الرئيسية / عرض كتاب (مدرسة الاستشراق الهولندي) للدكتور صلاح عبد الرزاق في المركز الثقافي البغدادي

عرض كتاب (مدرسة الاستشراق الهولندي) للدكتور صلاح عبد الرزاق في المركز الثقافي البغدادي

"Today News": بغداد 
في أصبوحة جمعة نيسانية في ١٠ / ٤ / ٢٠٢٦ ، وعلى قاعة حسين علي محفوظ ، أقيم عرض كتاب (مدرسة الاستشراق الهولندي ، بين السرد التاريخي والتجربة المعاصرة) للدكتور صلاح عبد الرزاق ، أدار الندوة الدكتور علاء الوردي. وقد حضر جمهور من المهتمين والباحثين والأكاديميين ، الذي قدموا مداخلات قيمة واسئلة تخص المستشرقين.

في القسم الأول يسلط المؤلف الضوء على تاريخ الاستشراق في هولندا ، التأسيس ، الإنجازات ، أبرز المستشرقين .

في القسم الثاني يتناول المؤلف تجربته الشخصية أثناء دراسة الماجستير والدكتوراه في جامعة لايدن العريقة التي هي أشهر جامعة غربية وأقدمها في علم الاستشراق.

في القسم الثالث يتناول مخطوط كتبه عربي مسلم في القرن السابع عشر قام بجولة في أوربا وعاصر مأساة المسلمين في الأندلس .


جاء في المقدمة

هناك مدارس عديدة في الاستشراق ، مثل المدرسة الروسية والألمانية والانكليزية والاسبانية والإيطالية والدانماركية والسويدية والنرويجية والأمريكية وغيرها. وكل مدرسة لها ظروفها وتاريخ تأسيسها وروادها وأساتذتها واهتماماتها . وقد كتب كثيرون عنها ، كما صدرت معاجم بأسماء المستشرقين ونبذ عن سيرتهم ومؤلفاتهم .
في هذا الكتاب الذي هو في الأصل دراسة قدمتها إلى مؤسسة (بيت الحكمة) في بغداد ونشرتها في مجلتها التاريخية عام ٢٠٢٤ . فارتأيت بنشر الدراسة في كتاب مستقل ، كي تصبح متاحة للباحثين والمهتمين بالاستشراق.

وتتبعت تاريخ نشوء مدرسة الاستشراق الهولندي في جامعة ليدن في القرن السادس عشر ، كما تناولت سير أبرز الأساتذة المؤسسين لها ، وإنجازات هذه المدرسة التي قدمت الإسلام والعربية خدمات جليلة. فكشفوا عن كنوز التراث الإسلامي من مخطوطات ومؤلفات ومراجع لا غنى عنها.

كما تناولتُ تجربتي في جامعة ليدن ، ودراستي فيها الماجستير والدكتوراه . وسلطتُ الضوء على تجارب شهدتُها بنفسها من خلال العلاقة مع المستشرقين الهولنديين المعاصرين ، أو في حضور المؤتمرات العلمية الاستشراقية ، ومشاركتي في دراسات تم اعتمادها أكاديميا ، وتم نشرها في كتب ومطبوعات بالإنكليزية. وشهدت مناقشات في قاعات الدرس وفي الندوات والمؤتمرات ، فنقلتها كما جرت .


وأضفت إلى الكتاب ملحقاً بعنوان (تراجيديا إخراج مسلمي الاندلس) ، والذي سبق أن نشرته تحت عنوان (إرهاصات إسلامية لاكتشاف الغرب) ، وهو قراءة لكتاب (ناصر الدين على القوم الكافرين) للكاتب الأندلسي الأصل والمغربي الإقامة ، بعد رحلته لفرنسا وهولندا ، تنفيذاً لمهمة دبلوماسية كلّفه بها سلطان المغرب في بداية القرن السابع عشر. وهذا الكتاب قام ثلاثة من زملائي وأساتذتي بتحقيق مخطوطته المكتوبة باللغة العربية والتي تعود لعام ١٦٤٠ م .




وأضفت إلى الكتاب ملحقاً بعنوان (تراجيديا إخراج مسلمي الاندلس) ، والذي سبق أن نشرته تحت عنوان (إرهاصات إسلامية لاكتشاف الغرب) ، وهو قراءة لكتاب (ناصر الدين على القوم الكافرين) للكاتب الأندلسي الأصل والمغربي الإقامة ، بعد رحلته لفرنسا وهولندا ، تنفيذاً لمهمة دبلوماسية كلّفه بها سلطان المغرب في بداية القرن السابع عشر. وهذا الكتاب قام ثلاثة من زملائي وأساتذتي بتحقيق مخطوطته المكتوبة باللغة العربية والتي تعود لعام ١٦٤٠ م .


بدايات الاستشراق الهولندي

جامعة لايدن  

تعد مدرسة الاستشراق الهولندي من أقدم مدارس الاستشراق حيث تعود إلى القرن السادس عشر وتأسيس جامعة لايدن Leiden عام ١٥٧٥. وهي أقدم جامعة هولندية أسسها وليام الصامت William De Zwijger بأمر من أمير هولندا وليم أوف أورانج. وقد درس فيها ملوك وملكات هولندا. وتضم الجامعة ست كليات وأكثر من خمسين قسماً وأربعين معهداً وطنياً ودولياً مختصاً. وتحتل الجامعة المركز ٢٩ بين أفضل جامعات العالم في مجال الفنون والعلم الإنسانية.

