الرئيسية / أنثروبولوجيا عاشوراء

أنثروبولوجيا عاشوراء

"Today News": بغداد 

ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) ذكرى تتجدد كل عام وتقام لها المجالس والمواكب في كل بلاد العالم في جميع مدن العالم والقارات تقام بها الشعائر الحسينية ، وهذه من تأثير ثورة الإمام الحسين (ع) في المسيرة الإنسانية .

معنى الشعائر
الشعائر جمع شعيرة ritual  وهي طقس ديني يمارس في العبادات وتمارس لدى جميع الأديان بلا استثناء.
تعرف الشعائر بأنها مجموعة أفعال جسدية وأذكار وأدعية وممارسات عملية تقام في أوقات معينة أو أماكن محددة.  وقد تقام في مناسبات اجتماعية تصطبغ بطابع ديني كي تحظ بالقداسة والتبجيل. ولا يستثنى دين أو مذهب أو معتقد أو عبادة من ممارسة مجموعة من العادات والشعائر والطقوس.
وقد تختلف هذه الطقوس والعادات حتى في الدين الواحد أو المذهب الواحد. ومن منطقة إلى أخرى. مثلا مراسم تشييع الموتى في العراق تختلف عنها في المغرب وغيرها في ماليزيا ونيجيريا. وهي كلها تسمى مراسم تشييع موتى ودفن مسلمين. وكذلك مراسم الولادة والختان والزواج والعودة من الحج واحتفال قدوم رمضان وغيرها. وكل هذه العادات لها أساس ديني واحد و تاريخ واحد لكنها مختلفة بسبب تفاعل هذه العادات مع الموروث الشعبي في هذه الأمم والشعوب. لقد تفاعل الإسلام مع تراثها الشعبي ولم يغيَره ما لم يكن مخالفاً للإسلام. ولذلك نجد أن المسلمين في كل أنحاء العالم يحتفلون بالعيد ولكن كل شعب يحتفل بالعيد من خلال مراسم وطقوس خاصة مختلفة من شعب إلى شعب ، وهذا شيء طبيعي .
في مراسم عاشوراء أيضا نجدها تختلف من شعب إلى آخر. هذه الطقوس التي هي عادة يختص بها الشيعة من أتباع أهل البيت (ع) في أنحاء العالم . وهناك طقوس متنوعة لكل شعب أو مجتمع ، فالإيرانيين غير العراقيين، والأتراك غير الآذريين ، وهم غير الأفغان . وهكذا فلكلٌ له مراسيمه الخاصة. لسنا في هذا الصدد هنا في معرض الحديث عن الجانب العقائدي وهو شيء نعتز به ولكن ليس في هذا المكان. ولكن من المهم دراسة هذه الشعائر وطبيعتها وأهميتها، واهتمام المجتمعات بها خلال العصور السابقة إلى أن وصلتنا بهذه الصورة. قد تكون قد بدأت بشكل بسيط وعفوي.
يروى عن أصل المجلس الحسيني بأن أول من أقام مجلساً حسينياً تبعه موكب حسيني هو الشيخ المفيد في جامع براثا في القرن السادس الهجري. لقد أقيم المجلس بعد انتهاء آخر الدروس الفقهية في شهر محرم، بعدها توجهوا إلى الكاظمية كتجمع أشبه بالمسيرة سائرين رجالاً لإلقاء التحية والتسليم على الإمامين الكاظمين عليهما السلام.
خلال العصور التالية أضيفت الكثير من الأمور والعادات فيما يتعلق بالمجالس الحسينية كالمنبر والرثاء واللطم وغيرها. كما تفننت الشعوب في كيفية التعبير عن حزنها سواء في مظاهر السواد من ملابس وزينة ورايات وأعلام وأنوار أو إطعام الطعام وتوزيعه على الزوار والمشاركين في المجالس والفقراء. واختلفت العادات والتقاليد ، ودخلت عادات جديدة في الطبخ والإطعام وتقديم أنواع الطعام المحلي. فنجد اليوم ما يطبخ اليوم العراق غير ما يتم طبخه في إيران. وهكذا إذا ذهبت إلى الباكستان أو البحرين أو لبنان تجد كل شيء يختلف . ففي كل منطقة تجد عادات وتقاليد تختلف عن الأخرى رغم أن الجميع يحيون مراسم عاشوراء.
هذه الشعائر بقينا متمسكين بها وحضور المجالس الحسينية . وهي مجالس ثقافية ومدارس للثقافة فعلاً على مدى التاريخ ، خاصة في ظل ظروف الجهل والأمية السائدة في كثير من العصور . فلم يكن يتحدث عن تاريخ الإسلام وتاريخ الإمام الحسين (ع) غير الخطيب ، والناس كانت تستمع للخطيب الحسيني يتحدث في الفقه والسيرة والتفسير والعقائد والتعاليم الإسلامية إضافة إلى مأساة الحسين (ع) وأصحابه.

