"Today News": بغداد
الحلقة الأولى
“التعرية المعرفية دون هداية دوران في حلقة واحدة”
الموضوع الذي أُحاول استعراضه في هذه السلسلة من المقالات التأسيسية هو موضوع بكر على المكتبة الإسلامية فيما تناوله المهتمون بالدراسات الإسلامية والمعرفية ..
بحسب اطلاعي لم أجد من تناول هذا المفهوم من الناحية القرآنية، أو استعرض النموذجين ( التعرية المعرفية ) كمنهج فلسفي وبين ما قام به القرآن الكريم الذي جعل من التعرية وسيلةً لا هدفاً، ولم يجعلها هدماً فقط بل إعادة بناء معرفي صحيح.
فإن كانت التعرية المعرفية في الفلسفة الغربية تُنتج هدماً أو تيهاً في أغلب مآلاتها، فإن القرآن الكريم كان هدفه واضحاً:
{هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} (البقرة 185).
وإن كانت التعرية الفلسفية تتجه بالفرد إلى تقوية النزعة الفردية، فإن القرآن الكريم يتجه إلى تقوية الروابط الاجتماعية على أساس العدل والإيمان. فالقرآن لا يترك الفرد دون المجتمع، ولا يريد للمجتمع أن يعيش مفككاً في نظام سياسي واجتماعي ومفاهيمي يدفع الإنسان إلى ظلم أخيه الإنسان أو تضليله أو تسخيره وفق شهوات المتسلط على المتسلط عليه.
لقد ركّز القرآن على المجتمع من خلال حيوية الفرد فيه، وركّز على الفرد بما يملك من أدوات لتفعيل دوره في المجتمع والنهوض به، ضمن عملية الإصلاح التي أرادها له:
{وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.
ملاحظات قبل الولوج في الموضوع
أولاً: - لقد أحببت أن أتناول هذا الموضوع قبل أن أعرِض كتابي (الأسس المعرفية في القرآن الكريم) لأنه يمثّل مدخلاً ضرورياً لفهم منهج القرآن في الهداية و**البناء المعرفي**.
ثانياً:- ما سيتم استعراضه ليس مقارنة بين الفلسفة والقرآن الكريم، بل عرضٌ لمنهج اختطه المفكرون — غربيون وعرب — لأنفسهم، وهو منهج لا يمكن التنبؤ بنتائجه دائماً.
وفي المقابل، هناك منهج قرآني واضح الهدف والغاية، وهو للناس كافة.
ثالثاً: - لا شك أن لكل فلسفة هدفاً وغاية، وهذا ما سنستعرضه من خلال ما قامت به الفلسفة الغربية عبر منهج التعرية المعرفية، وهي في الحقيقة أساس كل فلسفة عند الغربيين ومن تبعهم من العرب، بل ومن سبقهم من اليونان.
لكن نتائجها لم تكن دائماً كما أراد أصحابها، بل إن بعضهم حذّر من النتائج الكارثية التي انتهت إليها. وكانت انتفاضة نيتشه “الفطرية” مثالاً دقيقاً على ذلك، حين شعر بخطورة المسار الذي اتجهت إليه الفلسفة.
وفي المقابل، مارس القرآن الكريم التعرية المعرفية في مجالات متعددة عبر تجارب الأنبياء والرسل، وكانت النتائج دائماً مرتبطة بالهداية والإصلاح، لأن التعرية في القرآن وسيلة وليست غاية.
رابعاً:-تناول المصطلحات الفلسفية يحتاج إلى بحث في النشأة أولاً، ثم في حقولها وآلياتها، ثم في نتائجها التي تشكّل المعيار الأساسي للحكم عليها، سواء قصد أصحابها تلك النتائج أم لم يقصدوا.
فالحقول المعرفية في الاجتماع والنفس تعتمد على النتائج: هل نقلت الفرد والمجتمع إلى حالة أفضل أم لا؟
وما سنلاحظه أن التعرية المعرفية التي مورست في الفلسفة الغربية أفضت — في كثير من الأحيان — إلى الحيرة والوهم، كما أشار إلى ذلك عدد من الفلاسفة أنفسهم بدافع المسؤولية الأخلاقية.
**البناء المعرفي هو تأسيس منظومة إدراكية وقيمية متماسكة، تُعيد ترتيب علاقة الإنسان بنفسه وبالآخر وبالواقع، وفق ميزان الهداية الذي يقدمه القرآن، بحيث لا تبقى التعرية هدماً، بل تصبح مدخلاً للإصلاح.