الرئيسية / التعددية من سمات المجتمع الإسلامي

التعددية من سمات المجتمع الإسلامي

"Today News": بغداد 

التعددية والاختلاف في اللغات والأعراق والمذاهب والاتجاهات سمة واضحة من سمات المجتمع الإسلامي لازمته طوال العصور وفي مختلف المراحل التاريخية والسياسية والاجتماعية. ففي صدر الإسلام كان مجتمع المدينة المنورة يتألف من فئتين رئيسيتين هما المهاجرون والأنصار، إضافة إلى أقلية يهودية كبيرة ، وأخرى نصرانية صغيرة ، وأفراد من فارس و الحبشة والروم.
 
في العصر الأموي وبعد الفتوحات الواسعة شهدت الدولة الإسلامية وجود أعراق مختلفة كالعرب والفرس ، ثم في العصر العباسي ضمت الدولة أعراقاً أخرى كالأتراك والأكراد وغيرهم. كما ضم المجتمع المسلم أقليات دينية أخرى كالمجوس والصابئة والهندوس والسريان والأقباط والنبط والأرمن. هذا إضافة إلى وجود تيارات سياسية وفكرية وفلسفية أخرى كالخوارج والمعتزلة. لقد شارك غير العرب وغير المسلمين في بناء الحضارة الإسلامية ، فنبغوا في الإدارة والأدب والشعر والطب والفلك والهندسة والترجمة وغيرها من العلوم.

ومنذ القرن الهجري الثاني نمت المذاهب الإسلامية الشهيرة كالشيعة والحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، إضافة إلى الزيدية والأباضية والظاهرية وغيرها. إن التنوع المذهبي والتعدد الفكري في المجتمع الإسلامي قد نما بشكل مضطرد وصار علماً متميزاً ، حتى أفرد له المفسرون والعلماء والمؤرخون مؤلفات متخصصة سميت بـ(المِلَل والنِّحَل) حيث جمع فيها المؤلفون كافة الأفكار والتيارات الكلامية والفلسفية والعقائدية المختلفة. وتناولوا فيها أفكار ومعتقدات كل الفرق المتنوعة، وجمعوا كل  شاذ وغريب وأفردوا له صفحات، سواء كان صاحبه فرداً واحداً أو مجموعة صغيرة أو كبيرة.  وفي بعض الفترات التاريخية نشأت تيارات إلحادية تشكك بالربوبية وبالنبوة وبالقيامة وغيرها من العقائد الإسلامية كالديصانية والدهرية.

لقد ساهم التعدد الفكري والديني في إثراء الحياة الفكرية والثقافية والأدبية في المجتمع الإسلامي حيث تفاعلت مع نتاج الحضارات اليونانية والرومانية والهندية والصينية والفارسية. وكان للعلماء والأدباء والشعراء والأطباء من مسلمين ونصارى ويهود وصابئة دوراً في ازدهار الحضارة الإسلامية في بغداد ودمشق والقاهرة والأندلس.  
إن ذلك التنوع المذهبي والفكري والكلامي والعقائدي لم يمنع التعايش السلمي عموماً، رغم أن الحكومات كانت تتدخل في دعم هذا التيار ومطاردة تلك الفرقة، حسب موقفها وقربها وبعدها من السلطة الحاكمة، ومدى انسجام أهداف أو توجهات الطرفين.

الأسس القرآنية للتعددية

إن القرآن الكريم هو مصدر قبول الآخر وتعايش الأفكار والديانات والمذاهب والعقائد في المجتمع المسلم. فقد تناول الوحي القرآني مفاهيم سامية في أهمية التعددية والتنوع الفكري والاجتماعي والعرقي واللغوي والثقافي والسياسي في المجتمع الإنساني أولاً ، ثم المجتمع الإسلامي ثانياً.
وسنتطرق إلى بعض هذه المبادئ الإسلامية التي سبقت كثيراً من النظريات والفلسفات السياسية والتشريعات القانونية والدولية:

1-مبدأ التعارف بين الشعوب

يقول تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير) (الحجرات: 13). إذ يؤكد النص القرآني على قاعدة إسلامية في النظرة العامة إلى الناس على اختلاف ألوانهم وقومياتهم وخصوصياتهم العائلية والجغرافية. وفي الوقت الذي يؤكد القرآن على أهمية التنوع العرقي واللغوي وما يستتبع ذلك من اختلافات ثقافية واجتماعية على الصعيد الواقعي، لكنه لا يضفي على هذه الاختلافات أية قيمة تجعلها فاصلاً بين الأمم والشعوب في المجتمع الإنساني، وتقوده إلى بروز مشاعر التفوق العرقي أو القومي ، ومن ثم ترسيخ العداوة والكراهية بين الدول والشعوب. وبدلاً من أن يكون هذا التنوع مثاراً للتناحر والتصارع يدعو القرآن إلى التعارف أي التلاقي والانفتاح بين البشر والثقافات والحضارات. فالتعارف صفة إنسانية تستهدف التفاعل بين الإنسان والآخر، وإثراء التجربة الإنسانية من خلال الاحتكاك والتلاقي والتواصل وتقوية العلاقات وصولاً إلى التكامل الإنساني.


2-مبدأ الإختلاف بين البشر

يقول تعالى (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ، إن في ذلك لآيات للعالمين) (الروم : 22) أي أن اختلاف اللغات والألوان والأعراق آية من آيات الله سبحانه وتعالى ، ودليل على قدرته في الخلق والإبداع. فهذا الاختلاف منة من الله تعالى على البشر وقد خلقهم وخلق معهم التنوع الثقافي والقومي دون أن يضع ميزة أو فرقاً بين هذه اللغة أو تلك أو هذا اللون أو ذاك. هذا الاختلاف يؤدي إلى اختلاف الخصائص الذاتية والطباع بسبب اختلاف المناخ والجغرافيا وطبيعة الأرض.
   ويقول تعالى (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ) (هود: 118) أي لجعلهم متشابهين في السلوك والتفكير والمواقف، لكن حكمته تعالى شاءت أن تجعل الاختلاف في التجارب الإنسانية ومن ثم تؤدي إلى نتائج مختلفة. إن سنّة الله في البشر هي اختلاف تفكيرهم ليكون الثواب والعقاب حسب القرارات التي يتخذها كل إنسان، ومن أجل أن يكون  الخيار بيده، غير مجبر أو مكره على سلوك معين. والإختلاف يؤدي بلا شك إلى الخلاف والتنازع إلا من اهتدى بهدي الله إلى سبل الرشاد.

3-مبدأ التعددية السياسية في المجتمع المسلم

يؤكد القرآن الكريم على التعددية السياسية داخل المجتمع المسلم، إذ يقول تعالى:
- (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل ، وأقسطوا إن الله يحب المقسطين) (الحجرات: 9). تتضمن الآية مفاهيم رئيسية في موضوع التعددية السياسية هي:  

أ‌-إن الآية تتحدث عن صراع بين طائفتين من المسلمين بحيث يصل التنازع إلى حد نشوب القتال بينهما. أي أن هناك طرفين سياسيين متنازعين داخل المجتمع المسلم، وقد تدهورت الأمور بينهما إلى مستوى الصراع المسلح.
ب‌- إن الآية تصف الطرفين بأنهما مؤمنان ، ولم تعتبرهما كافرين ، بل كل ما هناك أنها وصفت الجهة التي تصر على استمرار القتال بأنها باغية.
ج‌-تطلب الآية من طرف ثالث أن يتدخل ويمارس الوساطة من أجل الصلح بين الطرفين. ويفترض بالطرف الثالث أن يكون حيادياً ومقبولاً من الطرفين كي تنجح وساطته.
د‌-وهذا يعني وجود ثلاث وحدات أو جماعات أو تكتلات أو أحزاب سياسية في المجتمع الإسلامي الواحد ، أو ربما ثلاث دول إسلامية تشن إحداهما الحرب على الأخرى ، فيُطلب من الدول الأخرى التدخل وإرساء السلم والصلح.