علم الأنثروبولوجيا
لسنا بصدد الحديث عن عاشوراء وما جرى فيه ، بل في الحديث عن طقوس المسلمين في إحياء مراسم عاشوراء سنوياً. والحديث ينصب حول كيفية التعامل علميا مع الطقوس والشعائر بشكل عام ثم كيف نطبق هذا المنهج في دراستنا لطقوس عاشوراء.  
هناك علم يسمى علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) Anthropology   ويتألف من لفظتين الأولى: أنثروبوس Anthropos وهي يونانية الأصل ومعناها بشر أو إنسان. والأخرى : لوجيا Logia أي دراسة أو علم . وأول من استخدم هذا المصطلح هو الالإنسانية: ماني ماغنوس هونت Magnus Hundt  عام 1501م . وبات الأنثروبولوجيا اليوم يضم علوماً وفروعاً أخرى مثل الثقافة والثقافة الاجتماعية والآثار واللغات والبيولوجيا وعلم الاجتماع.
هذا العلم يختص بدراسة المجتمعات الإنسانية : عاداتها وتقاليدها ، علاقاتها ، وعقائدها وطقوسها، وأصولها ولغاتها. كما يدرس الاختلافات بين الجماعات البشرية المتنوعة.  
هناك أربعة محاور يقوم بدراستها وعادة ما يركز عليها:
 المحور الأول : الوصف  Description  أي وصف هذه الشعائر . ويعني وصف دقيق لجميع ما يجري في ممارسة الشعائر. مثلا وصف طقوس الصابئة أثناء احتفالهم بأعيادهم حيث تتم بجوار النهر. وتتضمن مراسم الغطس وارتداء ملابس معينة سواء رجال الدين أو المحتفلين ، واستخدام أغصان نباتات وأعواد معينة ، إضافة إلى قراءة نصوص وأدعية من الكتاب المقدس للصابئة (الكنزربا).
المحور الثاني: المقارنة  Comparison  
يقارن عالم الأنثروبولوجيا بين هذه الشعائر وشعائر مماثلة لدى أديان أخرى . ففي الطائفة المسيحية توجد شعيرة الغطس أو التعميد Baptism أيضا حيث يجري غطس الطفل حديث الولادة في الماء ضمن مراسيم خاصة يقوم به الكاهن في الكنيسة.  وفي الكنيسة الغربية جرى الاكتفاء بغطس رأس الطفل فقط دون بقية جسده. وإذا لم يغطس أو يُعمَد الطفل لا يعد مؤمناً مسيحياً.
إن مراسيم الغطس بالماء موجودة في تراث شعوب وأديان أخرى مثلاً الهندوس يتطهرون بالغطس في نهر الغانج . كما يقوم المسلمون بالارتماس بالماء للطهارة الجسدية والروحية بعد ممارسة الجنس أو يوم الجمعة أو مناسبات أخرى. وهكذا تجرى المقارنة ما بين هذه الشعائر ومثيلاتها بين مختلف المجتمعات البشرية .

إن جميع الشعائر والطقوس وأدواتها وأفعالها وأدعيتها قابلة للدراسة والمقارنة. مثلاً نجد ظاهرة استخدام الشموع في الطقوس والمراسم الدينية والمناسبات الاجتماعية. فكل الديانات تقريباً تستخدم الشموع أو البخور في الطقوس . فنحن المسلمون والمسيحيون واليهود والهندوس والمصريون القدماء والبوذيون والصينيون والشنتو في اليابان  تجدونهم يستخدمون الشموع . هنا يأتي دور الباحث الأنثروبولوجي ليبحث عن أصل هذه الظاهرة ، وأين نشأت ، ومتى تم اختراع الشمع أولاً . كما يدرس ماهية دلالات استخدام الشموع في الطقوس، وهل هي نفس الدلالة أم مختلفة من ديانة إلى أخرى. فالديانات التي تؤمن بآلهة النور والظلمة يختلف مدلولها لدى الديانات الموَحدة التي تؤمن بأن الله هو خالق الظلمة والنور، أو أن استخدام الشموع قد لا يتضمن مدلولاً دينياً أو عقائدياً بل مجرد طقوس احتفالية وزينة جميلة تبعث البهجة في نفوس المحتفلين.
بالإمكان مقارنة بعض الظواهر التي رافقت يوم عاشوراء مثلاً ظاهرة قطع رؤوس الشهداء وتعليقها على الرماح والطواف بها في المدن ومن بلد إلى آخر . إذ مورست هذه العادة لدى مختلف الشعوب في الشرق الأوسط وآسيا وأوربا. وتشير الكثير من المنحوتات والآثار إلى هذه الظاهرة التي تؤكد الانتصار على العدو ونشر الفرح والسرور بالقضاء عليه، وليس أصدق من قطع رؤوس الأعداء وعرضها في احتفالات رسمية.

