"Today News": متابعة
يتشكل شرق أوسط جديد قائم على التجارة والترابط بدلاً من الاعتماد على القوة العسكرية وحدها، وذلك وفق رؤية أميركية، بحسب تحليل نشره موقع The National Context، والذي أشار إلى أن هذه الرؤية تتضمن ربط العراق وسوريا وتركيا، بما يسهم في إضعاف النفوذ الإيراني، فيما أصبح الكورد عنصراً ضامناً لهذا النظام الإقليمي الجديد.
وقال الموقع، الذي يتخذ من أربيل مقراً له، في تقرير له ، إن النظام الإقليمي الجديد، يستند إلى فكرة الدولة، مذكراً بأن إقليم كوردستان وافق، للمرة الأولى، على اعتماد نظام جمركي موحد تحت إشراف السلطة الاتحادية، بحيث تمر صادراته النفطية عبر شركة "سومو" الحكومية.
وأضاف أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني يُنظر إليهما، ضمن هذا الإطار، بوصفهما شريكين وفاعلين محليين منفصلين داخل النظام الهيكلي الجديد، وليس باعتبارهما نصفين ضمن حكومة إقليمية واحدة.
وتناول التقرير ما وصفه بـ"عقيدة الارتكاز"، التي تشير إلى بنية أمنية اقتصادية تقودها الولايات المتحدة بين العراق وسوريا، أو بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام، والتي تعكس التطبيق الإقليمي لاستراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها الإدارة الأميركية في كانون الأول/ديسمبر، والتي تؤكد أن الطاقة والاقتصاد يمثلان أداتي القوة الأميركية في الشرق الأوسط، وتنظر إلى المنطقة باعتبارها وجهة للاستثمار، لا عبئاً عسكرياً.
وبحسب التقرير، فإن تعيين توم باراك بحد ذاته يعكس هذه الرؤية، إذ يتولى منصب السفير لدى تركيا، إضافة إلى كونه مبعوثاً خاصاً إلى العراق وسوريا، ما يجعله مسؤولاً عن الملفات الثلاثة، مبيناً أن الاتفاقيات التي أعقبت ذلك مع شركتي "شيفرون" و"HKN" في العراق، و"كونوكو فيليبس" في سوريا، تعكس تطبيقاً عملياً لهذه الاستراتيجية.
وأضاف أن تركيا، ضمن هذه المنظومة، ليست مجرد واحدة من الدول الثلاث المتساوية، بل تمثل أيضاً السوق، ومركز العبور، وحارس البوابة الأمنية، كما أن عملية السلام التي تقودها مع حزب العمال الكوردستاني يُفترض أن تحدد ما إذا كانت الشبكات الكوردية ستعمل كحلقة وصل أم ستبقى مصدر تهديد، معتبراً أن الهدف يتمثل في تحويل مركز الثقل نحو البنية التحتية، والانتقال من مبدأ الاحتفاظ بالأراضي إلى السيطرة على الأنظمة التي تجعل تلك الأراضي فاعلة، وهو ما تبلور خلال الحرب مع إيران وإغلاق مضيق هرمز، الذي أظهر مدى اعتماد الطاقة الإقليمية على نقطة اختناق واحدة.
وأوضح التقرير، أن الممرات التي يجري إنشاؤها حالياً عبر سوريا ومن خلال تركيا تهدف إلى إزالة هذا الاعتماد، لافتاً إلى أن سقوط نظام الأسد جعل الممر السوري ممكناً، بعدما حل محله حكم متحالف مع تركيا، وهي عملية سمحت لواشنطن بتوجيه ترابط العراق عبر الأراضي السورية والتركية بعيداً عن النفوذ الإيراني، بما يقلص تأثير طهران في العراق عبر مسار لا يرتبط بالحكومة العراقية نفسها.
وأشار إلى أن نهجاً أميركياً جديداً يتشكل عبر هذه البلدان الثلاثة، ويعتمد بدرجة أقل على القوة العسكرية المباشرة، وبدرجة أكبر على الترابط، وممرات الطاقة، والتكامل الاقتصادي، وتقاسم الأعباء الإقليمية، مضيفاً أن هذه الملفات لم تعد تُدار باعتبارها مسارات منفصلة، وإنما بشكل متزامن لتحقيق هدف مشترك يتمثل في الحد من النفوذ الإيراني، وإنشاء طرق بديلة للتجارة والطاقة، وربط العراق وسوريا بصورة أوثق مع تركيا والشبكات الإقليمية المتحالفة مع الولايات المتحدة.
