"Today News": بغداد
كان أمراً لافتاً أن يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعيين توم براك مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى العراق وسوريا بعد وقت قصير من اعلان الخارجية انتهاء مهمته الخاصة في سوريا ، لكن الأكثر إثارة للاهتمام أن يختار براك في أولى رسائله العلنية بعد تعيينه الحديث عن أهمية محور العراق – سوريا – تركيا بوصفه ركيزة للأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة بظل نفوذ امريكي ثابت وقوي .
قد تبدو العبارة للوهلة الأولى مجرد توصيف دبلوماسي اعتيادي، لكنها في الحقيقة تحمل إشارات أعمق تتعلق بكيفية نظر واشنطن إلى مستقبل الإقليم وحدود النفوذ فيه بعد سلسلة التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
حين سألني أحدهم عن دلالة هذه التغريدة، قلت له إن أهميتها لا تكمن في الكلمات التي قيلت، بل في السياق الذي قيلت فيه. فالولايات المتحدة التي خففت من مستوى اهتمامها بالعراق طوال العقد الماضي عادت اليوم إلى وضعه في قلب حساباتها الإقليمية. عودة ترامب إلى البيت الأبيض، والحربان المتتاليتان على إيران، وإعادة تقييم واشنطن لسياسة الاحتواء السابقة، كلها عوامل دفعت الإدارة الأمريكية إلى تبني مقاربة جديدة عنوانها الأساسي تقليص النفوذ الإيراني في العراق ، وإعادة دمج بغداد في منظومة إقليمية أكثر قرباً من المصالح الأمريكية.
في هذا الإطار لا يبدو تعيين براك مجرد إجراء إداري، بل تعبير عن مشروع سياسي أوسع لإعادة ترتيب الجغرافيا السياسية الممتدة من أنقرة إلى بغداد ودمشق وصولا الى باب المندب وهرمز .
يعرف براك المنطقة جيداً، ويعرف كذلك أن أحد أهم أسباب هشاشة دول المشرق خلال العقود الماضية لم يكن ضعف الجيوش أو محدودية الموارد بقدر ما كان هشاشة الدولة نفسها. ومن هنا يمكن فهم دفاعه المتكرر عن مفهوم الدولة المركزية القوية. فالرجل ينتمي إلى مدرسة سياسية ترى أن المبالغة في إدارة التنوع العرقي والطائفي والقومي عبر صيغ فدرالية متضخمة أو هويات فرعية متصارعة ، قد تتحول من وسيلة لحماية الاستقرار إلى سبب دائم لإضعاف الدولة وإنتاج الأزمات.
هذه الرؤية لا تعني بالضرورة العودة إلى المركزية الصلبة التقليدية، لكنها تعكس قناعة متزايدة لدى بعض دوائر القرار الأمريكية بأن الدول الضعيفة أصبحت عبئا ومصدراً دائماً للفوضى والتدخلات الخارجية والإرهاب والهجرة غير الشرعية، وأن بناء الدولة القادرة المستقرة بات أكثر أهمية من هندسة الهويات الفرعية داخلها.
من هنا يمكن فهم حديث براك عن محور العراق وسوريا وتركيا. فالمقصود ليس مجرد تعاون اقتصادي أو أمني محدود، بل محاولة تأسيس فضاء جيوسياسي جديد يربط بين ثلاث دول تشكل عقدة المواصلات والطاقة والتجارة في الشرق الأوسط.
واشنطن تدرك أن تقليص النفوذ الإيراني لا يتحقق بمجرد فرض العقوبات أو ممارسة الضغوط السياسية، بل يحتاج إلى إيجاد بديل إقليمي قادر على ملء الفراغ الذي قد ينشأ عن أي تراجع إيراني. وهنا تظهر تركيا بوصفها المرشح الأكثر جاهزية لهذا الدور.
فبعد سقوط نظام الأسد تحولت أنقرة إلى اللاعب الخارجي الأكثر تأثيراً في سوريا. وهي تمتلك اقتصاداً كبيراً، وقوة عسكرية معتبرة، وشبكة علاقات مع الغرب، وموقعاً جغرافياً يجعلها بوابة طبيعية بين أوروبا والشرق الأوسط. لذلك تبدو في نظر واشنطن شريكاً مناسباً لقيادة محور إقليمي جديد يوازن إيران ويحد من تمددها.
لكن السؤال الجوهري هو: هل تركيا راغبة وقادرة على أداء هذا الدور في العراق كما فعلته في سوريا؟
الإجابة ليست سهلة.ففي سوريا استفادت أنقرة من انهيار الدولة المركزية والحرب الأهلية والفراغ الأمني. أما في العراق فإن المشهد مختلف تماماً. فالدولة العراقية ما زالت قائمة رغم هشاشتها ، والمؤسسات السياسية موجودة، كما أن النفوذ الإيراني ليس نفوذاً خارجياً صرفاً ، بل أصبح متشابكاً مع بنية النظام السياسي والاجتماعي والأمني منذ أكثر من عقدين.
لهذا فإن موازنة الثقل الإيراني في العراق ستكون أكثر تعقيداً وأعلى كلفة من التجربة السورية.
