الرئيسية / مناهج التعامل مع الفكر الآخر من اليونان إلى الوجودية… وصولاً إلى محمد باقر الصدر

مناهج التعامل مع الفكر الآخر من اليونان إلى الوجودية… وصولاً إلى محمد باقر الصدر

"Today News": بغداد 

تاريخ الفلسفة ليس سلسلة من الأفكار فحسب، بل سلسلة من طرائق التعامل مع الفكر الآخر
طريقة العرض ،  طريقة فهمه ونقده بعد ذلك ،  ثم  تنتج بديلاً عنه آو تؤسس عليه  كقاعدة انطلاق ..
ومن خلال تتبّع نماذج من الفلسفة اليونانية والإسلامية والحديثة، يمكن أن نرى بوضوح أن كل مرحلة قدّمت منهجاً مختلفاً من حيث التعامل والبناء ، وأنَّ محمد باقر الصدر الفيلسوف مثَّلَ  اتجاهاً فريداً لا يشبه ما سبقه ، ولم أجد حتى الان من  سار على  منهجه هذا .
محمد باقر الصدر لم يحاور الاخر بل عاش معه ، وكأنه صاحب الفكر.
هذا المنهج تفرد به ، تميز به  
وسنرى ذلك عند استعراض منهاج الفلاسفة الاخرين بصورة موجزة .


أولاً: الفلسفة اليونانية القديمة – بين الاستفزاز والفوقية

١. سقراط: الإحراج بوصفه منهجاً
كان سقراط يمارس الفلسفة في الساحات العامة عبر أسلوب الإلزام والإحراج :- يسأل، يضغط، يكشف التناقضات، ويضع المحاوَر في زاوية الاعتراف بجهله.
هذا الأسلوب ولّد ضغينة وممانعة نفسية.
فهو  منهج تفكيكي–استجوابي، لا منهج مقارنة منصفة.

٢. أرسطو: الفوقية بوصفها معياراً

أرسطو، على النقيض، لم يكن استفزازياً، بل فوقياً أو انه يملك الحقيقة الكاملة
عرض آراء الآخرين باختصار شديد، ثم حاكمها بمنطقه هو، لا بمنطقهم الداخلي.
كان يكتب من موقع “المعلم الأول”، ولذلك شعر خصومه بأن نقده اختزالي وغير منصف.
إنه منهج تعليمي–تقويمي، لا حواري ، انا الاول وانتم من بعدي ، انا المعلم وانتم الطلاب !!.

ثانياً: الفلاسفة المسلمون– بين الهدم والترميم

1-الغزالي: النقد من موقع الإدانة

الغزالي بنى منهجه  من موقع التحذير ،  اتخذ عنوان ( تهافت الفلاسفة ) ليكشف طبيعة المنهج الذي اراده  في لغة إدانة  مسبقة لا لغة حوار ، حيث كان يعرض آراء الفلاسفة لينقضها، لا ليبني عليها.
إنه نقد هَدْمي رغم عمقه لم يكن يريد أن ينتج تراكماً معرفياً ، الهدم  والغاء  نتاج الاخرين  الذي أسماه (تهافتاً) رغم انه في فقرات اخرى يتخذ منهجاً مقارباً لما اسماه تهافتاً!!.

2- ابن رشد: الدفاع لا الابتكار
ابن رشد قدَّم عرضاً منصفاً للفلاسفة، و دافع  عنهم ضد الغزالي، لكنه أعاد بناء النسق الأرسطي بشكل ملفت وكان له جهد عظيم ، وهو "صوت الفلسفة اليونانية في الحضارة الإسلامية " فمنهجه ترميمي لأنه حاول تنقية المنطق الارسطي من الشوائب الاخرى ، وقال عنه المستشرقون "لولا ابن رشد لما عرف الغرب أرسطو الحقيقي.” لكننا نتحدث عن امر اخر  ان ابن رشد كغيره لم يناقش الغزالي من منطقه بل اتجه الى زاوية اخرى في النقاش
.

ثالثاً: الفلسفة الحديثة – من الذات إلى الجدل إلى الوجود

1-ديكارت: تجاوز الخصوم وبناء الذات:-
ديكارت لا يقارن ولا يحاور
يبدأ من الشك ليبني نسقه الذاتي،
لا يعرض خصومه بأقوى صورة، بل يتجاوزهم نحو تأسيس اليقين ، أنا موجود من خلال انا أفكر  أما الاخر فهو محل شك ، بمعنى إذا لم تكن فكرة الآخر واضحة في ذهني (ديكارت)، فهي باطلة ، وبذلك لا يوجد حوار ولا يوجد جدل ، يوجد فقط "مطابقة" لمعايير عقل ديكارت الشخصي.

