"Today News": بغداد
المصطلحات المستخدمة
مقدمة توضيحية
أودّ أن أكرر ابتداءً أنَّ هذا المقال والذي سبقه لا يتناول دراسة الدكتور الشيخ مرتضى فرج بنقد سلبي، ولا يهدف إلى التقليل من الجهود العلمية الكبيرة التي بذلها في جمع المادة وتحليلها وتقديمها بلغة أكاديمية دقيقة بل إنَّ ما أقدّمه هنا هو توضيح منهجي يتعلق بأثر اختلاف اللغة والمصطلحات على فهم النظرية الصدرية، لا تقويماً لشخص الباحث ولا لجهده .
لقد كانت الدراسة التي قدّمها الدكتور الشيخ مرتضى فرج (حفظه الله) تمثّل جهداً علمياً معتبراً ، وهي مبنية على فهم عميق لنظرية السيد محمد باقر الصدر ( رحمه الله ) ولما قابلها من فلسفات اخرى .
ما أطرحه هنا هو محاولة لبيان الفارق بين لغة الصدر الأصلية ولغة العرض الأكاديمي الغربية، بما يحفظ مقام الباحث ويحمي أطروحة الصدر فيما تناوله من نظريته المعرفية.
فقرة تمهيدية :-
هذا المقال ليس بحثًا شاملاً يهدف إلى استقصاء جميع المصطلحات التي استخدمها الفليسوف الاسلامي الصدر في الأسس المنطقية، ولا جميع المصطلحات التي اعتمدها الدكتور مرتضى فرج في عرضه الأكاديمي ، فذلك عمل موسّع يتطلّب مساحة مختلفة ومنهجًا آخر
أما هنا في هذا ( الموجز ) فسأختار عيّنةً من المصطلحات التي أراها الأكثر حضوراً ، وتأثيراً في بناء النظرية الصدرية، وفي الوقت نفسه المصطلحات التي استخدمها الباحث لإعادة الصياغة .
و ما اخترته من عينات ( ربما) تكون مدخلاً كافياً للكشف عن أثر اختلاف اللغة على فهم النظرية، وعن السؤال المركزي الذي أطرحه:
" هل المصطلحات الغربية التي استخدمها الباحث تفي بمراد الصدر، أم أنها تنتج قراءة مختلفة للنظرية؟"
وعند المقارنة سنرى النتيجة في خاتمة المقال ..
المصطلحات :-
أولًا: الاطمئنان النفسي (الصدر) مقابل الاحتمال الرياضي (مرتضى)
1) المصطلح الصدري
الاطمئنان عند الصدر حالة نفسية–عقلية تتولد من تراكم الشواهد، وتكفي لاتخاذ القرار والعمل وبالتالي فهو يقين عقلائي وليس يقينًا رياضيًا.
2) المصطلح المقابل عند مرتضى
الاحتمال الرياضي قيمة رقمية تعبّر عن درجة الصدق الإحصائي، وتخضع لقواعد حسابية بحتة .
3) السؤال المنهجي
هل يوفّي الاحتمال الرياضي بمراد الصدر؟
الجواب: لا
لأن الاطمئنان حالة داخلية وجودية يعيشها الإنسان في ذاته
بينما الاحتمال قيمة حسابية لا تلتقط هذا البعد النفسي–العقلائي ربما تنتقل الى الفعل الخارجي .
ثانيًا: التوالد العقلي (الصدر) مقابل الاستدلال الصوري (مرتضى)
1) المصطلح الصدري
التوالد العقلي حركة داخلية تتفاعل فيها الشواهد، فيتولد منها يقين عقلائي تدريجي ، ديناميكي ، وهي عملية تراكم نفسي في الوعي .
2) المصطلح المقابل عند مرتضى
الاستدلال الصوري عملية منطقية مغلقة تعتمد على مقدمات ونتائج وفق بنية رياضية ،(وقد لا تفي بالغرض ) ..
3) السؤال المنهجي
هل يوفّي الاستدلال الصوري بمراد الصدر؟
الجواب: لا.
