"Today News": متابعة
من المقرر أن يُعاد، يوم غد الاثنين، افتتاح منفذ ربيعة الحدودي بين العراق وسوريا، بعد إغلاق استمر لأكثر من عقد من الزمن، وتحديداً منذ عام 2013، على خلفية تدهور الأوضاع الأمنية في المنطقة وسيطرة جماعات مسلحة على الجانب السوري من الحدود. وتُعدُّ هذه الخطوة تطوراً لافتاً في مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ومحاولة جادَّة من العراق لإعادة تنشيط قنواته التجارية وتنويع منافذه الحدودية.
ويكتسب المنفذ أهمية إستراتيجية كونه يربط محافظة نينوى بالأراضي السورية، ما يفتح المجال أمام استئناف حركة التبادل التجاري البري، ويمنح العراق منفذاً إضافياً للوصول إلى أسواق إقليمية ودولية، خصوصاً عبر الأراضي السورية باتجاه البحر المتوسط.
في هذا السياق، يرى الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد عيد أن العراق بات بحاجة ملحَّة إلى إعادة رسم خريطة منافذه التجارية، مشيراً إلى أن الاعتماد الكبير على السوقين التركية والإيرانية كشف عن هشاشة نسبية في سلاسل الإمداد خلال الأزمات الإقليمية. وأوضح أن إعادة افتتاح منفذ ربيعة تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح نحو بناء بدائل تجارية أكثر توازناً.
وأضاف عيد أن سوريا، رغم التحديات التي تواجهها، تمثل سوقاً واعدة يمكن أن تسهم في تعزيز التبادل التجاري، ليس فقط باعتبارها ممراً للترانزيت، بل كاقتصاد إنتاجي في مجالات الزراعة والصناعات الغذائية. كما أشار إلى أن الموقع الجغرافي لسوريا يمنح العراق فرصة للوصول إلى أسواق جديدة، ما يعزز من قدرته التصديرية على المدى المتوسط والبعيد.
وفي الوقت ذاته، شدد عيد على أن نجاح هذه الخطوة يتطلب إجراءات مرافقة، أبرزها إحكام السيطرة على المنافذ الحدودية، سواء الرسمية أو غير الرسمية، للحدِّ من عمليات التهريب والعبور غير المنظم، لما لذلك من تأثير مباشر في الإيرادات الجمركية واستقرار السوق المحلية.
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي جليل اللامي أن إعادة افتتاح منفذ ربيعة تمثل خطوة اقتصادية مهمة من شأنها أن تنعكس تدريجياً على حجم التبادل التجاري بين العراق وسوريا، لافتاً إلى أن حجم التبادل قبل عام 2011 كان يتراوح بين 1.5 إلى 2 مليار دولار سنوياً، قبل أن يتراجع بشكل حادٍّ بعد إغلاق المنافذ.
وبيّن اللامي أن التوقعات الأولية تشير إلى إمكانية وصول حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى ما بين 500 مليون ومليار دولار سنوياً خلال السنوات الأولى من إعادة التشغيل، شريطة استقرار الأوضاع الأمنية وتطوير البنية التحتية وتفعيل منظومة النقل البري. وأضاف أن المنفذ قد يستوعب في مرحلته الأولى ما بين 200 إلى 500 شاحنة يومياً، وهو ما يعكس طاقة تشغيلية يمكن أن تتوسع لاحقاً.
وأشار اللامي إلى أن تنشيط المنفذ سيسهم في دعم الاقتصاد المحلي في محافظة نينوى، من خلال تحفيز الحركة التجارية وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، فضلاً عن إعادة التوازن إلى مسارات التجارة الخارجية للعراق، وتقليل الاعتماد على منافذ محددة، الأمر الذي يعزز من مرونة الاقتصاد الوطني في مواجهة الأزمات.
ورغم التفاؤل الحذر الذي يحيط بإعادة افتتاح المنفذ، إلا أن التحديات لا تزال قائمة، وفي مقدمتها واقع البنية التحتية في الجانب السوري، إضافة إلى الحاجة لتأمين طرق النقل وضمان إنسيابية حركة البضائع. كما أن تحقيق قفزة نوعية في حجم التبادل التجاري سيبقى مرهوناً بمدى التنسيق بين الجانبين، وتطوير الإجراءات الجمركية، وتوفير بيئة آمنة ومستقرة للتجارة.
ويخلص مراقبون إلى أن إعادة افتتاح منفذ ربيعة تمثل بداية لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي بين العراق وسوريا، لكنها في الوقت نفسه تتطلب رؤية إستراتيجية وإدارة فعالة لضمان تحقيق الأهداف المرجوَّة. فنجاح هذه الخطوة لن يقاس بمجرد إعادة فتح المنفذ، بل بقدرته على التحول إلى نقطة ربط تجاري إقليمي تسهم في تعزيز موقع العراق في شبكة التجارة الإقليمية والدولية.