الرئيسية / ملامح فلسفية في كتاب فدك في التاريخ

ملامح فلسفية في كتاب فدك في التاريخ

"Today News": بغداد 

(خطوات في هوامش فدك… من العنوان إلى الاكتشاف)

عندما اخترتُ عنوان «ملامح فلسفية في كتاب فدك في التاريخ» كنتُ أحاول أن أكتب بموضوعية، وأن لا أُغالي في تقديم الشهيد الصدر على أنه فيلسوف، خصوصاً وأن الكتاب كُتب في سن مبكرة جداً. ومن الطبيعي  أن تكون الكتابة في هذا العمر غير ناضجة أو مضطربة. لكنّ الاطلاع الدقيق على الكتاب يكشف عكس ذلك تماماً: منهج واضح، لغة رصينة، بناء متماسك، وكأنَّ الكاتب باحث مارس الكتابة لعقود، أو بلغ المباحث العليا في الحوزة، أو تجاوز مراحل الدراسات الأكاديمية الاولية .

وعندما تطالع الكتاب تجد أنَّ الصدر جمع بين  علم التاريخ و مناهج تحليله وعلم الحديث والأصول والمنطق والفلسفة والتفسير في بوتقة واحدة، دون أن يطغى علم على آخر ،بل نراه يشرح المنهج التاريخي، ويحلّل النصوص، ويستعمل أدوات الأصول، ويقدّم رؤى فلسفية، ثم يذهب أبعد من ذلك فيناقش الملا صدرا ، ويعرض رأيه في اتحاد العاقل والمعقول، ثم يُشكّل عليه،  ولا يكتفي بذلك بل يقدّم بديلاً فلسفياً مستقلاً.

والملاحظ أنَّ هذه  المناقشة لا تأتي في متن الكتاب وإنما في الهامش للصفحة 176،175من الكتاب  ليوحي لنا  بأنَّ القضية التي يناقشها في مسألة اثبات حديث التوريث من عدمه هي الأصل، وأنَّ الحوار الفلسفي مع الملا صدرا أمر ثانوي.

إنني اسجل ملاحظة  على المطالعة للكتب حيث أرى أن الكثير منا  ( أو أنا على الاقل ) لا ينتبهون إلى  الهوامش ، ويكون التركيز على النص او المتن (كما يُعبر عنه ) إلا أنَّ  ما أورده  الصدر في هذه الصفحة يجبرنا على  النظر في الهامش فهو يكشف لنا بالاضافة ما ذكره من اجوبة فلسفية  ، عن حوار مع قامة علمية  وهو الملا صدرا  ليكشف عن جرأة علمية، وفصاحة أدبية، و خزين معرفي  ،  لكنَّ الصفحة نفسها من الكتاب وفي متنها نجد تدفقاً لمفاهيم فلسفية  مهمة وردت للرد على دعوى أنّ العلم والنبوة يُورّثا،  و التأمّل في هذه المفاهيم و تركيبها يرى خزيناً معرفياً  واسعاً  يقف خلف هذا الجواب الموجز .
فالصدر لا يكتفي بالردّ التاريخي أو الفقهي الذي قدّمه في مواضع أخرى من الكتاب، بل ينتقل هنا إلى مستوى فلسفي أدقّ، مستندًا إلى نظرية اتحاد العاقل والمعقول، وإلى مبحث تجرّد الصور العلمية، وإلى التمييز بين القيام الصدوري والقيام الحلولي ، ومن خلاله يبرهن أنَّ العلم بوصفه صورة مجردة صادرة عن النفس ومعلولة لها، يستحيل أن ينتقل من علة إلى أخرى، لأنَّ المعلول المرتبط بهوية علّته لا يمكن أن ينفصل عنها.
وهكذا تتحوّل هذه الأسطر القليلة إلى جواب فلسفي متكامل، يكشف عن عمق الاطلاع الفلسفي واستيعابه التي ينطلق منها  في معالجة الإشكال.


مناقشة الملا صدرا الفيلسوف في الهامش

في سياق حديثه الذي أشرنا له ، يورد الصدر رأي الملا صدرا في اتحاد العاقل والمعقول، ويعرضه بدقة لافتة:" أنَّ الصور المعقولة وجودات مجردة، لا قوام لها إلا بكونها معقولة، وأن تجردها عن العاقل تجريد لها عن وجودها الخاص، وأن تدرّج النفس في مراتب العلم هو تدرّجها في أطوار الوجود نفسه. "  حينما تقرأ الفقرة تجد أنها نقلت بأمانة  كما صاغها الملا صدرا  (كما قال اهل الاختصاص).

ثم  انتقل الصدر إلى الاعتراض من داخل النظرية نفسها ،فيشير إلى أنَّ القول بأن الصورة “جوهر بالماهية وكيف بالعرض” يوقع صاحبه في إشكال منطقي: "فكل ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذات، ولا بد إذن من افتراض “كيف” حقيقي متحد مع الصورة ليصحّ كونها “كيفاً بالعرض”. وهذا يؤدي إلى أحد أمرين: إمّا تعدد ما في النفس، وإمّا العودة إلى المشكلة الأولى نفسها.
بعد ذلك يقدّم الصدر رأيه بوضوح: "الصورة المدركة من الإنسان جوهر، وقيامها بالنفس قيام صدوري، لا حلولياً. "
لقد قدم الصدر صياغة مستقلة به  لمفهوم الوجود الذهني وقيام الصور بالنفس ،
وعلى حد اطلاعي المتواضع لم أجد معترضاً   أو من المختصين بالفلسفة  الاسلامية و أقطاب الحوزة العلمية منذ صدور الكتاب حتى يومنا هذا انه أشكل على اشكال الصدر وعلى النتيجة التي توصل لها فلسفياً !!.
حوار سريع لكنه عميق :-
هذا الحوار يكشف أن صاحب فدك في التاريخ لم يكن شاباً يجرّب الكتابة، بل كان عقلاً فلسفياً ناضجاً، قادراً على عرض نظرية كبرى، ونقدها، وتقديم بديل عنها ، وعلى طريقته في نقد المنهج  الفلسفي للاخر  أنْ يعطي الفكرة حقها الكامل ثم يقدم مايراه وسيأتي في الجزء القادم عرضاً لمنهج الصدر مقابل منهج الفلاسفة الاخرين .

