"Today News": بغداد
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾- سورة النحل: 90 ، صدق الله العلي العظيم.
تحل علينا في السابع من شهر صفر ذكرى استشهاد الإمام الحسن بن علي المجتبى (عليه السلام)، سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) وريحانته، وثاني أئمة أهل البيت (عليهم السلام). ولد في المدينة المنورة في الخامس عشر من شهر رمضان سنة ثلاث للهجرة، ونشأ في بيت الرسالة والنبوة، فتربى على يد جده الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وأبيه أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) وأمه سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فكان مثالاً للحكمة، وسعة الصدر، والرحمة، والإصلاح.
أولاً: انتُخب خليفةً للمسلمين... فاختار إنقاذ الأمة قبل الاحتفاظ بالحكم.
بعد استشهاد الإمام علي (ع)، بايع المسلمون الإمام الحسن (ع) خليفةً للمسلمين في الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة 40 هجرية، فكان الخليفة الشرعي الذي اجتمعت عليه الأمة. إلا أن الفتن التي أثارها معاوية، وشراء الذمم، وتمزيق الصفوف، أدخلت الأمة في مرحلة خطيرة هددت وحدتها ومستقبلها.
وأمام هذا الواقع المؤلم، لم ينظر الإمام الحسن (ع) إلى الخلافة على أنها غاية، وإنما وسيلة لإقامة العدل وصيانة الدين. وعندما وجد أن استمرار الحرب سيؤدي إلى سفك دماء المسلمين واتساع دائرة الفتنة، اتخذ قراره التاريخي بالصلح، مقدماً مصلحة الأمة على بقائه في الحكم. وهكذا أثبت أن القائد الحقيقي هو من يضحي بموقعه إذا كان ذلك يحفظ الدين والناس، لأن السلطة تزول، أما المبادئ فتبقى خالدة.
ثانياً: أقام مدرسةً في الإصلاح والعدل وسيادة القيم الإسلامية:
لقد جسّد الإمام الحسن (ع) في سيرته المعنى الحقيقي للحكم الرشيد، القائم على العدل والرحمة واحترام الإنسان. وكان يؤكد أن الحوار والتشاور أساس الوصول إلى القرار السليم، فقال: «ما تشاور قوم إلا هُدوا إلى رشدهم»، كما قال: «رأس العقل معاشرة الناس بالجميل»، وقال أيضاً: «يا ابن آدم... صاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك به تكن عادلاً».
إن هذه الكلمات لم تكن مواعظ مجردة، بل كانت منهجاً عملياً في إدارة المجتمع، يقوم على احترام الإنسان، وسيادة القانون، ونبذ الظلم، وإشاعة روح التعاون بين الناس. واليوم، ونحن نواجه تحديات الفساد الإداري والمالي، واستغلال السلطة، والغش، والاعتداء على الحقوق، فإننا أحوج ما نكون إلى استحضار هذه المدرسة الأخلاقية، لأن الدولة لا تستقر بالقوة وحدها، بل تستقر عندما يشعر المواطن بأن العدالة تشمل الجميع، وأن القانون فوق الجميع.
وقد قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (النساء: 135﴾،
فالعدل هو أساس الحكم، وهو الضمان الحقيقي لحماية الأوطان واستقرار المجتمعات.
ثالثاً: الفساد والفتنة أخطر على الأمم من السلاح:
لقد أدرك الإمام الحسن (ع) أن الأمم لا تنهزم بسبب قوة أعدائها فحسب، وإنما عندما ينتشر الفساد، وتُشترى الذمم، وتُقدَّم المصالح الشخصية على المصلحة العامة. ولهذا كان موقفه رسالةً لكل زمان، بأن الإصلاح يبدأ من نزاهة الإنسان، وأن السلطة مسؤولية وليست امتيازاً، وأن المال العام أمانة لا وسيلة للإثراء أو شراء الولاءات.
إن بناء الدولة لا يتحقق باستخدام القوة لقهر الناس أو تكميم أصواتهم، وإنما بإقامة العدل، وصيانة الحقوق، ومكافحة الفساد، وإتاحة الفرصة للكفاءات، واحترام القانون. فهذه المبادئ هي التي تمنح الدولة قوتها الحقيقية، وتبني الثقة بين المواطن ومؤسساتها.
رابعاً: استشهد بالسم... وبقيت رسالته خالدة
بعد سنوات من الصبر وتحمل الأذى، استشهد الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) مسموماً في السابع من شهر صفر سنة خمسين للهجرة بتدبير معاوية بن أبي سفيان، بعد أن واجه الظلم بالحكمة، والإساءة بالعفو، والفتنة بالصبر. لقد رحل جسده الطاهر، لكن مبادءه بقيت حية في ضمير الأمة، لأن التاريخ لا يخلد أصحاب السلطة بقدر ما يخلد أصحاب المواقف.
إن الإمام الحسن (عليه السلام) لم يورث المسلمين صلحاً سياسياً فحسب، بل ترك لهم منهجاً خالداً في القيادة والإصلاح، يؤكد أن العدل أقوى من القوة، وأن القانون أبقى من السلطان، وأن الإخلاص للأمة هو الطريق إلى رضا الله وخلود الذكر.
وفي ذكرى استشهاده رضوان الله عليه، فإن أفضل وفاء له لا يكون بإحياء المناسبة فحسب، بل بتحويل مبادئها إلى سلوكٍ في بناء دولة يسودها العدل، وتحكمها القوانين، ويُصان فيها المال العام، وتُحترم فيها كرامة الإنسان، ويُحارب فيها الفساد والغش والظلم بكل أشكاله، لتبقى القيم الإسلامية التي عاش الإمام الحسن (ع) من أجلها منارةً تهدي الأجيال، وطريقاً لبناء مجتمع آمن، ودولة عادلة، ووطن يجمع أبناءه على المحبة والإنصاف في المجتمع، فالعدل، وسيادة القانون، والنزاهة، واحترام كرامة الإنسان، هي الرسالة الخالدة التي ينبغي أن تبقى حية في ضمير الأجيال.
سلامٌ على الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) يوم وُلد، ويوم استشهد، ويوم يُبعث حياً.
وليد الحلي
7 صفر 1448 – 22-7-2026