المحور الثالث:  التحليل  Analysis  
ويقصد به البحث عن دلالة هذه الشعائر والمفاهيم والعقائد التي تتضمنها ، ولماذا تقام هذه الشعائر في أوقات معينة وأماكن محددة. نضرب مثلاً إذ عادة ما يقوم أتباع بعض الأديان والشعوب بتقديم القرابين الحيوانية بمناسبات معينة على سبيل البركة أو طرد الأرواح الشريرة أو الحسد أو جلب الفأل. وترافق عادة تقديم القرابين مناسبات اجتماعية كحفلات الزواج والختان وبناء بيت جديد أو شراء أثاث أو سيارة أو غيرها.
ربما يعود أصل هذه العادة إلى أبي الديانات التوحيدية النبي إبراهيم (ع) الذي افتدى ولده النبي إسماعيل بكبش بدلاً من ذبحه كما أمره الله بذلك. وقد ترسخت هذه العادة بعد أن أصبحت شعيرة إسلامية في مراسم الحج ، أو في عيد الأضحى لدى المسلمين الذين لم يحضروا موسم الحج في مكة المكرمة. وتوجد عادة تقديم القرابين لدى الكثير من الشعوب والديانات حيث يجري ذبح الأغنام والماعز والأبقار والطيور وغيرها في مختلف المناسبات.
وتمارس هذه الطقوس لدى بعض المجتمعات الوثنية ولكن يجري تقديم قرابين بشرية ، أي ذبح أو قتل إنسان سواء رجل أو امرأة أو طفل، كما في قبائل الإنكا في البيرو ، والأزتك في المكسيك  والفايكنغ في اسكندنافية سابقاً، وبعض القبائل في أفريقيا وغيرها. وكانت هذه العادة موجودة في الهند إلى أن تم منعها رسمياً. إذ كانت الزوجة تحرق مع زوجها المتوفى وهي ما زالت على قيد الحياة . وكثير من هذه الحالات منعت بقان في دول أخرى.  
إن التحليل يركز على تتبع هذه الطقوس ومعرفة أصولها ودلالاتها. وهكذا يمكننا مقارنة عادة (الصلب) التي مورست من قبل السلطات الأموية والعباسية في الشرق الأوسط ومتابعة أصولها ، مثلاً نجد أن القرآن الكريم يتحدث عن قيام الرومان بصلب المدانين عندما يتحدث عن مسألة صلب المسيح . كما يحدثنا القرآن عن حادثة صلب خباز الملك الفرعوني بعد اتهامه بتدبير مؤامرة قتل الملك بدس السم إليه.
وفي عاشوراء ورد أن السيدة زينب (ع) رفعت جسد أخيها الإمام الحسين بعد شهادته وهي تقول: اللهم تقبَل منا هذا (القربان). وكأنها تستوحي تقديم أخيها فداء للعقيدة والدين والحق والعدل. إن طقوس القرابين مورست وتمارس لدى العديد من الشعوب.  كما مورس الصلب في مجتمعات بشرية أخرى . وهو ليس ابتكار قام به مجتمع واحد أو في فترة تاريخية معينة بل كان عقاباً للأعداء أو المجرمين أو المعارضين السياسيين.
في العصور الوسطى كانت ظاهرة حرق البشر أحياء. إذ كان الأوروبيون الكاثوليك يحرقون أتباع المذهب البروتستانتي بعد إجراءات غير عادلة في محاكم التفتيش. وكانوا يحرقونهم باتهامهم بالهرطقة والسحر وكل من يعارض الكنيسة الكاثوليكية. إن كثيراَ من هؤلاء البروتستانت هاجروا إلى استراليا وأمريكا هرباً من الظلم الذي كان موجوداً والإرهاب الفكري والعقائدي آنذاك.  وكانت الكنائس تلقي القبض على أي شخص بتهمة السحر ، ثم يقرر الكهنة الحكم عليه بالحرق ليتم تطهيره من هذا الإثم . واليوم هناك وثائق وصور ولوحات تصَور المحارق في أوروبا ، رسمها رسامون في القرون الوسطى. فمن يتبنى مذهباً جديداً يسمى مبتدع أمثال مارتن لوثر Martin Luther وكالفن Calvin وغيرهم حين اعتبرهم الحاكمون مهرطقين جاءوا بمذاهب أو أديان جديدة وليس اعتبارهم مجددين ضمن العقيدة المسيحية ، مع أنهم أيضا يؤمنون بالله وبالمسيح .  
ولدينا في التاريخ الإسلامي الكثير من المعارضين السياسيين اتهموا بالبدعة والضلالة من قبل السلطات الحاكمة . لقد استخدم هذا الوصف لتكفير المعارضين وإخراجهم من الدين ليسهم عزلهم واستئصالهم بلا معارضة. فكان (الخارج) على سلطة الخليفة يوصف بأنه (مبتدع قاتله الله) ثم يجري تكفيره ومحاربته وملاحقة أتباعه وأنصاره.