ومنذ تأسيسها كانت جامعة لايدن قبلة للمستشرقين والباحثين والمستعربين. ففي عام ١٦١٣ تأسس فيها أول كرسي للدراسات العربية . وفي عام ١٦١٤ تأسس كرسي اللغات السامية في جامعة أمستردام ، كرسي اللغة العربية عام ١٦٣٢ . في عام ١٨٨٠ تأسست كراسي اللغات العربية والسنسكريتية والصينية في جامعة أوتريخت. وفي عام ١٩٢٣ تأسس في جامعة نايميخين الكاثوليكية كرسي اللغات السامية وآدابها كالعربية والعبرية والسريانية ثم الدراسات الإسلامية والمعهد الملكي للغات والجغرافيا والسلالات البشرية عام ١٨٥١ ، والمعهد الشرقي لدراسة الشرق والإسلام باللغات السامية والإندونيسية عام ١٩١٧ ، والمعهد الهولندي لآثار وفقه لغات الشرق الأدنى عام ١٩٣٩

المخطوطات العربية والشرقية
اهتم الاستشراق الهولندي بالمخطوطات العربية والشرقية باعتبارها مصادر رئيسة للتراث العربي والإسلامي ، وتتضمن حوادث التاريخ والجغرافيا والأدب واللغة وكتب التفسير والعلوم الأخرى كالطب والفلك والهندسة والرياضيات والرحلات وغيرها.

تضم جامعة لايدن أكبر مجموعة مخطوطات شرقية أنتجها العقل الإسلامي عبر قرون طويلة، عربية وفارسية وتركية وأردو وغيرها. ويبلغ عددها (٢٥) ألف مخطوطة بعضها نفيس جداً ، وهي محفوظة في مكتبة جامعة لايدن. وتوجد مخطوطات لعباقرة العلماء المسلمين مثل ابن سينا والفارابي والرازي والبيروني والمروزي والسمرقندي والنيسابوري وابن حزم الاندلسي وآخرين.

وكان المستشرقون الهولنديون يشترون المخطوطات ويحصلون عليها أثناء رحلاتهم إلى البلدان الإسلامية ، أو تأتيهم من تلك البلدان كهدايا من مقتنيها. وكانت نواتها هي المخطوطات التي جمعها وخلفاها المستشرق سكاليجر (١٥٤٠- ١٦٠٩) وتضم مخطوطات عربية وعبرية، وأشهرها معجم من القرن الثاني عشر الميلادي ونسخة من التلمود اليهودي وتعليق الرازي على التوراة.

وتضم مكتبة لايدن مخطوطات غير كاملة ومنها أجزاء من القرآن الكريم بالخط الكوفي وعلى ورق البردي ، ومخطوط (خلق النبي) لمؤلفه محمد بن عبد الله بن عبد العزيز من القرن السادس الهجري / الحادي عشر الميلادي. ومخطوط (غريب الحديث) لأبي عبيد بن القاسم الهروي (توفي ٢٢٤ هـ / ٨٣٨ م) ، وتعود المخطوطة لعام ٢٥٢ هـ / ٨٦٦ م) . وهي أقدم مخطوطة مؤرخة ومكتوبة على الورق في مكتبات أوربا. وتوجد مخطوطة كتاب (لزوم ما لا يلزم) لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩ هـ / ١٠٥٧م) وعليها قراءة في مدينة بغداد سنة (٤٩٦ هـ / ١١٠٣م) ، وكتاب (مشكل القرآن) لابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ / ٨٨٩م) ومكتوبة سنة ( ٤٠٤ هـ / ١٠١٣ م ). كما يوجد أقدم معجم لاتيني عربي كتب في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي، وقال عنه المستشرق فورهوف Voorhoef (إنه أقدم وثيقة تتعلق بفجر الدراسات العربية في أوربا.


مطبعة بريل العربية

أنشأ المستشرق إربينوس في بيته مطبعة عربية صارت أساس الطباعة العربية وهي مطبعة بريل Brill في مدينة لايدن. وقد أشرف عليها المستشرق بريل ، ثم تحولت إلى شركة مساهمة تطبع باللغات العربية والفارسية والتركية والقبطية والآشورية والبابلية والسريانية والجاوية والملاوية والعبرية والصينية واليابانية والسيامية وغيرها. وكانت المطبعة تقدم خدماتها للمستشرقين والجامعات والمعاهد ومراكز الأبحاث. ونشرت آلاف العناوين من الكتب والمصنفات العربية مثل كتاب (قواعد اللغة العربية) باللغة اللاتينية عام ١٦١٣ ، وأعيد طباعته عامي ١٦٢٠ و١٦٢١.
 ونشر إربينوس (منتخبات عن شعر الحماسة لأبي تمام ) و (تاريخ المسلمين ) وهو قسم من (تاريخ ابن العميد) مع ترجمته إلى اللاتينية ، ونشر كتاب (أمثال لقمان) . وفي عام ١٦١٧ نشر كتاب لعبد القاهر الجرجاني (١٠٠٩- ١٠٧٨م) في روما. ونشر تحقيق ونص كتاب (تاريخ الرسل والملوك) للطبري و (فتوح البلدان) للبلاذري، وكتب الغزالي وابن الأثير وابن سينا وابن زيدون وابن جبير وابن الأثير وابن تغرى بردي والدينوري وغيرهم.

