"Today News": بغداد
تتشابك المفاهيم بشأن هذا الأمر، وبعضهم يخشى على وجوده فيجد أنَّ امتلاك السلاح يحميه، وبعضهم يراه تهديداً لأنه لايملكه…
وقبل أنْ نناقش ذلك علينا أن نفهم أنَّ هذا الأمر لا يتم بقرار من أمراء الفصائل، ولا ببيان أو تغريدة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل يجب أن يتحول هذا القرار إلى إيمان بأنَّ الدولة ومؤسساتها الحكومية قادرة على تلبية متطلبات الشعب كله، وأن يبدأ التنظير بأن تسليم السلاح هو الانتقال من مرحلة عسكرة المجتمع إلى مدنيته.
عندما يُطرح شعار "حصر السلاح بيد الدولة"، يبدو للوهلة الأولى أنه مطلب أمني، ولكنَّ المشكلة أعمق من ذلك فهي تتعلق بأزمة ثقة ربما ترسخت عند اجتياح داعش ثلث مساحة العراق. فالسلاح خارج الدولة لا يدل على أنَّ المشكلة في الفصائل فقط، بل إنَّ المجتمع مازال يشكّ في قدرة مؤسسات الدولة على حمايته.
وقد يتساءل متسائل: وما ذنب المواطن إذا قصرت الدولة؟ والجواب: إنَّ العجز لا يُعالج بصناعة البديل، وإنما يُعالج بالضغط من أجل البناء. فالدولة تُقوَّم ولا تُقاوَم.
حصر السلاح بيد الدولة كما يُعبَّر عنه لا يكون بقرار إداري ولا بتفاهم بين قادة الفصائل ورئيس الحكومة، وإن كان ذلك يمثل نقطة انطلاق جيدة. لكن هذا الأمر لا يمكن له أن يستمر ما لم يكن هناك تحول بنيوي في وعي المجتمع، من منطق الحماية الذاتية إلى منطق الثقة بالمؤسسات الحكومية ، وبإيمان أُمراء الفصائل بالدولة العراقية .
فالسلاح لا يُسلم حين تضعف هذه الجهة أو تلك. وإنما يُسلم بشرطين:
أولاً: قدرة مؤسسات الدولة على فرض القانون لا تنفيذه فحسب.
ثانياً: قدرتها على إقناع الكل أنها تتحمل مسؤولياتها الدستورية في حماية المواطن والبلد على حد سواء.
وبمعنى آخر: انتفاء الحاجة إليه بسبب قدرة مؤسسات الدولة على أداء مهامها بصورة تفي بالغرض.
وهذا يعني أنَّ المواطن يثق بمؤسسات الدولة ويجدها الراعية له والحامية لحقوقه فلا يفكر ببدائل أخرى فإنَّ وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة لا يعني أنَّ المشكلة أمنية فحسب، بل هناك وعي لدى من يحمله يتمثل في عدم الثقة والخوف والقلق وغياب المظلة الشرعية التي تجمع الكل تحت سقف واحد.
وبعض ذلك يمكن حله عندما يشعر المواطن وطبقات المجتمع أنَّ هذه الدولة بمؤسساتها دولته، وأنها تتجه إلى العدالة: عدالة في تطبيق القانون، وعدالة في توفير الخدمات، وعدالة في مرافق الحياة الأخرى، بلا تمييز نتيجة الولاءات.
وقد يتبادر إلى أذهان بعضنا أنَّ تسليم السلاح سيحل المشكلة أو هكذا يحاولون تصوير الأمر، لكنه لن يكون كذلك. فما أسهل جمع السلاح وحمله مرةً أخرى. لذلك الأمر لا يتعلق بالآلية "سلم واستلم" أو بتفريغ المخازن، بل الأمر يتعلق بالوعي المعرفي للمجتمع الذي يؤمن بالقوة: فهل يمكن تحويله إلى منطق العقل؟ ومن يؤمن بالثأر والانتقام: فهل يمكن تحويله إلى منطق القصاص العادل؟ ومن يرى أنَّ السلاح "اقتصاد السلاح" هو من يوفر الفرص: فهل يمكن تحويله إلى الاقتناع بالكفاءة المهنية؟
تسليم السلاح يعني بنية ثقافية معرفية ولا يتأتى ذلك بلحظات آنية وبيانات وتغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي ، هذا الأمر ليس شعاراً ولا موضة يحاول بعضهم أن يتلبسها كما يلبس ثوباً جديداً يناسب الفترة التي هو فيها، كما اعتدنا في مناسبات سابقة حيث تنتقل عدوى التصريحات من هذا إلى ذاك دون فعل حقي على الأرض.
وإذا ما تم التخلص من مفهوم الاستسلام الذي يروج له بعض الناقمين أو الحالمين بعودة الأمور إلى ما قبل 2003، فإن تسليم السلاح يغدو ضرورة وطنية، بعد أن كان وجوده ضرورة عندما تطوع الكل تلبية لنداء المرجعية لمحاربة داعش وتحرير الأراضي التي احتلها سنة 2014.
وإن أمن من يحمل السلاح خارج الدولة بحجة مقاومة المحتل وحماية العراق وغيرها من المبررات بزوال هذه التهديدات، فالواجب يتحتم على:
مؤسسات الدولة الحكومية أنْ تثبت أهليتها، وعلى المواطن أنْ يتحلى بالصبر و أن يمنح الثقة،
وعلى حامل السلاح أن يسلّمه حين تنتفي الحاجة
علي الهماشي