لطالما كانت الهند وجهة مفضلة لآلاف العراقيين الباحثين عن العلاج، مستفيدين من سمعتها في مجالات القلب وزراعة الأعضاء وجراحة العظام، فضلاً عن كلف العلاج التي تبدو أقل مقارنة بالعديد من الدول الأخرى. لكن خلف هذه السمعة، يروي بعض المرضى تجارب يقولون إنها تكشف عن ممارسات تجارية واستغلال لحاجة المريض الأجنبي.
خدعة الروبوت الجراحي
يقول المريض حسام الخفاجي، وهو مواطن عراقي قصد أحد المستشفيات الهندية لإجراء عملية تثبيت للفقرات، إن كلفة العملية بلغت نحو 8 آلاف دولار، قبل أن يقترح عليه المستشفى إجراء الجراحة باستخدام "الروبوت" مقابل 1500 دولار إضافية، على أساس أن هذه التقنية أكثر دقة وتحقق نتائج أفضل، فوافق على دفع المبلغ.
لكن، بحسب روايته، بدأت الشكوك تراوده لحظة دخوله إلى صالة العمليات، إذ لم يشاهد أي جهاز روبوت داخل غرفة الجراحة.
ويضيف أنه سأل الطبيب مباشرة عن الروبوت الذي دفع مقابله المبلغ الإضافي، إلا أن الطبيب أجابه: "لا تقلق، استرح، سنجري لك العملية"، من دون أن يقدم تفسيراً لغياب الجهاز أو يثبت استخدام التقنية التي تم تقاضي أجر إضافي عنها.
ويؤكد الخفاجي، أن هذه الحادثة كانت بداية سلسلة من المواقف التي جعلته يشكك في طريقة تعامل بعض المستشفيات مع المرضى الأجانب، معتبراً أن ثقة المرضى وحاجتهم للعلاج قد تُستغل أحياناً لفرض تكاليف إضافية أو خدمات يصعب على المريض التحقق من تقديمها فعلاً.
استنزاف جيوب المرضى
فيما يقول دريد سلمان، الذي خاض تجربة علاج لابنته في الهند، إن الخدمات داخل العديد من المستشفيات من ناحية النظافة والكادر الطبي جيدة، مشيراً إلى أن "المستشفيات تضم كوادر طبية محترفة ومتعاونة، ومستوى النظافة داخلها مرتفع".
لكنه يضيف أن الجانب التجاري يطغى، بحسب تجربته، على تعامل بعض المستشفيات مع المرضى الأجانب، قائلاً إن "الهم الأساسي في كثير من الأحيان هو استحصال أكبر قدر ممكن من الأموال من المريض إذا لم يكن متيقظاً".
ويحذر دريد المرضى العراقيين من الاعتماد بشكل كامل على المترجمين أو أصحاب مكاتب السياحة العلاجية ومنظمي العلاج، معتبراً أنهم يضيفون في بعض الحالات عمولات كبيرة على كلفة العلاج.
ويقول: "قد يُبلَّغ المريض بأن العملية تكلف مبلغاً معيناً، بينما تكون كلفتها الفعلية أقل بكثير، وقد تصل إلى نصف المبلغ أو أقل".
كما يشير إلى أن أسعار الأدوية داخل صيدليات المستشفيات، وفقاً لتجربته، تكون مرتفعة مقارنة بالصيدليات الخارجية التي تبيع الأدوية نفسها بأسعار أقل.
ويضيف أن بعض المرضى، وخصوصاً الراغبين بالعودة سريعاً إلى بلادهم، قد يتعرضون لإجراءات طبية إضافية أو تدخلات تُجرى قبل اكتمال فترة التعافي، وهو ما يراه مخاطرة قد تؤدي، في بعض الحالات، إلى مضاعفات صحية وتدهور في حالة المريض.
ويؤكد أن هذه الممارسات تمثل وجهة نظره المستندة إلى تجربته الشخصية، داعياً المرضى إلى التريث واستشارة أكثر من طبيب قبل الموافقة على أي إجراء طبي إضافي.
أرقام نجاح مضللة
يقول اختصاصي الأمراض الباطنية في مدينة الطب، الدكتور مصطفى محمد، إن نسب النجاح التي تعلنها بعض المستشفيات الهندية للمرضى، والتي غالباً ما تتراوح بين 95 و99 بالمئة، "ليست مؤشراً علمياً يمكن الاعتماد عليه"، معتبراً أنها تُستخدم في كثير من الأحيان كوسيلة تسويقية لجذب المرضى الأجانب.
وأوضح أن نجاح أي عملية جراحية لا يمكن تحديده بنسبة ثابتة قبل إجرائها، إذ يعتمد على عوامل عديدة، أبرزها الحالة الصحية للمريض، وعمره، والأمراض المصاحبة، وخبرة الفريق الجراحي، ومدى توفر الرعاية الطبية قبل العملية وبعدها.
وأضاف أن المريض ينبغي ألا يبني قراره على نسب النجاح المعلنة فقط، بل عليه الاطلاع على السجل الطبي للمستشفى، وطلب رأي طبي مستقل، ومناقشة جميع الخيارات العلاجية والمضاعفات المحتملة قبل اتخاذ قرار السفر أو الخضوع لأي تدخل جراحي.
وتشير بيانات رسمية صادرة عن وزارة السياحة الهندية إلى استمرار اعتماد العراق كأحد أبرز مصادر السياحة العلاجية إلى الهند، إذ بلغ عدد العراقيين القادمين لغرض العلاج نحو 30,989 شخصاً خلال عام 2025، ليحل العراق في المرتبة الثانية عالمياً بعد بنغلادش بين الدول المصدّرة للمرضى إلى الهند.
وتستقطب الهند المرضى الأجانب، ومن بينهم العراقيون، بسبب ما تروج له من توفر مراكز طبية متخصصة في مجالات عدة، أبرزها جراحة القلب، وزراعة الأعضاء، وعلاج الأورام، وجراحة العظام، إلى جانب انخفاض الكلف مقارنة ببعض الوجهات العلاجية الأخرى.
ومع استمرار تدفق المرضى العراقيين إلى الهند، تبرز الحاجة إلى تعزيز الرقابة على مكاتب السياحة العلاجية والوسطاء، وضمان حصول المرضى على معلومات دقيقة بشأن المؤسسات الطبية والتكاليف والإجراءات العلاجية، بما يقلل من المخاطر التي قد تواجههم خلال رحلة البحث عن العلاج خارج البلاد.