كما تناول التقرير كيفية تأطير تركيا لعملية السلام مع حزب العمال الكوردستاني، إذ لا تُقدَّم باعتبارها تسوية محلية الطابع، وإنما كعملية ضرورية لتحقيق الاستقرار الإقليمي، مشيراً إلى أن تقرير اللجنة البرلمانية المسؤولة عن هذه العملية يستحضر شخصيتي الملك صلاح الدين الأيوبي والسلطان ألب أرسلان، ليؤطر الكورد والأتراك بوصفهم شركاء تاريخيين، وينظر إلى السكان الكورد في البلدان المجاورة باعتبارهم جزءاً من الملف نفسه، بحيث يصبح الكورد في مختلف أنحاء المنطقة مصدراً للنفوذ التركي، بدلاً من النظر إليهم باعتبارهم مسؤولية أمنية.
وبحسب التقرير، فإن المقاربتين الأميركية والتركية تتقاطعان في هذا الإطار، ووصفهما بأنهما "ليستا متطابقتين، لكنهما متوافقتان"، منوهاً إلى أن الجهات الفاعلة الكوردية أصبحت، ضمن هذا الإطار الناشئ، تمثل عُقداً مهمة، إلا أن الكورد لا يُتعامل معهم ككتلة موحدة، وإنما كجهات فاعلة منفصلة، لكل منها دور محدد، مبيناً أن هذه الفكرة تبدو أكثر وضوحاً في العراق، ولا سيما في أدوار الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني.
ولفت إلى أن النفط يتركز بصورة رئيسية في مناطق نفوذ الحزب الديمقراطي الكوردستاني، إلى جانب معبر إبراهيم الخليل وخط الأنابيب الرابط مع ميناء جيهان التركي، في حين يتركز الغاز، الذي أصبح أكثر أهمية، بصورة شبه كاملة في مناطق نفوذ الاتحاد الوطني الكوردستاني، مؤكداً أن هذا الواقع يمنح كلا الطرفين أهمية خاصة، لكنه يعزز في الوقت ذاته مكانة الاتحاد الوطني الكوردستاني، لأن الغاز أصبح في صميم المرحلة المقبلة من مخططات الطاقة الإقليمية.
ونوه في هذا السياق إلى توسعة الطاقة الإنتاجية لحقل خور مور، واكتمال خط الأنابيب الرابط بينه وبين محطة السليمانية لتوليد الكهرباء، فضلاً عن زيادة مبيعات الغاز من حقل جمجمال، مؤكداً أن هذا الغاز يعزز التوجه الرامي إلى تقليص الاعتماد على إيران على مستويين؛ الأول داخل العراق، إذ يمكنه أن يحل محل الغاز الإيراني الذي لا يزال يغذي ما يقرب من ثلث إنتاج الطاقة الكهربائية في المناطق الخاضعة للحكومة الاتحادية، والثاني من خلال التصدير إلى تركيا، بالتزامن مع انتهاء عقد أنقرة لاستيراد الغاز الإيراني، البالغ نحو 9.6 مليارات متر مكعب سنوياً، خلال الشهر الحالي.
ووفقاً للتقرير، فإن الاتحاد الوطني الكوردستاني اكتسب أهمية إضافية أيضاً في ظل عملية السلام، مشيراً إلى أن علاقته الوثيقة بحزب العمال الكوردستاني كانت في السابق سبباً في توتر علاقاته مع تركيا، إلا أن المرحلة الحالية، التي تتطلب إدارة سياسية وتكاملاً إقليمياً، جعلت من هذه العلاقة عاملاً مفيداً، إذ يمكنه المساعدة في إدارة العلاقة بين حزب العمال الكوردستاني وقوات سوريا الديمقراطية وتركيا.