المستشرق أدريان ريلاند
في عام ١٧٠٥ نشر المستشرق الهولندي أدريان ريلاند Adrian Reland  (١٦٧٧-١٧١٨) كتابه (الديانة المحمدية) معتمداً على النصوص العربية والإسلامية دون الاستعانة بالمصادر الغربية. وكان ريلاند أستاذاً في جامعة أوتريخت Utrecht. بالإضافة إلى الهولندية فقد ترجم الكتاب إلى اللغات الفرنسية والألمانية والانكليزية والاسبانية. في عام ١٧٢٥ تم إدراج الكتاب في لائحة الكتب الممنوعة  الروم الكاثوليك. وكان ريلاند قد أشار في كتابه إلى أن الواجب الإسلامي يحمي حياة اليهود والمسيحيين الذين يقيمون في المجتمعات الإسلامية. وبذلك نسف الدعايات والاتهامات المتداولة بين كتب المستشرقين وكتب المبشرين والكنائس، متهمين إياه بأنه ضد الكاثوليكية وأنه يتبع المذهب الكالفني Calvinism. كما أزاح سوء الفهم الواسع المنتشر في الغرب تجاه المسلمين ، والذي أدى إلى ارتكاب أخطاء لا تعد ولا تحصى بحق الإسلام وترجمة كلوني Cluny للقرآن الكريم السائدة آنذاك. لقد دافع ريلاند عن صورة علمية للإسلام ، ورفض الإشاعات والخرافات المتداولة.
 
كان ريلاند ينتقد من يكتب عن الديانات الأخرى معتمداً على نفسه ومصادره من خارج أصحاب الديانات موضع الحديث. وكان يرى في كتابات المسيحيين عن الإسلام بأنها كتابات عدائية بالمجمل. وأن تلك النظرة والمنهج يعني بيع الحقائق العلمية ، كما تعني توجيه اسقاطات الديانة باتجاه ديانة أخرى.

المستشرق دي خويه
اشتهر دي خويه بنشره كتب الجغرافيا العربية لليعقوبي (توفي ٨٩٧ م)  والبلاذري ( ٨٩٢ م). لقد أخرج المخطوطات العربية من رفوف المكتبات إلى المطابع والجامعات ومراكز البحوث. فقد أصدر سلسلة المكتبة الجغرافية العربية في عشرة أجزاء بين عامي (١٨٧٠-١٨٩٤) معتمداً فيها على مخطوطات جامعة لايدن الشهيرة. شملت السلسلة:
١-كتاب (البلدان) لليعقوبي (توفي ٢٨٤ هـ / ٨٩٧ م). وصدر ترجمة للعربية في بغداد عام ١٩٣٨ ، وترجمة فرنسية في القاهرة عام ١٩٣٧.
٢- كتاب (فتوح البلدان الصغير) للبلاذري عام ١٨٧٠ . ونشر في القاهرة ثلاث مرات بين عام ١٨٩٣ و ١٩٣١. كما نشرت ترجمات إنكليزية وألمانية.
٣- كتاب (مسالك الممالك) للاصطخري (توفي ٣٥٠ هـ) عام ١٨٧٢.
٤- كتاب (صورة الأرض) لابن حوقل (بدأت رحلته في سنة ٣٣١ هـ) في عام ١٨٧٢.
٥- (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم) للمقدسي الذي وضع الكتاب عام ٣٧٥ هـ / ٩٨٥ م. وقد نشره دي خويه عام ١٨٧٧ ، وطبع ثانية عام ١٩٠٦.
٦- (التنبيه والاشراف) للمسعودي (توفي في ٣٤٥ هـ / ٩٥٦م) نشره عام ١٨٩٤ في لايدن. ونشر في مصر عام ١٩٣٨ ، وترجم إلى الفرنسية.
٧- (مختارات من كتاب الخراج) لأبي فرج قدامة بن جعفر (توفي في ٣١٠ هـ/ ٩٢٢ م) يعرض نظام البريد والجباية والإدارة.
٨- (رحلة ابن جبير) نشره دي خويه عام ١٩٠٧ في لايدن. أما الجزء الخاص بأفريقيا والاندلس من كتاب (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) للادريسي فقد نشره دي خويه بالاشتراك مع دوزي مترجمة فرنسية عام ١٨٦٦.
٩- كتاب (تاريخ الرسل والملوك) للطبري (٢٢٤ – ٣١٠ هـ / ٦٣٩ – ٧٢٣ م). وهو أول من صنف تاريخاً كاملاً باللغة العربية منذ بداية التاريخ حتى عصره وزمنه. وقد نشره دي خويه للمرة الأولى في لايدن بين عامي ١٨٩٧ – ١٨٩٨ في ١٥ مجلداً بالتعاون مع عدد من المستشرقين المتخصصين في أوربا اعتماداً وتجميعاً لمخطوطات الكتاب في مكتبات العالم. وأضيفت له مقدمة وفهرس في لايدن عام ١٩٠١. ويُعد كتاب الطبري من أهم إصدارات دي خويه، ونشر في القاهرة في ١٣ جزءاً عام ١٩١٠. ونشرت منه موضوعات بعينها وترجمت إلى لغات أخرى مثل الألمانية والفرنسية والفارسية والتركية.
١٠- كتاب (الكامل في التاريخ) لابن الأثير.
 ١١- كتاب (تاريخ مكة) للأزرقي (توفي بعد عام ٢٢٤ هـ / ٨٥٨ م) وذلك في لايبزيغ عام ١٨٥٨ .
١٢- كتاب (تجارب الأمم) لابن مسكويه (٣٢٠- ٤٢١ هـ / ٩٣٢- ١٠٣٠ م) نشره في لايدن بين عامي ١٩٠٩ و١٩١٢.
١٣- قام بوضع (تقاويم للتاريخ والجغرافية الشرقيين) في ثلاثة مجلدات في لايدن عام ١٨٦٢.
١٤- كتاب (المذكرات الشرقية التاريخية والجغرافية) .

