"Today News": متابعة
كفل الدستور العراقي حق التعبير بشكل صريح كونه ركيزة أساسية في النظم الديمقراطية، بيد أن بروز منصات التواصل الاجتماعي وما تنطوي عليه من رغبة بتحصيل المشاهدات، أفرز تحديات قانونية واجتماعية تتطلب وجود ضوابط ومحددات، وفي هذا الشأن أكد قضاة أن حرية التعبير "حق مقيد" وليس مطلقاً، لافتين إلى أن عقوبات تطال مروجي "المحتوى الهابط" عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ويقول قاضي محكمة تحقيق الكرخ المختصة في قضايا النشر والاعلام عامر حسن إن "المحتوى الهابط تعني ذلك المحتوى الذي يقدمه البعض على منصات التواصل الاجتماعي أو وسائل الإعلام الأخرى، ويتضمن مخالفة صريحة لبعض الأحكام القانونية"، بحسب صحيفة القضاء.
وتشير تلك التسمية، وفقاً للقاضي، إلى العديد من الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات ومنها الجرائم المنصوص عليها في الكتاب الثاني الجرائم المضرة بالمصلحة العامة، وتحديداً في الباب التاسع / الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة الفصل الثالث الفعل الفاضح المخل بالحياء المواد 400 - 404 منه والجرائم التي تتضمن اهانة الشعب العراقي أو فئة من سكان العراق المنصوص عليها في المادة 202، وبعض الجرائم التي تمس الشعور الديني والمنصوص عليها في المادة 372 وغير ذلك من الجرائم التي يتم اتخاذ منصات التواصل مسرحاً لارتكابها".
وأضاف القاضي عامر حسن أن "إجراءات القضاء اقتصرت على الحالات التي تمثل تعدياً صارخاً، على قيم الأسرة والمجتمع انطلاقا من دوره المشترك مع بقية مؤسسات الدولة المنصوص عليه في المادة (29/ أولا أ/ ب) من الدستور في حماية قيم الأسرة الدينية والأخلاقية والوطنية، وحماية الطفولة ولذلك لم يتوسع القضاء كثيرا في اتخاذ الإجراءات القانونية بخصوص هذا الموضوع إلا بالقدر الذي تتطلبه ضرورة المحافظة على القيم الدينية والأخلاقية والوطنية حرصاً منه على حماية الحريات العامة ومنها حرية التعبير عن الرأي".
وبين أنه "عند الرجوع إلى الأحكام الواردة في الفصل الثالث من الباب التاسع والمتعلقة بالفعل الفاضح المخل بالحياء نجد انه لم ينص على اعتبار العلانية ركنا في تلك الجرائم أو ظرفا يستلزم التشديد في العقاب وإنما أشار إلى العلانية في بعض مواده باعتبارها وسيلة لارتكاب تلك الأفعال وقد ورد تعريف العلانية في المادة 19 / 3 من قانون العقوبات ولدى الاطلاع عليها تجد أن منصات التواصل الاجتماعي تعد وسيلة من وسائل العلانية".
وفيما إذا كانت هذه الإجراءات تشكل تضييقا على الحريات، تابع القاضي عامر حسن أن "حرية التعبير عن الرأي ليست من الحقوق المطلقة، بل من الحقوق المقيدة، وذلك بحسب ما ورد النص عليه في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الصادر عن الأمم المتحدة في عام 1966، إذ نصت المواد (20,19) منه على حدود تلك الحرية بالشكل الذي لا يتعارض مع النظام العام والآداب العامة والصحة العامة أو الإساءة للآخرين، كما انها نصت على خطر خطاب الكراهية والدعوة إلى الاقتتال أيا كان شكله كذلك ورد النص في المادة (38) من الدستور العراقي على كفالة حرية التعبير عن الرأي بما لا يخل بالنظام العام والآداب".
ولفت الى أن "المعايير القضائية لتمييز تلك الحدود فأنها تبدأ من وظيفة القاضي في تفسير النصوص القانونية وبيان مدى انطباقها على الوقائع المعروضة عليه. وفي حال اكتنف تلك الوقائع اللبس أو الغموض، تتم الاستعانة بالخبراء المختصين بالنشر والإعلام لبيان فيما إذا كانت ضمن حدود حرية التعبير عن الرأي ام انها تجاوزت تلك الحدود".
وعن تحديات إثبات المحتوى، فيما أكد أنه "غالباً لا توجد مثل هذه التحديات في الدعاوى الخاصة بالمحتوى الهابط على اعتبار أن معظم مقدمي تلك المحتويات يظهرون بمقاطع فيديوية أو بث مباشر لا يدع مجالا للشك في نسبة تلك المحتويات اليهم ولكن يحدث في بعض الحالات ان تنسب إلى البعض منهم منشورات وصور على حسابات تحمل اسماءهم وفي هذه الحالة تستعين المحكمة بالجهات الفنية المختصة في وزارة الداخلية أو جهاز الأمن الوطني للتحقق من المستخدم الفعلي للحساب وغالبا ما يتعذر الوصول إلى نتيجة بسبب سياسة الخصوصية التي تلتزم بها منصات التواصل الاجتماعي وضعف التنسيق مع تلك المنصات من قبل الجهات التنظيمية المختصة بقطاع الاعلام والاتصالات في العراق".