 الانتقال الى حوار  اخر مع نوع اخرمن العلوم :-

وإذا تجاوزنا الهامش الفلسفي، وجدنا أنفسنا أمام مستوى آخر من  من الحوار التي يستعرضها (صاحب فدك في التاريخ ) وهو مستوى الأصول والفقه والفلسفة العملية. ففي الصفحات التي يشرح فيها الصدر مفهوم “الواقع” و“العدل” و“الأمر الإرشادي”، لا يتحدث كمؤرخ، بل كأصوليٍّ متمرّس يفكّك بنية الحكم الشرعي كما ورد في الصفحة 193من الكتاب

فالواقع عند الصدر ليس مجرد “حقيقة خارجية”، بل هو ملاك الحكم، وموضوع البعث والتحريك، والمرجع الذي ينبغي أن يدور عليه القضاء ما كتبه في هذه الاسطر من   تعريف لهذه المفاهيم  تكشف عن عقل أصولي يعرف موقع “الواقع” في مباحث الحجج والأمارات، ويدرك أنَّ العلم بالواقع هو أقوى الحجج.

أما “العدل” في هذا السياق، فهو معيار فقهي–أصولي يحدّد صحة الحكم القضائي
فالعدل لا يتحقق  إلا حين يصل الحاكم إلى الحقيقة وإنْ التزم  بالشكل الإجرائي فقد يكون ظناً او استحساناً وهذا لايتوافق ودقة المسألة !.
 بهذه الدقة  التي ناقش فيها الصدر تكشف  لنا  أنه ترجم الفلسفة  الى واقع عملي حيث يمزج بين القيم و الأحكام .
علم الاصول :-

ثم يأتي مفهوم “الأمر الإرشادي”   الذي ينبغي  مناقشته بدقة عالية في  مباحث علم الأصول كما يرى المختصون في هذا المجال.
نرى الصدر  يشرح  ذلك بسلاسة فيقول بأنَّ الأمر باتباع الواقع ليس أمراً مولوياً يُنشئ حكماً شرعياً جديداً، بل هو إرشاد إلى ما هو مطلوب بذاته، لأن الواقع في نفسه كافٍ للبعث والتحريك.

هذه المفاهيم الثلاثة — الواقع، العدل، الأمر الإرشادي — تكشف أن الصدر كان يمارس الأصول والمنطق والفلسفة العملية داخل نص تاريخي،  وكان له أنْ يكتفي بباب واحد ، لكنه اراد أن يستوفي الموضوع من أبواب متعددة دون أنْ يعلن ذلك ، فهو لم يكتب من أجل اثبات الذات ولم تظهر الأنا في مفاصل الحوار  بل كان يوجه القارئ الى لب القضية التاريخية ويحاول  تحليلها وفق منهج ملتزم  ، لم تتخله العاطفة بل ترك للعقل أن يصل الى الحكم الموضوعي في هذه القضية .

ملاحظة منهجية (الخاتمة)
بعد هذا الاستعراض،  وددت الاعتذار  وأتساءل لمن أقدّم اعتذاري: هل أعتذر للقارئ لأنني اخترت عنواناً متواضعاً من قبيل «ملامح فلسفية»، بينما النصوص تكشف عن ممارسة فلسفية كاملة؟
أم أعتذر للشهيد الصدر( رض)  نفسه لأنني لم أقرّ منذ البداية بأنَّ الفلسفة عنده لم تكن “ملامح” بل كانت ملكة نمتْ معه ،وعندما نناقش هذا الامر وفق المعطيات الطبيعية قد لا نجد لها  تفسيرا واضحاً  { وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} البقرة الاية 38.
وكأنه زُق العلم زقاً ، كما يتناول الطفل الرضيع الحليب من أمه !!.

لقد حاولتُ أن أكون موضوعياً، وأن لا أُغالي في وصف كتاب كتبه صاحبه في سن مبكرة من حياته ، لكنَّ النصوص التي مرّت أمامي لم تترك لي خياراً إلا ان أقول إنه لم يكنْ قارئاً للفلسفة  فحسب بل  كان له رأي فيها ، وهو ما تناولته في القسم الاول ويأتي في القسم الرابع والاخير ان شاء الله
فالشاب الذي يناقش الملا صدرا، ويشكل عليه ، ثم يجيب عن الاشكال بنتيجة اخرى لا تخرج الا من فيلسوف بمستواه .
كما إنه يحلل الواقع والعدل والأمر الإرشادي بمنهج أصولي دقيق، ويكتب التاريخ بعين  المؤرخ  والمحلل المنهجي ويتناول المسألة فيما يخص القضية بعين الفقيه ويتناول الايات التي وردت مفسراً… هذا الشاب  (المؤلف ) لا يمكن أن نصف عمله بأنها “ملامح” بل هي فلسفة .
فالنص في كتاب "فدك في التاريخ" يفرض نفسه علمياً وتكشف أنَّ مؤلفه صاحب فلسفة فرض نفسه على الوسط العلمي في سن مبكرة جداً.
اليوم, 10:14
عودة