الرئيسية / العراق والمنعطف الحرج للاصلاح

العراق والمنعطف الحرج للاصلاح

"Today News": بغداد 

لم يكن الربط الذي طرحناه سابقاً بين الأزمة الإقليمية الراهنة والحاجة إلى الإصلاح في العراق ربطاً سببياً بقدر ما هو ربط كاشف. فالإصلاح في العراق ليس وليد حرب أو ازمة ،، بل هو ضرورة بنيوية مؤجلة منذ 2003. غير أن ما أظهرته الحرب الأخيرة في الإقليم هو حجم الانكشاف الحقيقي للدولة العراقية، بما يجعل الحديث عن الإصلاح ينتقل من خانة “الضرورة المؤجلة” إلى “شرط البقاء”.

في أدبيات العلوم السياسية، يُستخدم مفهوم “المنعطف الحرج” (Critical Juncture) لوصف لحظات تاريخية قصيرة نسبياً، تتكثف فيها الضغوط والأزمات، وتصبح الخيارات فيها محدودة لكنها حاسمة، بحيث تؤدي القرارات المتخذة خلالها إلى مسارات طويلة الأمد يصعب التراجع عنها. هذه اللحظات لا تصنع الأزمات، لكنها تكشف التراكمات البنيوية وتفرض إعادة تشكيل النظام السياسي أو انهياره .
فخلال الأسابيع الماضية، ومع تصاعد التوتر الإقليمي، ظهرت سلسلة من المؤشرات التي تعكس هشاشة عميقة:
•الاقتصاد العراقي يواجه ازمة خارجية تنعكس داخليا بشدة .
•أكثر من 70% من الإنفاق الحكومي يذهب إلى الرواتب والدعم، مقابل ضعف شديد في الاستثمار الإنتاجي.
•النظام المالي مرتبط إلى حد كبير بالدولار الأمريكي، ما يجعل أي قيود على التحويلات أو الإمدادات النقدية ذات أثر مباشر على السوق والاستقرار النقدي.

وفي هذا السياق، جاءت الإجراءات الأمريكية الأخيرة — من تشديد القيود على تدفق الدولار، إلى تقليص مستويات التنسيق الأمني والإسناد اللوجستي — لتكشف أن جزءاً مهماً من استقرار الدولة العراقية ما يزال مرهوناً بعوامل خارجية، وليس بقدرات داخلية مستقلة.

هذه المعطيات أعادت طرح سؤال السيادة بشكل مختلف: ليس بوصفها شعاراً سياسياً، بل كقدرة فعلية على إدارة الاقتصاد والأمن دون انكشاف حاد عند كل أزمة.
إزاء هذه اللحظة، ينقسم المشهد العراقي إلى ثلاث قراءات رئيسة:

القراءة الأولى : ترى أن العراق يتجه ليكون ساحة مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، سواء عبر ضغط أمريكي أو ترتيبات إقليمية أوسع. هذا الاتجاه يحذر من أن أي صدام مفتوح قد يدفع البلاد إلى تكرار سيناريوهات عدم الاستقرار، ويدعو إلى “حل داخلي استباقي” يعالج ملف السلاح المنفلت قبل أن يُفرض من الخارج.
القراءة الثانية : تراهن على استمرار “التوازن الهش”، أو ما يمكن تسميته بإدارة الأزمة بدل حلها. حيث ترى أن الولايات المتحدة وإيران، رغم التصعيد، لا تزالان تفضلان العمل عبر أدوات غير مباشرة، ما يمنح العراق فرصة لشراء الوقت بانتظار حكومة جديدة قد تكون أكثر قدرة على المناورة.
أما القراءة الثالثة، فتدفع باتجاه التصعيد، تحت عنوان “استعادة السيادة”، عبر مواجهة النفوذ الأمريكي والضغوط الخارجية. غير أن هذا الخيار يتجاهل اختلال موازين القوى، وقد يقود إلى نقل الصراع الإقليمي إلى الداخل العراقي بشكل مباشر.
غير أن المشكلة الأعمق لا تكمن في اختلاف هذه القراءات، بل في البيئة التي تتحرك فيها. فالعراق اليوم يعاني:
•فراغاً حكومياً أو ضعفاً في الفاعلية التنفيذية
•انقساماً سياسياً حاداً داخل المكونات الرئيسية
•هيمنة السلاح خارج إطار الدولة في أجزاء من المشهد
•اختلالاً في العلاقة بين المركز والإقليم
•وتزايداً في الضغوط الإقليمية والدولية
في هذا السياق، تبدو مواقف الأطراف متباينة ومرتبكة فالولايات المتحدة تربط دعمها بإعادة ضبط ملف الفصائل، دول الخليج تبدي قلقاً متزايداً من المسار العراقي، الأكراد يعززون قنواتهم مع واشنطن طلباً للضمانات، السنة يبحثون عن تمثيل سياسي أكثر تماسكاً، بينما يواجه الشيعة المعتدلون معضلة التوازن بين الدولة ومنطق السلاح.
كل ذلك يجري في ظل عجز واضح عن إنتاج قيادة سياسية قادرة على إدارة هذه اللحظة. فالإطار السياسي، حتى الآن، لم ينجح في تقديم شخصية تمتلك الوزن السياسي والقدرة التنفيذية لإدارة مرحلة تتسم بالتعقيد والتداخل بين الداخلي والخارجي.
هنا تحديداً تتجلى فكرة “المنعطف الحرج”:
العراق ليس أمام أزمة عابرة، بل أمام لحظة قرار تاريخي ، فإما أن تتحول هذه اللحظة إلى نقطة انطلاق لإصلاح حقيقي ،  يبدأ بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسلاح، وتنويع الاقتصاد، وإعادة بناء الثقة الداخلية والخارجية
أو أن تتحول إلى مسار انحداري، يعمّق الهشاشة ويجعل من العراق ساحة دائمة لتقاطع الصراعات الإقليمية.
النافذة ما تزال مفتوحة، لكنها ليست مفتوحة إلى الأبد.
وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون كلفة القرار مرتفعة فحسب، بل تكون كلفة التردد أعلى بكثير.
اليوم, 12:07
عودة