واعتبر أن ذلك لا يعني أن الاتحاد الوطني الكوردستاني يحل محل الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وإنما يعني أن كلاً منهما يؤدي دوراً مختلفاً، موضحاً أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني ما يزال يشكل محوراً لقطاع النفط، وللترابط الحدودي، وللشبكة الكوردية-التركية القائمة في العراق، رغم أن هذا الدور أصبح أكثر ضيقاً، فيما أصبح الاتحاد الوطني الكوردستاني أكثر مركزية في ملفات الغاز، والقنوات السياسية عبر السليمانية، وإدارة الملفات المرتبطة بحزب العمال الكوردستاني.
وأكد التقرير أنه في سياق هذا الإطار الأوسع، أصبحت الجهات الفاعلة الكوردية تؤدي دور حلقات وصل إقليمية، إذ تتموضع بين العراق وسوريا وتركيا، وتوفر قنوات اتصال لا تستطيع الدول استخدامها بصورة مباشرة، أو تفضل عدم استخدامها علناً، موضحاً أن ذلك يفسر سبب مرور الملفات الكوردية الرئيسية عبر أربيل والسليمانية، وليس فقط عبر عواصم الدول.
وأشار إلى أنه عندما يحتاج قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، إلى مناقشة مستقبل كورد سوريا مع واشنطن، تُعقد الاجتماعات في إقليم كوردستان، مضيفاً أن الزعيم الكوردي مسعود بارزاني استقبل عبدي وتوم باراك في مقر إقامته في بيرمام خلال كانون الثاني/يناير، فيما استقبلهما بافل طالباني قرب السليمانية في شباط/فبراير، بينما استقبلهما رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني في حزيران/يونيو.
وتحدث التقرير، قائلاً إن مراسم نزع سلاح حزب العمال الكوردستاني أُقيمت بالقرب من السليمانية، في حين تناول أيضاً وجود "مجموعة عمل" (أميركية – سورية – تركية) دائمة، يشارك فيها توم باراك، الذي قاد المفاوضات الهادفة إلى دفع قوات سوريا الديمقراطية نحو الاندماج في الجيش السوري.
وأكد باراك، بحسب التقرير، ضرورة وجود دولة قومية واحدة تتعامل معها الولايات المتحدة، كما أبدى إعجابه بعملية السلام التركية.
ووفقا للتقرير، فإن كل ذلك يفسر أيضاً سبب عدم إثارة الجمود، الذي استمر عامين في مجلس وزراء إقليم كوردستان، سوى قدر محدود من الضغوط الخارجية، إذ يستمر نقل النفط من حقول الحزب الديمقراطي الكوردستاني بغض النظر عمن يتولى إدارة مجلس الوزراء، فيما يُنقل الغاز من حقول مناطق الاتحاد الوطني الكوردستاني على الأساس نفسه.
وذكر أن هذه الرؤية الأميركية تحمل تناقضاً واحداً، وقد برز خلال هذا الأسبوع، يتمثل في أن إضعاف إيران يؤدي في المقابل إلى تعزيز قوة تركيا، مبيناً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وصف تركيا، خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الأخيرة، بأنها "حليف غير عادي"، وأشار إلى أنه سيرفع الحظر عن بيعها مقاتلات F-35، في حين قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في اليوم نفسه، إن هذه الصفقة ستدمر ميزان القوى الإقليمي.
وأضاف التقرير، أن السؤال المطروح بعد أزمة مضيق هرمز لم يعد يتمثل فيما إذا كان النفوذ الإيراني سيتراجع، وإنما في الجهة التي ستملأ الفراغ الذي ستتركه إيران، مشيراً إلى أن إسرائيل لا ترغب في أن تكون تركيا هي الطرف الذي يتولى هذا الدور.
وخلص إلى أن الكورد أصبحوا إحدى الركائز التي يستند إليها النظام الإقليمي الجديد، وأن الاستراتيجية الرئيسية تقوم على تعزيز الترابط عبر الطرق، وخطوط الأنابيب، والممرات التجارية، وشبكات الغاز، والموانئ، والممرات السياسية.
وختم التقرير، حديثه بالقول أن الجهات الفاعلة الكوردية أصبحت من بين الروابط التي تجعل هذا النظام ممكناً، موضحاً أن الكورد "ليسوا مهندسي هذا النظام، لكنهم أصبحوا جزءاً من الهيكل الذي يجمع العراق وسوريا وتركيا داخله".