المستشرق هيرخرونيه
في عام ١٨٨٤ سافر هيرخرونيه إلى الديار المقدسة ليحضر مراسم الحج في مكة المكرمة وليتعرف على العرب والمسلمين عن قرب بعيداً عن آراء المستشرقين الآخرين وليكون له انطباعه ورؤيته الخاصة به. وقد غير هيئته وقابل قاضي مكة الشيخ إسماعيل أغا وأخبره برغبته بإعلان اعتناقه الإسلام طمعاً بنيل رضاه لدخول مكة . تسمى باسم إسلامي هو عبد الغفار .
التقى في مكة المكرمة بعدد من الشخصيات الإسلامية والفقهية. وأمضى في جدة ستة أشهر وفي مكة المكرمة ستة أشهر بين (١٨٨٤-١٨٨٥) وسكن في منطقة سوق الليل جمع خلالها كثيرة عن أحوال مكة ضمنها في كتابه (صفحات من تاريخ مكة المكرمة)   ، الذي كتبه باللغة الالمانية معللاً ذلك بأنها لغة مقروءة ومشهورة. تناول في الجزء الأول التاريخ السياسي لمكة المكرمة ، وتناول الجزء الثاني الأوضاع الاجتماعية لمكة المكرمة في الفترة التي أقام فيها.
تزوج هيرخرونيه مرتين من نساء مسلمات من إندونيسيا وأنجب منهن وله أحفاد مسلمون مقيمون في إندونيسيا ، ورفضوا الهجرة إلى هولندا.


المستشرق دوزي
١-(البيان المغرب في أخبار الأندلس و المغرب) للمؤرخ ابن عذاري المراكشي (توفي ٦٩٥ هـ / ١٢٩٥ م) ، محققاً لأول مرة، مع مقتطفات، من تاريخ عريب بن سعيد القرطبي (توفي ٩٧٩ هـ / ١٥٧١ م)، في جزئين، وتقع مقدمته بالفرنسية في ١١٩ صفحة، وذيله بمعجم في أربع صفحات؛ أما النص العربي فيقع في ٦٤٩ صفحة. (لايدن، مطبعة بريل : ١٨٤٨- ١٨٥١).
٢ـ (أبحاث في التاريخ السياسي والأدبي لإسبانيا خلال العصر الوسيط) ج ١ عام ١٨٤٩ (لايدن، بريل، في ١٢ + ٧١١ صفحة). وأعاد طبعه مرة ثانية معدّلة جداً، في مجلدين عام ١٨٦٠. وصحّح فيه كثيراً من الأخطاء التي وقع فيها الباحثون الأوروبيون الذين كتبوا عن تاريخ المسلمين في إسبانيا
٣- كلّف بعمل فهرس للمخطوطات العربية في مكتبة لايدن. فقام بهذه المهمة، وصدر الجزآن الأول والثاني بعنوان: (فهرس المخطوطات الشرقية في مكتبة أكاديمية (جامعة) لايدن) وذلك في عام ١٨٥١، لدى الناشر بريل.
٤- ابتداء من عام ١٨٥١ وطوال عشر سنوات تفرغ دوزي لتأليف كتابه الأساسي وهو: (تاريخ المسلمين في إسبانيا) ويمتد من بداية فتح الأندلس حتى مجيء المرابطين، أي من سنة ٧١١ إلى سنة ١١١٠م. ويقع في أربع مجلدات، تستغرق ٨ + ١٤٦٠ صفحة. وقد صدر عام ١٨٦١ لدى الناشر بريل Brill في لايدن.


الاستشراق الهولندي المعاصر
بعد الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩-١٩٤٥) ، وتأسيس منظمة الأمم المتحدة عام ١٩٤٥ ، والإعلان العالمي لحقوق الانسان عام ١٩٤٨ ، تغيرت نظرة المجتمع الدولي والشعوب حول كثير من المفاهيم القديمة التي سادت سلوك ومواقف الدول. وكانت حركة الاستشراق قد تأثرت كثيراً بهذه المفاهيم الجديدة ، التي لابد أن تتكيف معها وتغير مناهجها في التعامل مع الشعوب وعقائدها وعباداتها وحرية ممارستها ، هذه العوامل هي:

١-نبذ الاستعمار وأفكاره وهيمنته وظلمه للشعوب المستعمَرة. وكانت هولندا متورطة بحركة الاستعمار منذ تأسيسها لشركة الهند الشرقية الهولندية عام ١٦٠٢، واستعمارها لإندونيسيا المسلمة ثم نيلها استقلالها عام ١٩٤٩ . كما تصاعدت حركة التحرر الوطني وجلاء القوات الأجنبية وتأسيس حكومات يديرها أبناء البلدان المستعمَرة.
٢- تضاؤل ونبذ حركة التبشير المسيحي التي رافقت الاستشراق الأوربي ومنها هولندا. وكان قسم من المستشرقين مشغولين بدوافع تبشيرية كالتشكيك بنبوة النبي محمد (ص) ، التشكيك بصحة القرآن الكريم ، إرجاع الإسلام إلى مصادر يهودية ومسيحية ، اعتماد الأحاديث الضعيفة والأخبار الموضوعة وتشويه تعالم الإسلام وتعدد الزوجات ودفع المهور والعبيد والجواري وغيرها.
٣- تصاعد المطالبة بحقوق الانسان واحترام حقوق وحريات الشعوب وقومياتها وأديانها ومذاهبها ولغاتها وتراثها الشعبي وعاداتها وتقاليدها ، وما أكد عليه الإعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عام ١٩٤٨.
٤- انحسار المد العنصري والقومي الأوربي الذي كان ينادي بحضارة الرجل الأبيض والجنس الآري والعقلية السامية الساذجة لدى العرب، والتي تبناها بعض المستشرقين أمثال المستشرق الفرنسي إرنست رينان ( ١٨٢٣- ١٨٩٢) والمستشرق والمبشر الأمريكي صمويل مارينوس زويمر (١٨٨٧- ١٩٥٢)
المستشرق رودلف بيترز
ولد رودلف بيترز Rudolph Peters في ١٦ أيلول ١٩٤٣ وتوفي في ٢٦ آذار ٢٠٢٢ . درس القانون في جامعة أمستردام ، إلى جانب اللغات العربية والتركية. في عام ١٩٦٨ عُيّن محاضراً في قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية في جامعة أمستردام. في عام ١٩٧٩ نال شهادة الدكتوراه عن رسالته المسومة (الإسلام والاستعمار: عقيدة الجهاد في التاريخ الحديث). وأصبح بيترز مديراً للمعهد الهولندي للآثار والدراسات العربية في القاهرة للفترة ١٩٨٢-١٩٨٧ . في عام ١٩٩٢ عُيّن أستاذاً في جامعة أمستردام الحرة.
(الإسلام والاستعمار) : عقيدة الجهاد في التاريخ الحديث) (١٩٧٩).
 وقد ترجم إلى عدة لغات من بينها العربية. تناول الكتاب مفهوم الجهاد في التاريخ الإسلامي وأحكام الجهاد والحرب والفرار والكفار والأسرى والهدنة والأمان. كما قام بمسح تاريخي وجغرافي لحركات الجهاد التي قاومت الاستعمار الأجنبي مثل البريطاني في الهند ، والفرنسي في الجزائر ، وحركة المهدي في السودان ، ومقاومة الاحتلال البريطاني بقيادة أحمد عرابي، ومقاومة الاستعمار الإيطالي في ليبيا و إعلان الجهاد العثماني عام ١٩١٤ ،إضافة إلى المقاومة الدينية للاستعمار والصهيونية في فلسطين.


المستشرق شورد فان كوننكزفيلد
ولد شورد فان كوننكزفيلد Sjoerd van Koningsveld في مدينة ليورادن بشمال هولندا عام ١٩٤٣. درس الحقوق واللغات السامية وخصوصاً العربية في الجامعة الحرة بأمستردام. هذا الاهتمام المزدوج بهذين المجالين قاده إلى توجه ملحوظ ليكون عالماً وأستاذاً ومفكراً. كان شورد متخصصاً بفيولوجيا  philology اللغة العربية أي العلوم اللغوية في أصول الكلمات واشتقاقها. وقام بتحرير وترجمة نصوص عربية كثيرة وخاصة من شبه جزيرة إيبريا (اسبانيا والبرتغال) التي كانت تعرف بالأندلس. كما كان ضليعاً في المخطوطات العربية ، وموسوعيا كبيراً في الأدب الديني المكتوب باللغة العربية.

اشتهر شورد بدفاعه المستمر عن المسلمين في أوربا. وكان يدعو لحماية المسلمين من الإهانات العنصرية من خلال طرحه للنقد الديني ، ودعوته لإعادة النظر بالطريقة التي تمكن المسلمين من ممارسة عباداتهم في ظل أوربا العلمانية. وقد نشر العديد من الكتب والبحوث في هذا المجال حتى صار أشهر مستشار مطلوب مشورته سواء من الحكومة الهولندية أو من الجمعيات الإسلامية المختلفة في هولندا. كما لعب شورد دوراً محورياً في مختلف الدراسات والتدريب في مجال الإسلام في لايدن. لقد كان أستاذاً كاريزمياً وموجهاً ملهماً

