الرئيسية / مشروع الإمام علي زين العابدين (ع) في إعادة تأهيل الأمة

مشروع الإمام علي زين العابدين (ع) في إعادة تأهيل الأمة

"Today News": بغداد 
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿الخَيْرُ كُلُّهُ صِيَانَةُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ﴾

شهد العالم الإسلامي بعد واقعة كربلاء سنة (61 هـ) أزمةً عميقةً في الوعي والضمير، تجلّت في القبول بالظلم، والخضوع للاستبداد، وتقديم المصالح الشخصية على المبادئ والقيم. وفي هذه الظروف العصيبة تسلّم الإمام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام) مسؤولية الإمامة، فاختار مشروعاً إصلاحياً بعيد المدى يقوم على إعادة بناء الإنسان قبل إعادة بناء السلطة، وإحياء الضمير قبل مواجهة الطغيان، من خلال الدعاء والتربية الأخلاقية ونشر ثقافة الحقوق والوعي الرسالي.
ويبحث هذا المشروع في الوسائل التي اعتمدها الإمام في مواجهة الانحراف السياسي والفكري والاجتماعي، مستنداً إلى النصوص القرآنية وأقوال الإمام الواردة في الصحيفة السجادية ورسالة الحقوق ومصادر التراث الإسلامي، انطلاقاً من المبدأ القرآني العظيم:﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ الحج: 46).

أولاً: كربلاء وأزمة الضمير الجمعي
لم يكن اهتمام أغلب الذين حضروا كربلاء وشاركوا في الجرائم التي ارتُكبت بحق أهل بيت خاتم الأنبياء والمرسلين محمد (صلى الله عليه وآله) في معركة الطف صراعاً دينياً أو سياسياً فحسب، بل كشفت تلك الأحداث المفجعة عن أزمة عميقة في مستوى الوعي الديني والانتماء الحقيقي للإسلام، وفي فهم الصراع بين الحق والباطل.
لقد غلبت على كثير من تلك الفئات المصالح الدنيوية والمكاسب الشخصية والاعتبارات العائلية والقبلية، فاستجابت لطغيان الدولة الأموية وطاعة يزيد بن معاوية على حساب القيم والمبادئ والعدالة.
إن المجزرة التي ارتُكبت في كربلاء، من قتل الإمام الحسين (عليه السلام) وسبي النساء والأطفال، زلزلت وجدان الأمة، إلا أن السلطة الأموية سعت إلى تشويه الحقيقة وتزييف الوعي، فكان لا بد من مشروع يعيد للإنسان بصيرته قبل أن يعيد للأمة قوتها.
وأدرك الإمام السجاد (ع) أن الخلل لا يكمن في الحاكم الظالم وحده، بل في قابلية المجتمع للخداع والسكوت عن الظلم والخضوع للاستبداد، فأسس مشروعاً تربوياً شاملاً يقوم على:
إحياء الضمير قبل الثورة على السلطان،و إصلاح النفس قبل إصلاح المجتمع، وكشف زيف الإعلام الأموي بالكلمة والدعاء والوعي، ويصف القرآن الكريم هذه الحالة بقوله تعالى:﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾الحج: 46).

ثانياً: الدعاء وسيلة لإعادة تأهيل الإنسان
اعتمد الإمام السجاد (عليه السلام) الدعاء وسيلةً تربويةً وإصلاحيةً لبناء الشخصية المؤمنة الواعية، فكانت الصحيفة السجادية مشروعاً متكاملاً للتزكية والإصلاح وبناء الإنسان.
ففي دعاء مكارم الأخلاق يقول:اللَّهُمَّ بَلِّغْ بِإِيمَانِي أَكْمَلَ الإِيمَانِ، وَاجْعَلْ يَقِينِي أَفْضَلَ الْيَقِينِ، وَانْتَهِ بِنِيَّتِي إِلَى أَحْسَنِ النِّيَّاتِ، وَبِعَمَلِي إِلَى أَحْسَنِ الأَعْمَالِ، وَ»اسْتَصْلِحْ بِقُدْرَتِكَ مَا فَسَدَ مِنِّي».
و(اللَّهُمَّ لا تَدَعْ خَصْلَةً تُعَابُ مِنِّي إِلَّا أَصْلَحْتَهَا، وَلَا عَائِبَةً أُؤَنَّبُ بِهَا إِلَّا حَسَّنْتَهَا).