4-مبدأ الاستماع للأقوال وإتباع أحسنها

إن القرآن الكريم يضمن حرية التعبير في المجتمع الإسلامي. ورغم وجود قيود وعقوبات على التعبيرات التي تنتهك كرامة المسلم كالغيبة والقذف والافتراء والتكفير، لكن الوحي القرآني يعترف بتعدد الأفكار والآراء والاجتهادات. يقول تعالى (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) (الزمر: 18) ، فالآية تمتدح عباد الله الذين يقومون بعملية اختيار واعٍ واحد من بين  مجموعة من الأقوال أي الآراء والأفكار المعروضة أمامهم، منطلقين من الشعور بالمسؤولية والبحث عن الحق والإلتزام به. إذن هناك مجموعة أفكار سياسية أو عقائدية أو فكرية موجودة في المجتمع المسلم. هذه الأفكار قادمة من جماعات سياسية ذات وجهات مختلفة ، كل واحدة لها منهجها وأسلوبها واستدلالها وأهدافها. وهي منتشرة بين الناس، وعلى المؤمن أن يختار أحسنها وأفضلها مستخدماً الوسائل العقلية والمنطقية، مناقشاً هذه الأقوال أو الأفكار بكل مفرداتها حتى يتوصل إلى قناعة كاملة بما ينسجم منها مع ذوقه وتفكيره وإيمانه. فالآية تطلب من الإنسان ألا يتعقد من سماع أي قول أو فكرة، طالما أن عليه أن يفكر فيها ، ثم يقبل بها أو يرفضها.
 
التعددية الدينية في المجتمع المسلم

كان الإسلام أول نظام سياسي وديني في التاريخ البشري يقر التعدد الديني رسمياً في المجتمع الواحد. فمقارنة النظام الإسلامي بالأنظمة التي سبقته وحتى التي أتت بعده تشير بوضوح إلى أنه سبقها في هذا المضمار الإنساني، وتفوق عليها في ضمان حرية الدين والعقيدة لأتباع أديان أخرى. الأمر الذي لم تصله الثورة الفرنسية على شهرتها في إرساء معالم حقوق المواطنة، إذ أنها لم تعترف يالأقليات الدينية  غير المسيحية، وحتى بالمذاهب المسيحية غير الكاثوليكية.

ففي السنة الأولى للهجرة وضع النبي محمد (ص) أول دستور مكتوب ينظم الحقوق والعلاقات التنظيمية والإدارية والسياسية للمسلمين باعتبارهم أمة مع بعضهم البعض، ومع اليهود المقيمين في المدينة. إن دستور المدينة المكتوب عام 622 م يعتبر أول وثيقة سياسية وحقوقية تعترف بالمواطنة غير المبنية على أساس الانتماء الديني، كما هو شائع في الدول والحضارات البائدة والمعاصرة لصدر الإسلام ، والنظم السياسية التي جاءت بعد ذلك. وكانت دولة المدينة المنورة التي أسسها النبي (ص) هي أول دولة في التاريخ اعترف بالآخر الديني المختلف قبل الثورات الحديثة وقبل ميثاق حقوق الانسان والماغنا كارتا (الوثيقة العظمى) التي صدرت عام ١٢١٥ م في انكلترا .

 لقد بقي العالم منقسماً إلى وحدات دولية على أساس ديني: أوربا المسيحية، الشرق الأوسط الإسلامي إلى الهند والصين وما جاورها من وحدات سياسية هندوسية وبوذية وكونفشيوسية.  ورغم وجود عدة دول ووحدات سياسية داخل الكيان الديني لكن العامل الديني بقي مسيطراً على فكرة التقسيم الدولي. وبدأ القانون الدولي يتطور حين تم إقرار مبدأ الفصل بين العقائد الدينية والعلاقات الدولية. لقد كانت معاهدة ويستفاليا عام 1648 م أول معاهدة أقرت مبدأ المساواة بين الدول المسيحية جميعها سواء الكاثوليكية أو البروتستانتية.  
 