١-الإسلام في المجتمع الهولندي: التطورات الحالية والتوقعات المستقبلية (١٩٩٢)
٢- المشاركة السياسية وهويات المسلمين في الدول غير المسلمة (١٩٩٦)
٣-اندماج الإسلام والهندوسية في أوربا الغربية (١٩٩١)
٤- العلاقات الثقافية والسلطات الدينية: المسلمون في الاتحاد الأوربي (٢٠٠٢)
٥- المسلمون على الهامش : الاستجابة السياسية لحضور الإسلام في أوربا الغربية (١٩٩٦)
٦- الحرية الدينية وموقع الإسلام في أوربا الغربية: الفرص والعوائق في اكتساب الحقوق المتساوية  (١٩٩٤)
٧- الحرية الدينية وحيادية الدولة: وضع الإسلام في الاتحاد الأوربي ( ٢٠٠١)
٨- التعليم الإسلامي في هولندا (٢٠٠٦)
٩- اعتناق المفكرين الأوربيين الإسلام: حالة المسيحي كريستيان سنوك هيرخرونيه إلياس عبد الغفار
١٠- الإسلام في هولندا وبلجيكا: التمأسس الديني في بلدين وتاريخ مجتمعي واحد.
١١-المسلمون كأقلية : الشتم في الصورة الغربية للإسلام

تجربتي مع المستشرق فان كوننكزفيلد
تعرفت على البروفسور شورد عام ١٩٩٦ عندما أردت دراسة الماجستير حول الإسلام والغرب في جامعة لايدن. أرسلت طلب الانتساب مع نسخة من دراستين منشورتين لي باللغة العربية. بعد عدة أسابيع جاءتني رسالة من معهد لايدن لدراسة الدين تتضمن قبولي بالماجستير ، وأنه لا حاجة لأداء امتحان القبول المطلوب. علمت أن الدراستين اللتين أرسلتهما أعطت تصوراً واضحاً عن إلمامي بالبحوث والمنهج العلمي الذي اعتمدته.

كان شورد مسؤولاً عن دراسة الماجستير  في معهد دراسة الأديان في جامعة لايدن وكانت الدراسة باللغة الانكليزية. وكان المنهج يتضمن دروساً في التاريخ الإسلامي والمخطوطات الإسلامية والإسلام المعاصر في أوربا والعالم والفتاوى الفقهية وتأثيرها في المجتمعات الإسلامية ودورها في النهضة الإسلامية والمواقف العامة تجاه التحديات.

درسنا في معهد لايدن لدراسة الأديان الإسلام بوصفه كعلم أي اسلامولوجي Islamology ويشمل ذلك تاريخ الإسلام ، مناهج دراسة الإسلام ، المجتمعات الإسلامية ، السلالات الحاكمة ، النشاطات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، دور علماء الدين في المجتمع الإسلامي ، والمساجد ودورها في المجتمع الإسلامي ، والمسلمون في العصر الحاضر ، الأقليات المسلمة في العالم اليوم الخ... ولم ندرس العقائد الإسلامية أو اللاهوت Theology كالتوحيد والنبوة والمعاد واليوم الآخر و الحساب ، أو العبادات كالصيام والصلاة والحج والزكاة وغيرها ، فهذه مهام الحوزات العلمية والمدارس والمعاهد والجامعات الإسلامية. نعم ندرس بعض الفتاوى ذات التأثير المباشر على المجتمع مثل فتاوى الجهاد و مقاطعة منتج معين ومنع استيراد بضاعة معينة ، أو تحريم المشاركة في الانتخابات أو التوظيف في الجيش والشرطة وغيرها.

وكنت أراجع شورد في كثير من المسائل العلمية وأناقش معه بعض الأفكار ومنها عدم وجود مصادر شيعية حديثة في مكتبة جامعة لايدن. وأتذكر أنه قال: نحن المستشرقون ندرس الإسلام السني وهو مذهب الأكثرية المسلمة. كما أننا درسنا وتدربنا في دول إسلامية سنية مثل مصر وسوريا والمغرب واندونيسيا وغيرها. ولذلك ليس لدينا مصادر شيعية لأننا لم نطلع عليها أو لم نزود بها من قبل الجامعات الشيعية كما تفعل الدول والجامعات السنية التي تهدينا مطبوعاتها وإصداراتها بشكل مستمر.

ولذلك قمت بتقديم المصادر الفقهية الشيعية إلى مكتبة الجامعة. كما قدمتها لطلبة الماجستير العرب الذين يدرسون معي. وكان لهذه المبادرة أثر طيب أغنى أوراقهم البحثية وأطروحاتهم. كما أن لجنة المناقشة التي ناقشت أطروحتي ، أثنت كثيراً على تقديمي المساعدة وتزويد الطلاب الاخرين بمصادر فقهية لتخدم أطاريحهم. وقد تفاجئت بأن اللجنة التي تكونت من أربعة مستشرقين كان يراقبون الطلاب أثناء الدراسة.

كان شورد فان كوننكزفيلد أستاذاً مربياً ذا أدب عالي ومعرفة موسوعية في الإسلام. وكانت نقاشاته علمية بحتة ، ولم أشعر يوماً بتلميح مسيحي أو إساءة للإسلام والمسلمين. كان ينقد الأفكار المبنية على معلومات خاطئة أو غير دقيقة. وكان يطرح بعض شبهات المستشرقين بهدف الرد عليها أو أن هناك رأياً آخر للقضية موضوع النقاش.