ثالثاً: الإعلام الرسالي ومواجهة التضليل
واجه الإمام السجاد (عليه السلام) الحرب الإعلامية الأموية بمنهج رسالي قائم على كشف الحقيقة واستعادة الوعي العام.
ففي خطبته الشهيرة في مجلس يزيد قال:(( أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن فاطمة الزهراء).
ثم خاطب يزيد قائلاً: (محمد هذا جدّي أم جدّك يا يزيد؟ فإن زعمت أنه جدّك فقد كذبت، وإن زعمت أنه جدّي فلم قتلت عترته؟).

رابعاً: تشخيص أمراض المجتمع
شخّص الإمام السجاد (ع) جملةً من الأسباب التي تؤدي إلى انهيار المجتمعات، ومن أبرزها:
شراء الضمائر بالمصالح والمنافع، والاستسلام للخوف من السلطة، وضعف الوعي السياسي والديني،
والعصبية والطائفية، وتقديم الولاءات الضيقة على العدالة والحق.
وقد حذّر القرآن الكريم من هذه الظواهر بقوله تعالى:﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾
هود: 113.

خامساً: مواجهة العصبية والانقسام المجتمعي
قال الإمام السجاد (ع): ( العَصَبِيَّةُ الَّتِي يَأْثَمُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا أَنْ يَرَى الرَّجُلُ شِرَارَ قَوْمِهِ خَيْراً مِنْ خِيَارِ قَوْمٍ آخَرِينَ، وَلَيْسَ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ، وَلَكِنْ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُعِينَ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْم).

سادساً: رسالة الحقوق وبناء المجتمع
قدّم الإمام السجاد (عليه السلام) مشروعاً متكاملاً لحقوق الإنسان من خلال رسالة الحقوق، التي تناولت ما يقرب من خمسين حقاً من حقوق الإنسان، ومن أبرزها:
حق النفس، حق الوالدين، حق الجار، حق المعلم والمتعلم، حق الحاكم والمحكوم،الحقوق الاجتماعية والاقتصادية.

سابعاً: الإصلاح يبدأ بإصلاح المصلح
أكد الإمام السجاد (عليه السلام) أن نجاح الإصلاح مرهون بإصلاح الإنسان لنفسه أولاً، فقال:
(الخَيْرُ كُلُّهُ صِيَانَةُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ).
لقد عمل الإمام السجاد (عليه السلام) على معالجة أمراض الأمة الروحية، ومواجهة هيمنة النزعة المادية والدنيوية على قراراتها وسلوكها، ليعيد إليها شخصيتها الرسالية المتوازنة، ويسترد وعيها في تشخيص الباطل والظالم والمعتدي.
وقد تحقق ذلك من خلال إعادة الإنسان إلى حقيقته أمام الله سبحانه وتعالى، خالقه وواهبه العلم والصحة والقدرة، ليدرك دوره الفكري والعقائدي والسلوكي والسياسي، فيكون مهيأً للعمل الإصلاحي، بعيداً عن المطامع والشهوات والمكاسب غير المشروعة.

ثامناً: من الاغتيال إلى الخلود
أثارت هذه النهضة الإصلاحية العميقة مخاوف السلطة الأموية، فاستمر الإمام السجاد (ع) في أداء رسالته رغم الضغوط والملاحقات حتى استُشهد مظلوماً مسموماً سنة (95 هـ)، بعد إمامة استمرت خمساً وثلاثين سنة حافلة بالعطاء والتربية والإصلاح. وقد وُلد الإمام في الخامس من شعبان سنة (38 هـ)، واستشهد وعمره الشريف سبع وخمسون سنة، ودُفن في البقيع بالمدينة المنورة إلى جوار الإمام الحسن والإمام الباقر والإمام الصادق (عليهم السلام).

تاسعاً: الخلاصة
نجح الإمام السجاد (عليه السلام) في تأسيس مدرسة إصلاحية هادئة وعميقة التأثير، قامت على بناء الإنسان، وإحياء الضمير، وترسيخ الوعي، وتعزيز قيم العدالة والكرامة الإنسانية.
وقد أثبتت تجربته أن إصلاح المجتمع يبدأ بإصلاح النفس، وأن بناء الإنسان الواعي هو الأساس في بناء الأمة القادرة على مواجهة الاستبداد والانحراف.
سلامٌ على الإمام علي بن الحسين الذي قدّم مشروعاً حضارياً متجدداً في الإصلاح والتغيير، يستلهم منه المصلحون قيم العدالة والوعي وصيانة الإنسان لنفسه ومجتمعه، وأصبح هذا المشروع مناراً للنهضة الحسينية وإحياء الضمير والوجدان، وإعداد الأمة لتحمل مسؤولياتها التاريخية، لتكون أكثر قدرة على نصرة الحق وإنصاف المظلوم والتصدي للفساد والانحراف.

وليد الحلي
22 محرم 1447
7 تموز 2026
أمس, 23:11
عودة