صحيح أن تركيا تمتلك أدوات مهمة للتأثير داخل العراق، بدءاً من التجارة والاستثمار وصولاً إلى المياه والطاقة والأمن الحدودي ومشروع طريق التنمية، لكنها لا تمتلك حتى الآن العمق السياسي والاجتماعي الذي تمتلكه إيران داخل البيئة العراقية.
فإيران بنت نفوذها عبر الجغرافيا والعقيدة والشبكات الحزبية والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية الممتدة منذ عام 2003، بينما تعتمد تركيا أساساً على المصالح الاقتصادية والتفاهمات الأمنية رغم المشتركات التاريخية مع العراق. والفرق بين النفوذين كبير.
ومع ذلك فإن الجغرافيا العراقية تبدو مؤهلة لاستيعاب دور تركي متنامٍ، خصوصاً إذا جرى توظيفه ضمن إطار المصالح الوطنية العراقية. فمشروع طريق التنمية، وخطوط الطاقة، وشبكات النقل، والتكامل التجاري، والتعاون الأمني، كلها ملفات يمكن أن تجعل العراق نقطة ارتكاز لمحور اقتصادي إقليمي واسع يمتد من الخليج إلى أوروبا عبر تركيا.
غير أن نجاح هذا المشروع سيبقى مرتبطاً بسؤال آخر لا يقل أهمية: كيف سيكون رد فعل إيران؟
من الصعب تصور أن تقف طهران متفرجة أمام مشروع يستهدف تقليص نفوذها في أهم ساحة إقليمية بالنسبة لها. فالعراق بالنسبة لإيران ليس مجرد دولة مجاورة، بل عمق استراتيجي وأمن قومي وسوق اقتصادية ومجال نفوذ سياسي.
لذلك من المرجح أن تستخدم طهران مزيجاً من الأدوات السياسية والأمنية والاقتصادية للحفاظ على مواقعها. وقد نشهد خلال السنوات المقبلة منافسة أكثر حدة بين المشروعين الأمريكي والتركي من جهة، والإيراني من جهة أخرى، مع بقاء العراق المسرح الرئيسي لهذا الصراع.
وهنا نصل إلى السؤال الأهم: لماذا كُتب على العراق أن يبقى ساحة لتصارع النفوذ؟
الجواب يكمن في الجغرافيا قبل السياسة.
فالعراق يقع عند تقاطع المشرق العربي والخليج وإيران وتركيا. وهو يمتلك موارد طاقة ضخمة وموقعاً يربط آسيا بأوروبا. وفي علم الجيوبولتيك فإن الدول الواقعة عند تقاطعات المصالح الكبرى نادراً ما تُترك خارج حسابات القوى الإقليمية والدولية.
لكن الجغرافيا ليست قدراً مطلقاً.
فالدول الناجحة لا تلغي تأثير الجغرافيا بل تديرها. وتركيا نفسها وإيران قبلها كانتا ساحتين للتنافس الدولي، لكنهما استطاعتا تحويل جزء من هذا التنافس إلى مصادر قوة وطنية.
أما العراق فما زال يواجه معضلة الدولة غير المكتملة. فالنظام السياسي الحالي ينتج أزمات أكثر مما ينتج حلولاً، والاقتصاد ما زال ريعياً هشاً، والمؤسسات الأمنية لم تصل بعد إلى مستوى الاحتكار الكامل للعنف المشروع، فيما تستمر النخب السياسية في إدارة ملفات الدولة بمنطق أيديولوجي أو فئوي أكثر منه منطقاً ستراتيجياً.
ولهذا فإن نقطة التوازن العراقية لن تأتي من انتصار محور على آخر، ولا من استبدال النفوذ الإيراني بالنفوذ التركي أو الأمريكي، بل من بناء دولة عراقية قادرة على تحويل الجميع إلى شركاء لا أوصياء.
الدولة المركزية القوية ليست شعاراً سياسياً، بل منظومة متكاملة تبدأ من احتكار القرار الأمني، وتمر ببناء اقتصاد منتج، وتنتهي بصناعة نخبة وطنية تفكر بمنطق المصالح العليا لا بمنطق الاصطفافات العابرة للحدود.
عندها فقط يمكن للعراق أن يتحول من ساحة صراع إلى مركز توازن.
أما قبل ذلك، فسيظل البلد يدور في الحلقة نفسها؛ مشاريع تتصارع فوق أرضه، ومحاور تتنافس على مستقبله، فيما يبقى السؤال العراقي القديم متجدداً: كيف نبني دولة تجعل الآخرين يتعاملون معنا باعتبارنا دولة لا مجرد مساحة نفوذ وجمهور مستعد للاصطفاف الى جانب هذا أو ذاك باندفاعات عاطفية ؟!.
ربما تكون تغريدة توم براك حدثاً عابراً في ظاهرها، لكنها في جوهرها تذكير بأن الصراع على العراق لم ينتهِ بعد، وأن مرحلة جديدة من إعادة تشكيل المنطقة قد بدأت بالفعل، وأن بغداد ستكون مرة أخرى في قلب المعادلة السياسية الاقليمية وعلينا ان نحسن التوازن بحسابات المصلحة العراقية البحتة .