تناقشت معه يوماً حول (نهج البلاغة) وأنه من جمع الشريف الرضي. فقال: إن الخطب وبعض العبارات لم تكن مستخدمة في صدر الإسلام في عهد الامام علي (ع). فاستعنت بمنهج السيد عبد الزهرة الخطيب الذي تابع مصادر الخطب والرسائل والحكم العلوية فوجدها في كتب ومؤلفات سبقت تأليف نهج البلاغة، أو أنها وردت عن طرق أخرى غير التي اعتمدها الشريف الرضي.

كان شورد لا يخفي إعجابه بكتاباتي وبحوثي التي قدمتها في الماجستير. وعندما كان يمنحني تسعة من عشرة كدرجة تقييم، كان بعض الطلاب يطالبونه بمنحهم درجات عالية مثل صلاح عبد الرزاق وليس ست أو سبع درجات. فكان يرد عليهم: إن ما يقدمه عبد الرزاق ذا مستوى عال، فإذا منحتكم تسع درجات ، فكم أمنح عبد الرزاق؟ ١٢ أم ١٥ درجة؟

ذكريات ومناقشات

من الذكريات التي علقت بذهني هي أنه في أحد الدروس دخل علينا المستشرق تير هار Ter Haar الخبير بتاريخ الشيعة وعقائدها والمرجعية. كان يتحدث وبالتواريخ وهو يحفظها. وقف قرب السبورة ورسم هيكل العائلة النبوية ، ثم أسماء الأئمة وتاريخ وفاة كل منهم ، ثم الامام المهدي (ع) وتاريخ ولادته وغيبته ، ثم سفراءه الأربعة واحداً واحداً. بعدها تناول نظرية نيابة الامام المعصوم المتمثلة بالفقهاء والمراجع. عندها شعرت أن هذا الرجل الموسوعي المتبحر بتاريخ وعقائد الشيعة لا يضاهى في النجف الأشرف.

وأتذكر أن الدكتور المصري نصر حامد ابو زيد (١٩٤٣- ٢٠١٠) قد ألقى محاضرة فينا بحضور عدد من المستشرقين الهولنديين. فتحدث عن اللوح المحفوظ والقرآن الكريم. فانبرى لهم المستشرق الهولندي يانسن قائلاً: إن ما تتحدث به خارج مجال بحثنا الاكاديمي لأنه في علم الغيب ، ونحن لا ندرس الغيب لأنه لا يمكننا فحصه أو امتحانه فهو غير قابل للفحص untestable  . وعليه فكلامك خارج إطار المنهج العلمي والأكاديمي.
وتحدث الدكتور أبو زيد مدعياً أن تعدد الزوجات في السلام ليس مطلقاً أو مفتوحاً بل أن القرآن اشترط أن تكون الزوجة الثانية والثالثة والرابعة أرامل ولديهم يتامي انطلاقاً من قوله تعالى (( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا  ))
وأضاف : إن الآية فيها شرط (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامي ) ثم جواب الشرط (فانكحوا ما طاب). وأن الزواج بالثانية لا يتحقق إلا بوجود يتامى لديها.


اطروحة الماجستير
في أيلول/ ١٩٩٦  بدأت الدوام في معهد لايدن لدراسة الأديان التابع للجامعة  Leiden Institute for the Study of Religions  (LISOR) وهو معهد متخصص بدراسة جميع الأديان، وخاصة اليهودية والمسيحية والإسلام.
في السادس من شهر أيار ١٩٩٧ ناقشت أطروحة الماجستير حضر المناقشة المستشرق البروفسور الكسندر فاندر كوي Van der Kooi رئيساً وهو رئيس المعهد الإسلامي في لايدن، وعضوية البروفسور يانسن أستاذ ومدير المعهد العربي في القاهرة، والدكتور كابتين المتخصص بالإسلام في أندونيسيا، إضافة الأستاذ المشرف فان كوننكزفيلد. وقد جرت المناقشة بلا مراسم ، وفي غرفة عادية، وحضور من الأصدقاء إضافة إلى أسرتي.
بعد أن سلط الضوء على فصول الأطروحة وأهميتها، وأنها جديدة في أبوابها، تحدث رئيس اللجنة عن أمرين لفتا نظره هما:
الأول، أنني لم أكتف بالفتاوى المنشورة والمتوفرة، بل بادرت إلى مفاتحة المؤسسات الدينية والمفتين المسلمين ، والحصول على فتاوى جديدة، فهي فتاوى جديدة وخاصة بالبحث ولم تنشر من قبل. ولما كانت هذه الفتاوى جزءاً من أطروحة الماجستير، فهي من مقتنيات جامعة لايدن لأن الأطروحة نوقشت فيها.
الثاني، أنك بذلت جهوداً طيبة وبادرة رائعة تمثلت في تقديم المساعدة لزملائك من طلاب الماجستير. وهذا أمر نعتز به كثيراً كونه يشير إلى قدرتكم في العمل داخل فريق، إضافة إلى خبرة قيادية في النصح والتسديد والترشيد. ونحن نشكرك كثيراً على نشر مثل هذا السلوك الراقي.
وفي الختام أعلن منحي درجة (ممتاز) معلقاً بأنه من النادر أن تمنح جامعة لايدن مثل هذه الدرجة العالية، ولكن تقديراً لجهودك ، ولأن موضوع الأطروحة يحمل أشياء جديدة في البحث العلمي، وفي مجال الفقه السياسي الإسلامي، فإنك تستحق ذلك.