2-كانط: النقد الداخلي بلا دفاع

كانط مارس نقداً داخلياً للتجريبية والعقلانية، لكنه لم يدافع عنهما، ولا يعرضهما بأفضل صورة.
إنه أعاد  تحديد حدود العقل، لا حدود الخصوم ، ففي الوقت الذي يرى في عقله قادراً على النقد والفهم يحدد عقل الاخر ، فهو نصب نفسه قاضياً لا محاوراً .
أصدر الحكم ولم يعطِ حق الدفاع للاخر  لم يتبن وجهة نظرهم  أو يعرض ادوات منطقهم بصورة واضحة .

3-هيغل: الجدل الذي يبتلع الآخر
هيغل لا يحاور الخصم، بل يدمجه في الجدل بوصفه “مرحلة” في تطور الروح ، فهو يتبع منهجاً استيعابيا ، لا مقارناً  بمعنى أنه يحاول أنْ يُظهرَ
 أن فكرة الآخر لا تستطيع الصمود  لأنها تحتوي على تناقضات داخلية، مما يجبرها على التحول إلى فكرة أشمل.

4- بوبر وراسل: النقد الخارجي
بوبر ينتقد الماركسية من الخارج، وراسل يسخر من الميتافيزيقا.
كلاهما لا يدخلان  إلى منطق الخصم، ولا يعرضانه  بأقوى صورة بل يحاولان تجريد الماركسية والميتافزيقية من عناصر القوة ولا يعرضانها في محاولة واضحة للقفز على منهج متكامل .

5-سارتر: الآخر مشكلة وجودية

في الوجودية، الآخر ليس شريكاً في المعرفة، بل تهديد للحرية.
سارتر لا يقارن الأنظمة الفكرية، بل يحلل التجربة الوجودية.
فالآخر عنده مشكلة وجودية، لا معرفية ولا أخلاقية.
وهي نوع من الالغاء  ان جاز التعبير .

رابعاً: محمد باقر الصدر – منهج ثالث لا يشبه أحداً
على النقيض من كل النماذج السابقة، لا يستفز الصدر خصمه كسقراط، ولا يحاكمه من فوق كأرسطو، ولا يهدمه كالغزالي، ولا يرمّمه كابن رشد، ولا يتجاوزه كديكارت، ولا يبتلعه كهيغل، ولا يسخر منه كراسل، ولا يعتبره مشكلة وجودية كسارتر.

بل يمارس منهجاً مركّباً يقوم على:

1. عرض الفكر الآخر بأقوى صورة ممكنة.
2. الدفاع المؤقت عنه لإظهار قوته الداخلية.
3. انتاج الإشكال من داخل المنطق الذي يعرضه صاحب  النظرية .
4.  ثم الإجابة على الإشكال
5.  وفي الختام تقديم بديل فلسفي جديد بالكامل.

إنه منهج إنساني–تحليلي–تأسيسي، يحترم الفكر الآخر بوصفه اجتهاداً بشرياً، لا خصماً.
  ومن هنا نرى أنَّ الصدر  يسير من موقع  الهداية والنصيحة والرشد عندما يعرض الاخر بموضوعية ويناقشه ، ثم يصل الى نتيجته هو .
والملاحظ  أنَّ الصدر لم يفرض رأيه على القارئ قسراً أو حاول الالتفاف او تصيد خطئٍ عابر للاخر بل قال انه فكر بشري عائد اليه وهناك ما هو أشمل واوسع من ذلك كله .


ملاحظة منهجية  
أولا :- ما تقدم أعلاه لايمكن اعتبارهادراسة تفصيلية، بل استعراض اولي  لطرائق التعامل مع الفكر الآخر عبر التاريخ.
فلكل مفكر من هؤلاء الحق في أنْ نقرأه قراءة معمّقة، وبنصوص مشبعة ، لنصل الى تحليل دقيق لمنهجه.
وما يميّز محمد باقر الصدر أنه لا يدخل في هذا السياق ليعارض أو ينافس، بل ليقدّم منهجاً مختلفاً، يجمع بين الإنصاف، والعمق، والبناء الجديد ، فهو تميز بذلك أسس بعد ان استعرض فكر الاخر واستوعبه وناقشه ، فلم يعش قلقاً  وخوفاً  وعداءً للاخر بل  عاش صداقة وتلاقحاً فكريا من نتاج الاخر .
وأثبت أنَّ ما جاءت به السماء تستوعب كل تساؤلات الانسان
 محمد باقر حاور ليصل الى  الهداية لا الى التفوق الذاتي ، الهداية من خلال الاقناع  لا من خلال اهمال او تجاهل الاخر ، بل اجاب عن التساؤلات باختلاف مشاربها .

ثانيا :- ولمن يرغب في المتابعة العلمية فإنَّ  الباب مفتوح للانتقال من هذه الجولة السريعة إلى دراسة علمية تفصيلية لكل مفكر، ولمقارنة موسّعة تكشف كيف يبني المفكرون منهجهم المقارن، وكيف يتفرد الصدر في ذلك ..
انه استعراض مختصر لكنه ليس مختزلا  ..


اليوم, 11:36
عودة