لأن التوالد العقلي ديناميكي ومفتوح، بينما الاستدلال الصوري ثابت ومغلق ،
فالصدر يتجه الى (الاطمئنان ) الذي نمى من خلال التراكم بينما قام الشيخ بحساب الاحتمالات وقد تصل الى نسبة ال99%
ثالثًا: اليقين العقلائي (الصدر) مقابل الصدق الاحتمالي (مرتضى)
1) المصطلح الصدري
اليقين العقلائي يقين يكفي للعمل، حتى لو لم يكن يقينًا منطقيًا أو رياضيًا ،فهو تراكم القرائن
2) المصطلح المقابل عند مرتضى
الصدق الاحتمالي درجة احتمالية تُحسب وفق قواعد الاحتمال ولا تصل الى الاطمئنان عند الصدر ..
3) السؤال المنهجي
هل يوفّي الصدق الاحتمالي بمراد الصدر؟
الجواب: لا.
لأن اليقين العقلائي يتولد من خبرة الإنسان، وتفاعله اليومي .
رابعًا: الاستدلال اليومي (الصدر) مقابل الاستقراء العلمي (مرتضى)
1) المصطلح الصدري
الاستدلال اليومي هو الاستدلال الذي يمارسه الإنسان في حياته، ويعتمد على التجربة والفطرة وتراكم الشواهد التي تعزز المراد
2) المصطلح المقابل عند مرتضى
الاستقراء العلمي منهج تجريبي صارم يعتمد على الملاحظة والتكرار والتعميم.
3) السؤال المنهجي
هل يوفّي الاستقراء العلمي بمراد الصدر؟
الجواب: ليس بصورة شاملة بل بصورة جزئية .
لأن الاستقراء العلمي جزء من الاستدلال اليومي، لكنه لا يغطي اتساعه ومرونته.
خامسًا: نظرية المعرفة العقلائية (الصدر) مقابل الإبستمولوجيا (مرتضى)
1) المصطلح الصدري
الصدر لا يستخدم “الإبستمولوجيا”، بل يقدم رؤية معرفية عقلائية تقوم على الفطرة، التجربة اليومية، والعقل العملي، كلها تتبع أُسس معرفية أوجدها الصدر وهو يعي ما يؤسس له .
2) المصطلح المقابل عند مرتضى
الإبستمولوجيا الغربية تبحث في شروط المعرفة ومبرّراتها ضمن إطار تحليلي–صوري.
3) السؤال المنهجي
هل تفي الإبستمولوجيا بمراد الصدر؟
الجواب: لا.
لأن الإبستمولوجيا تهدف إلى تعريف المعرفة، بينما الصدر يهدف إلى تفسير كيف يصل الإنسان إلى الإيمان عبر منهج عقلائي–إنساني.
الخلاصة:-
المقارنة بين المصطلحات الصدرية والمصطلحات الغربية التي استخدمها الدكتور مرتضى فرج رغم دقتها في بيئتها لكنها لا تفي بمراد الصدر في أغلب الأحيان.
لقد تغيّرت طبيعة المفاهيم، ونقلت النظرية من سياق عقلائي–إنساني إلى سياق تحليلي–غربي.
هذا لا يعود إلى قصور في فهم الباحث، بل إلى اختلاف اللغة والمنهج. ومن هنا يمكن القول إنَّ دراسة مرتضى قدّمت قراءة موازية للفلسفة الصدرية، لكنها ليست تطويراً للنظرية بقدر ما هي إعادة صياغة لها بلغة فلسفية أخرى، وهي تخلق نموذجاً مختلفاً لنظرية الصدر وليس الذي صاغه الفيلسوف الصدر .
ملاحظة لابد منها :-
هذا المقال لا يغلق باب قراءة الدكتور مرتضى فرج حفظه الله ، ولا ينتقص من جهده العلمي، بل يغلق باب الالتباس الذي قد ينشأ من اختلاف اللغة والمصطلحات، ويفتح في المقابل باباً أوسع للنقاش العلمي حول أدوات الصدر ومنهجه.
فما تم تقديمه من قبل الدكتور الشيخ قراءة موازية، لا قراءة نافية،
بمعنى أنَّ المسارَ مفتوحٌ، و يمكن للباحثين البناء عليه أو تطويره أو مناقشته، مع حفظ مقام الباحث وحقّه العلمي، و أودُ شكرَهُ لأنه نقل فلسفة الصدر ( الاسلامية ) الى العالمية ، وأثبت انها قابلة للعرض والنقاش وفق المنهج الفلسفي الغربي ، بالرغم مما قدمته من ملاحظات في القسمين الاول والثاني مما كتبته .