لقد اعترف دستور المدينة بالمجتمع السياسي المتكون من فئات ذات انتماءات دينية مختلفة. فقد أقر وجود دينين (الإسلام واليهودية) ومكونين اجتماعيين وثقافيين مختلفين (المسلمين واليهود) داخل الوطن الواحد والمجتمع السياسي الواحد والدولة الواحدة. ومنح الدستور اليهود حقوقاً باعتبارهم مواطنين حيث وصفهم بأنها (أمة مع المؤمنين). ولا يقصد بالطبع بالتوحد الديني لأن الدستور في الفقرة 25  يقول (  لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم)، بل يقصد بـ(الأمة) التوحد في الانتماء إلى المشروع السياسي، والمجتمع السياسي، والكيان السياسي، والمكان السياسي (الدولة والأرض). وقد ترتب على هذا الإلتزام السياسي نشوء حقوق للمواطن غير المسلم يضمنها المجتمع السياسي والدولة الإسلامية. وقد تضمنت صحيفة الدستور هذا الإلتزامات والحقوق في تلك المرحلة من تكوين الدولة في الفقرات (16، 24، 25، 36، 37، 38، 44، 45).    وأقر الدستور التكافل الاجتماعي كفداء الأسرى ودفع الديات ونصرة المظلوم. وأرسى قواعد التعامل بالبر والنصح ، ومنع التحالف مع أعداء الدولة "مشركي قريش". كما منح اليهود حرية الاعتقاد "لليهود دنهم وللمسلمين دينهم" ، وألزمهم بالدفاع المشترك عن الدولة ضد أي عدوان خارجي .


التعددية ضمان استقرار العراق الجديد

منذ آلاف السنين تعيش قوميات وأديان متنوعة على أرض الرافدين. فقبل دخول الإسلام كان الآشوريون والسومريون والبابليون أبرز القوى الموجودة في المشهد العراقي أو بلاد ما بين النهرين (ميزوبوتاميا). وعندما فتح المسلمون العرب العراق، كانت تسكنه عدة قوميات كالعرب والفرس والأكراد، وعدة أديان كالمجوسية والمسيحية والصابئة. وبعد تأسيس مدن الكوفة والبصرة ثم بغداد التي صارت عاصمة الخلافة العباسية لعدة قرون، احتضن العراق العديد من الأديان والتيارات الفكرية والفلسفية. كما نشأت المذاهب الإسلامية على أرضه كالحنفية والشافعية والشيعة الإمامية.

إن العراق بلد عظيم بحضارته، زاخر بموارده، يستطيع احتضان كل أبنائه على اختلاف قومياتهم وطوائفهم ومذاهبهم وأديانهم وأعراقهم. إن أهم أسباب التعايش السلمي بين العراقيين هو احترام الآخر وعدم التفكير بإلغائه أو تهميشه أو الهيمنة عليه، واحترام عقائده وشعائره وطقوسه الدينية والمذهبية، واحترام حقوقه الثقافية ومدارسه ومعابده. ولا يمكن لطائفة أو مذهب الهيمنة على الآخرين مهما كانت نسبته السكانية، ومهما كان حجم تأثيره السياسي والاجتماعي، ومهما كانت ارتباطاته الخارجية قوية، ومهما كان يمتلك من سطوة أو قوة عسكرية أو مالية. فالعراق للجميع، ولابد للجميع أن يشاركوا في إدارته والمساهمة في صناعة القرار فيه. إن مشاركة جميع مكونات المجتمع العراقي في إدارة شؤونه هي الضمان لاستمرار تعايشها وتمتعها بثرواته وصيانة وجوده وحفظ أمنه واستقراره.
اليوم, 13:52
عودة