المحور الرابع هو التقييم Evaluation
وأنا أقف ضده وأقصد بذلك أن يقوم الباحث بتقييم هذه الطقوس والشعائر . وهذا مرفوض شكلاً وموضوعاً ، ولديّ بعض الكتب نقدت فيها هذا التقييم . كما أورته في أطروحتي للدكتوراه . إذ انتقدت التقييم الذي يمارسه بعض الباحثين الغربيين المنطلقين من حضارة غربية وخلفية مسيحية تجاه الأديان والحضارات الأخرى. فتراه ينتقد الهندوسي والمسلم والوثني وغيرهم ويسمونها بالمجتمعات (البدائية) . وينظرون للمجتمعات غير الأوربية بنظرة دونية، وهكذا جرى تصنيف المجتمعات . وكتبوا مؤلفات ووضعوا نظريات توصف بـ"العلمية" ، كلها تقوم على تصنيف البشر إلى فئات متطورة وعلى رأسها الشعوب الغربية ، وفئات بدائية وهمجية في آسيا وأفريقيا وأستراليا وأمريكا الجنوبية.
 واعتبروا الأفريقي الأسود في أسفل السلم البشري. وهكذا قام هتلر بوضعه بالمرتبة العاشرة الأخيرة من تقييم السلالات . أما العنصر الآري فهو يعتقد انه جاء إلى ألمانيا فيضعه في المرتبة الأولى ، وهكذا ينزل لمرتبة اليهود والعرب وغيرهم. لقد شاعت خرافة سلالة الآري والسامي مع العلم أنه لا يوجد أي دليل علمي أو تاريخي يثبت وجودها. هناك رواية في التوراة تتحدث عن تفرق أبناء نوح ، وهم سام الذي نسل منه الساميين ومنهم اليهود ، وحام الذي نسل منه الزنوج ، ويافث الذي نسل منه سكان شرق آسيا كالصين واليابان وكوريا ومنغوليا وغيرهم.
هذا التقييم اعتبره مرفوضاً ، نحن لا نقيَم أحداً ولا نقبل أحداً أن يقيمنا بهذه الطريقة بناء على معاييره الشخصية. إنها معايير ليست علمية ولا عامة ، ولا هي معايير إنسانية متفق عليها . إذ متى كان لون البشرة هو المعيار؟ وعلى أي أساس يتم ذلك؟  فهذه البشرة من خلق الله عز وجل. وهذا معيار ليس للإنسان دخل فيه ، ولا يستطيع الفرد اختيار بشرته أو سلالته وغيرها . فلذلك فهذه القضية تعد قدراً ، وهذا قدر ، ونحن لا نستطيع آن نتحكم به . لذلك كان احد المثقفين من الكتّاب الإسلاميين يقول إن هناك أربعة شروط لا يستطيع الإنسان أن يتحكم بها وهي: العصر الذي يولد فيه ، والمكان الذي يولد فيه ، والأسرة التي يولد فيها ، وشكله ولونه . فهذه أربع مقدرات على الإنسان ، ولا يستطيع أن ينفك عنها مهما كانت قدراته وسطوته وإمكانياته. ولذلك عند تقييم أية شخصية نجد الباحثين يشيرون إلى عصرها وموقعها والبلد الذي نشأت فيه والأسرة التي ولد فيها .
صاحب الذكرى الإمام الحسين سلام الله عليه ولد بعد الهجرة في المدينة المنورة . وهو ابن الإمام علي عليه السلام وفاطمة الزهراء. وهذه ثلاث أقدار لا يد لأحد فيها سوى إرادة الله سبحانه وتعالى. وتبقى التربية والعمل والنشاط ، نعم هذه الأمور يمكن أن يكون للمرء دخل فيها ، له فيها فضل لكن الأمور المقدَرة عليه لا يستطيع أن يتحكم بها .
اليوم, 14:33
عودة