكن بعيدة عن حسابات النتائج
إنَّ القارئ لسياستها في الشرق الأوسط يرى أنها لا تقوم بردود فعل متشنجة أو اصطفاف علني مبكر، بل تعتمد على تصعيد تدريجي في المواقف، يتناسب مع تطور الأحداث ، ومع اتساع رقعة الحرب أخذت الصين تُظهر دعماً واضحاً لايران ابتداءً من انتقادها لاغتيال القيادات السياسية ، الى مواقف اخرى في اروقة السياسية وربما نتج عنه تأخير أو الغاء زيارة ترامب الى الصبن .
على المستوى الستراتيجي لهذه الدولة فإنَّ إطالة أمد الصراع تُضعف الولايات المتحدة وتمنح بكين فرصة لتعزيز موقعها في آسيا والشرق الأوسط، واستمرار تدفق النفط الإيراني، وفتح الباب أمام مشاريع الطاقة المشتركة على أمل بقاء الوضع كما هو ايران دولة ممانعة لمشاريع واشنطن .
روسيا :-
أما روسيا، فكانت تراقب الحرب وهي محكومة بمعادلة اسمها أوكرانيا ، فموقف ترامب من الحرب هناك ما زال يصبّ في مصلحة موسكو، وهذا يجعلها حذرة من أي انحياز صريح لإيران قد يدفع واشنطن إلى إعادة ترتيب أولوياتها ضدها. لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع السماح بانهيار إيران
فهذه الدولة باتت تمثل جبهتها المتقدمة في الصراع الجيوسياسي، وأي تغيير في المعادلة السياسية فيها ، او تقسيمها و نشوء كيانات مضطربة مائلة نحو الولايات المتحدة، يعني أن حدود روسيا الجنوبية ستتحول إلى منطقة قلق إضافية تُضاف إلى دوائر التوتر المحيطة بها.
لذلك كان الموقف الروسي–الصيني يتجه تدريجياً نحو دعم بقاء إيران، لا بدافع العاطفة، بل لأن استمرارها لاعباً صلباً هو جزء من توازن القوى الذي تحتاجه موسكو وبكين.
فالحروب لاتدار دائما بطريقة الكاوبوي اقتل الخصم وانتهت المشكلة كما أرادها ترامب بل هي تخطيط ستراتيجي ، واستحضار كل عناصر القوة مع مفاجأة العدو في كل مفصل من مفاصلها ، وروسيا والصين مازالتا في حالة تسمح لهما بادامة المناورة لصالحهما ، وايران تستغل هذا الهامش بدقة .
عامل اقتصادي جديد:-
ومع تصاعد الحرب برزت معادلة جديدة ، وهي مضيق هرمز فإذا نجحت إيران في فرض جباية على مرور السفن في مضيق هرمز باليوان .
فإن اليوان الصيني قد يتحول إلى عملة دولية في تجارة الطاقة، وهو تحول استراتيجي يضرب قلب الهيمنة المالية الأميركية، ويمنح الصين وروسيا فرصة لإعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي.
الخاتمة
تكشف هذه الحرب أن الشرق الأوسط لم يعد ساحة تُدار بمنطق الدومينو الأميركي الذي يفترض سقوطاً سريعاً وتتابعاً ميكانيكياً للنتائج. فإيران لم تنهَر باغتيال قائد، والتحالف الدولي لم يصطفّ كما توقّع ترامب، والصين وروسيا لم تقفا على الحياد بل تحركتا وفق منطق الشطرنج بخطوات محسوبة، واستثمار في الزمن الطويل، وحرص على بقاء لاعب إقليمي صلب يمنع الولايات المتحدة من إعادة ترتيب المنطقة وفق رغبة الكيان
فمع كل يوم يمر، يتضح أن الحرب لم تعد اختباراً لقوة إيران وحدها، بل اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على إدارة صراع معقّد في عالم لم يعد يقبل بالهيمنة الأحادية. إنها ليست لعبة سقوط أحجار، بل لعبة عقول، حيث لا ينتصر من يتحرك أولاً، بل من يعرف كيف ينتظر.