الرئيسية / وقفة مع مؤمنات القرآن الكريم (2) الجزء الرابع

وقفة مع مؤمنات القرآن الكريم (2) الجزء الرابع

"Today News": بغداد 
 
 مريم (ع) بين العبادة والعلم

  لم يشأ القران الكريم  أن يُظهر لنا الجانب العبادي في شخصية مريم (ع)  فحسب بل أردفه بالجانب العلمي ، وكأنَّ الشخصية الرسالية  لها بعدين  بعد عبادي أخلاقي وبعد علمي .
وربما لُخصت حياتها في الاية 12 من سورة التحريم {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ}.لتكون مثلاً أعلى للمؤمنين  ، وهذه الاية على قصرها تبين السلوك المتوازن في عفة وطهارة لتستحق حمل روح الله المسيح(ع) بتلك الطريقة الاعجازية ، وعلمها من خلال ما التصديق بكلام الله من خلال وحيه وسيأتي استعراض ذلك لاحقاً ،وكل هذه المسيرة تُختصر بعبارة { كانت من القانتين } حيث أدت اوامرَ الله سبحانه وتعالى في العبادة على أكمل وجه ، وهو ما أشار إليه حديث  رسول الله (ص) في ذكرها مع  النساء  اللاتي إكتمل إيمانهن  " كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلّا أربع : آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ، ومريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد " .
و لا بأس من التذكير أنَّ مريم هي اكثر النساء ذكراً في القران وهي الوحيدة التي جاء اسمها صريحاً ، و سميت سورة باسمها كرامةً  لها ،  ولعل هذه الكرامة تتجلى أكثر عندما نجد أنَّ الثناء كان لذكرها مرافق في كل المواضع .
 سورة الانبياء :-
و قد ورد ذكرها في سورة الانبياء  لكن دون التصريح باسمها حيث ذُكر الانبياء و أُشير الى  صفتها وسلوكها الطاهر ، ولعل ذلك نوع من الكرامة  أنْ لايأتي ذكرها مع الرجال ،
لكن هناك رأي أخر وهو المشهور عند البلاغيين والمفسرين بأنَّ عدم ذكر اسمها كي لايتم الخلط بينها وبين الانبياء !!..

محاورة هادئة في معنى  الصديقة :-
لقد توجها القران الكريم بلقب الصديقة { مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ } سورة المائدة الاية 75 .

يضعنا القران الكريم أمام صفة مميزة لمريم (ع) وهي (الصديقة ) العالمة  فلا يمكن لانسان أن يصدق دون أن يمتلك المعرفة والوعي الكامل بما يصدق به
وهي قد  أُوحي إليها، فجمعت بين العبادة والعلم، بين الطهر والصدق
مع صفاء نفسي وذهني بما ينتظرها من واجب رسالي .
لقد بعض المفسرين إلى القول بإنها بلغت مقام (النبوة ) وهم يقصدون النبوة الخاصة بلا شك لا النبوة والرسالة ،وهناك فرق واضح بينهما ،
وفي المقابل يلتزم الكثيرون بوصفها بالصدِّيقة الذي جاء لتأكيد مقامها عندما ذُكرت بعد ولدها الرسول ليؤكد مقامها الرفيع في عبوديتهما وينفي عنهما الربوبية التي  ادعاها المنحرفون بعد قرون من صعود المسيح (ع) .
فمقام الصديقة هو
ومن الجدير ذكره أنها الوحيدة من النساء المؤمنات التي شرف الله بهذا اللقب.
ولعلنا  نطرح تساؤلاً  بسيطاً هل ينفي وصف الصديقة  مقام النبوة الخاصة عن مريم ( ع) ، سيما وأنَّ هذا الوصف أُطلق على  أنبياء آخرين
في الكتاب العزيز !!؟
لقد وصف النبي ابراهيم(ع) بالصديق { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا} مريم الاية 41 ، و وكذلك النبي ادريس (ع){وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} سورة مريم الاية 56.
والملاحظ أنَّ كلا الايتين ذكرتا في سورة مريم ، لكن كلا الذكرين جاء بعدها (نبياً) .
اما عن يوسف فلقب الصديق جاء على لسان أحد صاحبيه في السجن وهو ساقي الملك الذي نجا من القتل بعد براءته من التهمة التي أُلصقت به ، وكان يوسف (ع) قد بشره بذلك ، ولهذا لقبه بالصديق بالاضافة الى مارأه من  ورع وتقوى داخل السجن ، ولم يردفه بذكر النبوة  لأنه لايعلم بنبوته .
أمَّا منْ نفى عنها النبوة استند الى قوله تعالى في سورة النحل الاية 43  {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } ،  ورد أصحاب دعوة  نبوة مريم (ع)  أنَّ الاية تتحدث عن الرسل الى قومهم  وليس عن الانبياء    .
و بكاد يجمع المفسرون  في تفسير معنى الصديقة  بأنها " نالت هذا اللقب لتصديقها بكلمات الله  ومعجزاته ، أو لمبالغتها في الصدق والعبادة " و استدلوا بأنها صديقة وليست نبية ..
 أما العلماء المتصوفة وأهل العرفان فقد أعطوا للمعنى بعداً دلالياً  يتناسب مع منهجهم
فالصوفية رأوا في الصديقة " التي استغرق الصدق جميع أجزاء وجودها  فلا تتحرك ولا تسكن إلا بالحق وللحق " أو " كمال الانقياد" فهي صدقت بما أُوحي إليها  ومضت على ذلك ..
أما ابن العربي فرأى أن الصديقة " محلاً لتجلي الصدق الالهي "
والتصديق المطلق بكل ما جاء من الله  حتى في حوارها مع الملائكة بعدما بشرها {  قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا } لم تكن معترضة بل كانت تبحث عن الاسباب الطبيعية لمثل هذا الامر فقالت { قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا } وعندما  قال جبرئيل كلمته الفصل  لم تناقش بعد ذلك وسلمت وصدقت  بالامر  طاعة و تعبداً { قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا} وكان امراً مقضياً  ،وانتقل القران الى بقية المعجزة والتي سيتم استعراضها لاحقاً.
ونعود الى ان مفهوم الصديقة  لدى اغلب المفسرين انه مقام اخر دون  النبوة ، والتساؤل المثار هل اراد علماء المتصوفة والعرفان من هذا التفسير أن يكون مفتاحاً  لما يصل إليه الصوفي أو العرفاني من مقام  بعد فنائه في التصديق والطاعة  ولعلي اجبت عن ذلك في استعراضي  لسلسلة مقالات عن الانسان العاقل في القران ومقارنته بالانسان الصوفي*.
لكنَّ الاشكال  في ذلك يتعلق بأن مريم (ع) نالت الاصطفاء وكلمها جبرائيل  وربما ملائكة اخرون ( حسب ما ورد عن المفسرين ) كما يرى بعض المفسرين والرواة امكانية ان تتحدث  الملائكة  أو جبرائيل الى  غير الانبياء  لامور لا تتعلق بالبعث أو بتكليف رسالي .
 أما فيما يتعلق بمريم الصديقة (ع) فإنها كانت محدثة علمتها الملائكة  ما يجعلها حجة على نفسها  قامت بتكليفها الرسالة على اكمل واتم الوجوه  فكانت صديقة .







*كتاب الانسان العاقل في القران تحت الطبع .
اليوم, 14:54
عودة