إعداد رسالة الدكتوراه
بعد نيلي شهادة الماجستير وبدرجة ممتاز عام ١٩٩٧ كنت متحمساً للحصول على شهادة الدكتوراه. فاتحت أستاذي بالأمر ، وكان مؤيداً لذلك لما لمسه من حرص وجدية ورصانة في أدائي ودراستي، تشجع أستاذي في تقديم الدعم المطلوب. إذ كتب طلباً إلى إدارة الجامعة يوصي فيه بضرورة منحي فرصة لإكمال دراستي، والحصول على زمالة دراسية تغطي تكاليف الدراسة. كما أثنى على جهودي وحصولي على أعلى درجة في الماجستير، وأن هناك ما يمكن أن أقدمه للبحث العلمي. وكان هناك برنامج أكاديمي يمنح بموجبه الطلاب فرصة إنجاز بحوث معمقة، ومن ثم الحصول على شهادة الدكتوراه. ويتضمن البرنامج منح الطلاب رواتب شهرية ، إضافة إلى تحمل نفقات الدراسة والكتب والسفر وغيرها.


مناقشة رسالة الدكتوراه

قبل موعد المناقشة بثلاثة أيام، تم إعلامي من قبل مشرف القاعة بالحضور لإجراء تمرين (بروفه) وكان يرتدي روباً خاصاً وقبعة على رأسه، ويحمل بيده صولجاناً، بأن أتبع خطواته وإشاراته ، فأجريت التمرين كي لا يحدث خطأ في مراسم التخرج. وكان يتوجب حضور مرافقين يقفان على جانبي. اخترت ولدي جعفر وكان طالباً في كلية الحقوق بجامعة أيراسمس في روتردام، وزميلة له في نفس الكلية . وكان عليهما القيام إذا أنا جلست، ويجلسان إذا قمت. كانت الأطروحة مكتوبة باللغة الانكليزية، لكن أستاذي أبلغني بأن المناقشة ستكون بالهولندية، فلما قلت له أنني كتبت الأطروحة بالانكليزية، لكنه قال: إنك تجيد الهولندية، وأنا واثق من أنك قادر على ذلك. كما أن أعضاء اللجنة والجمهور هم هولنديون. وافقت على الطلب، وأمري إلى الله.
دخلت القاعة قبل الموعد، ثم بدأت المراسم بدخول حامل الصولجان، ثم أعضاء لجنة المناقشة. لقد دهشت بعدد أعضائها البالغ أحد عشر عضواً ، وعلى رأسهم رئيس الجامعة ، الذي من النادر أن يحضر مثل هذه النقاشات. أما أعضاء اللجنة فكلهم من كبار المستشرقين ، وكل منهم متخصص بفرع بالإسلام أو ببلد إسلامي معين. وكذلك المشرف على الأطروحة أستاذي شورد فان كوننكزفيلد. وكانت الأطروحة قد تمت طباعة خمسين نسخة منها توزع على الحضور ، ولجنة المناقشة من قبل.
افتتح رئيس الجامعة مراسم المناقشة، وكان كل أستاذ قد تسلم نسخة من الأطروحة وقرأها ودون ملاحظاته عليها. لذلك لم يُطلب مني عرض موجز للأطروحة ، بل باشر كل مستشرق بطرح سؤال واحد. وبعد أن أجبت عليها، نهض رئيس الجامعة ، وقرأ نص الشهادة ، ثم سلمها لي، وصافحني، ثم صافحني بقية أعضاء اللجنة، وهنأوني بنيل الشهادة. بعد ذلك تبعنا صاحب الصولجان إلى خارج القاعة، ثم توجهنا إلى قاعة أخرى لتقديم الضيافة (عصير وماء وبسكويت). وتبادلنا الأحاديث مع الأساتذة. والتقطنا صوراً مع بعض الأساتذة والأصدقاء الذين حضروا المراسم. كما حضر أستاذي المشرف وزوجته العراقية.
وقد قامت دار نشر بيترز PEETERS في بلجيكا بطباعة الرسالة وعرضت نسخها للبيع في شركة أمازون الأمريكية الشهيرة Amazone . كما تم اعتمادها ضمن مناهج الدراسة المقررة في قسم الإسلام بجامعة أوتريخت Utrecht.وقد علمت بذلك بالصدفة عندما دخل ولدي جعفر على الموقع وشاهد الكتاب ضمن الكتب المعرضة للبيع عبر الانترنت. فطلبت منه شراء كل النسخ الموجودة لديهم، فحصلت على آخر أربعة نسخ لدى الشركة. كما قمت بترجمة الأطروحة فيما بعد إلى اللغة العربية فصدرت بعنوان (المفكرون الغربيون المسلمون) ، حيث صدرت الطبعة الأولى بمجلد واحد عن دار الهادي عام ٢٠٠٥. وصدرت الطبعة الثانية بمجلدين عام ٢٠٠٩ .  



الفصل الخامس : تراجيديا إخراج المسلمين من الأندلس
كتاب (ناصر الدين على القوم الكافرين) لأحمد بن قاسم الحجري
رحلة الحجري إلى فرنسا ونقاشاته حول الاسلام
جهود دبلوماسية لقضية المورسكيين واسترجاع أموالهم المنهوبة
رحلة الحجري إلى هولندا ولقائه بمؤسس هولندا الأمير وليام
أمس, 21:05
عودة