وعن مصادر ورود الدعاوى، أضاف أن "التقارير الواردة من لجنة رصد المحتوى في وزارة الداخلية تمثل دالة مهمة تستعين بها المحكمة لرصد تلك الحالات الخاصة وأن وزارة الداخلية تعتمد في الأخرى على البلاغات التي تردها من المواطنين في محاولة منها لإشراك المجتمع في تقييم تلك المحتويات ولكن تلك التقارير بالتأكيد لا تعد دليلاً كافيا لإدانة المشكو منهم بل إن المحكمة تستكمل الإجراءات الخاصة بجمع الأدلة لتعزيز تلك التقارير والوصول الى القرار العادل".
وذكر قاضي محكمة تحقيق الكرخ المختصة بقضايا النشر والاعلام أن "العديد من الأحكام صدرت بحق مرتكبي جرائم الفعل الفاضح المخل بالحياء العام ونشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتنوعت تلك الأحكام بين الحبس والغرامة بحسب جسامة الفعل المرتكب من قبل المدانين، ومدى تأثيره على الأسرة والمجتمع وقد أسهمت تلك الأحكام والى حد بعيد في ضبط الإيقاع المنفلت".
وعن المحتوى الذي يبث من خارج العراق، فقد أشار إلى أنه "يتم اتباع نفس الآلية الخاصة بالتحقيق في الجرائم المرتكبة داخل العراق، طالما كان يراد لتلك الجرائم ان تحقق نتيجتها في العراق، وعلى وفق الأحكام الواردة في قانون العقوبات في ما يتعلق بالاختصاص، وقد اتخذت محكمة تحقيق الكرخ المختصة بقضايا النشر والاعلام الاجراءات القانونية بحق العديد من تلك الجرائم واحيل المتهمون فيها غيابياً على المحاكم المختصة".
من جانبه، قال قاضي محكمة تحقيق النزاهة وغسل الأموال والجريمة الاقتصادية في رئاسة محكمة تحقيق الرصافة احمد محمد إن "القضاء يوجه رسالة واضحة حرية التعبير مكفولة دستورياً لكنها: ليست مطلقة بل هي مقيدة بـ: النظام العام، الآداب العامة، حقوق الآخرين وأن الرسالة الأساسية هي أن للشخص أن يعبر عن رأيه، لكن دون إساءة، تشهير، أو خدش للحياء العام ولتجنب الملاحقة القانونية يجب تجنب الألفاظ المسيئة أو الفاحشة، عدم نشر معلومات كاذبة أو تشهيرية واحترام القيم المجتمعية".
وعن المنصات التي تقع تحت طائلة القانون، بين أنه "لا توجد منصة مستثناة، بل أن المحتوى الهابط قد يشمل جميع المنصات مثل فيسبوك، تيك توك، يوتيوب إنستغرام وغيرها وأنه لا فرق قانونياً بين منصة وأخرى، بل العبرة بالمحتوى نفسه"، ولفت الى أن الجهات المعنية المختصة تتابع ما يتم تداوله على المنصات كـ(هيئة الإعلام والاتصالات، الأجهزة الأمنية) ويتم رصد المحتوى من خلال بلاغات المواطنين ومتابعة حسابات مؤثرة".
وأوضح أنه في حال احتواء المحتوى الهابط على تشهير بجهة حكومية أو فرد في هذه الحالة يمكن أن تتعدد الجرائم، مثل: خدش الحياء العام، التشهير (القذف أو السب)، إساءة استعمال وسائل الاتصال، مشيراً الى أن القضاء قد يطبق عقوبات متعددة إذا كانت الأفعال مستقلة أو يطبق عقوبة أشد إذا كانت مرتبطة (حسب قواعد التعدد).
فيما أكد أنه "إذا عاد الشخص لنفس الفعل يعتبر عائداً (مكرراً للجريمة) ونتيجة لهذا الفعل يتم اتخاذ عدة إجراءات كـ (تشديد العقوبة وقد يتحول الحبس من بسيط إلى أشد وأن القاضي يأخذ بسوء السلوك السابق".
وعن مدى الاستئناس بمقاطع الفيديو، أشار الى أنه يقوم بالاطلاع عليها كـ دليل وقد يستعان بـ(خبير فني) لتحليل محتوى رقمي، أو خبير لتقييم المحتوى المعروض هل فيه خدش للحياء، هل فيه إساءة، مبينا أن القضاء يأخذ بنظر الاعتبار العرف الاجتماعي، البيئة المحلية، طبيعة المجتمع، بسبب أن نفس المحتوى قد يعد مقبول في بيئة ومجرم في أخرى وهذا يدخل ضمن مفهوم الآداب العامة" المتغيرة بحسب المجتمع".
وختم حديثه أن "العقوبة قد تطال المتهمين بنشر هذه المحتويات تعتمد على التكييف القانوني، لكن قد تصل إلى (الحبس) عدة أشهر إلى سنوات، وغرامات مالية، وفي بعض الحالات تطبق مواد أشد، إذا اقترن بجرائم أخرى، ولا تصل عادة إلى عقوبات جسيمة جداً إلا إذا اقترنت بجرائم خطيرة مثل الابتزاز، التهديد، التحريض، اما غلق الحساب فقد يتم من خلال تقديم طلب إلى القضاء أو عبر هيئة الإعلام والاتصالات أو بالتنسيق مع المنصات لكن ليس دائماً نصاً إلزامياً في الحكم، بل إجراء مكمل".