الرئيسية / الصادون عن سبيل الله .. مصاديق عملية وصور معاصرة _ ق3

الصادون عن سبيل الله .. مصاديق عملية وصور معاصرة _ ق3

"Today News": بغداد 

خصوصية المفردة القرآنية-83

■لقد بيّن القرآن الكريم أن من أخطر الجرائم أن يُصَدَّ الناس عن سبيل الله، لأن ضررالصد لا يقف عند شخص واحد، بل يمتد إلى أجيال و مجتمعات.
 قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾.

وقال سبحانه:
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾.

☆والصد عن سبيل الله لا يقتصر على صورة واحدة، بل له صور كثيرة، قد تكون مباشرة، وقد تكون غير مباشرة، وقد تكون بالقوة، وقد تكون بالإعلام، أو بالمال، أو بالتشريع، أو بالتضليل، أو بإفساد القيم وتضليل الشباب والناشئة.
وبعد أن شرحنا في الحلقتين الماضيتين الأبعاد المختلفة والنواحي المتعددة للصد عن سبيل الله وظننّا أننا أكملنا مناقشته،خطرت في بالنا أمور أخرى و مناحٍ مختلفة،فارتأينا طرحها،والإكرام بالإتمام كما قال الحكماء و[جَمالُ المَعروفِ إتمامُهُ] حسب تعبير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع. (أنظر:غررالحكم حدیث 4752).
☆ومن أبرز هذه الصور:

■ من يمنع المسلمين من إقامة شعائرهم الدينية، أو يضيّق عليهم في الصلاة، أو يمنع بناء المساجد أو إعمارها، أو يحول بينهم وبين الحج أو سائر الفرائض دون مسوغ مشروع.

■ من يمنع تعليم القرآن الكريم، أو يغلق دور تحفيظه، أو يضيّق على حلقات العلم الشرعي، أو يحرم الأجيال من تعلم دينها.

■من يمنع نشر الكتب الإسلامية النافعة، أو يفرض القيود على طباعة المؤلفات التي تعرّف الناس بعقيدتهم وأحكام دينهم وأخلاقه.

■ من يضيّق على العلماء والدعاة والخطباء والمبلغين إذا كانت دعوتهم قائمة على العلم والحكمة، ويحول بينهم وبين أداء رسالتهم.

■ من يستخدم وسائل الإعلام لنشر الفواحش، وتزيين الرذيلة، والاستهزاء بالدين وأهله، أو جعل المعصية أمرًا طبيعيًا مستحبًا في نفوس الناس.

■ ومن صور الصد كذلك أن تُحارب المنابر الهادفة والبرامج النافعة، بينما تُفتح الأبواب لكل ما يفسد العقيدة أو الأخلاق أو الأسرة، حتى يصبح الباطل حاضرًا في كل بيت، ويصبح الوصول إلى الكلمة الطيبة أكثر صعوبة.

■ ومن صوره تشويه صورة الملتزمين بالدين ظلمًا و عدوانًا، وربط الاستقامة بالتخلف أو التشدد أو السخرية، حتى ينشأ الشباب وهم يستحيون من التمسك بدينهم.

■ ومن صوره صرف طاقات الأمة وأموالها وإمكاناتها إلى اللهو الذي يستغرق الأوقات ويطغى على العلم والعبادة وبناء الإنسان، حتى تصبح شعائر الدين في الهامش، بينما يحتل الترفيه المباح أو غير المباح مركز الاهتمام الأول.
ولا يعني ذلك ذم كل رياضة أو كل وسيلة ترفيه، وإنما المذموم أن تتحول إلى ما يصد الناس عن ذكر الله، أو يلهيهم عن واجباتهم، أو يطغى على أولوياتهم.

■ ومن صور الصد أن يُكرَّم أصحاب الفساد والانحراف، ويُقدَّموا قدواتٍ للأجيال،وتعطى لهم الأوسمةوالميداليات و الدروع والهدايا بينما يُهمَّش أهل العلم والفضيلة والإصلاح.

■ ومن صوره إنفاق الأموال الطائلة في الترويج لما يخالف الأخلاق والقيم، في الوقت الذي تُهمل فيه مشاريع التربية و الإيمان، ورعاية حفّاظ القرآن، وبناء الأسرة، وإعداد الشباب علميًا و أخلاقيًا.

■ ومن صوره تشريع الأنظمة أو سنّ السياسات التي تجعل الالتزام بالدين أمرًا صعبًا، أو تحارب مظاهر التدين المشروع، أو تضيق على الأعمال الخيرية والدعوية النافعة.

■ ومن صوره نشر الشبهات حول الإسلام دون تمكين أهل العلم من بيان الحق، حتى يلتبس الأمر على عامة الناس.

■ ومن أخطر صوره استغلال المنصب أو النفوذ أو المال لإبعاد الناس عن الحق، أو حملهم على الباطل، أو تخويفهم من الالتزام بأحكام الله.

☆ولا ينبغي أن نغفل عن صورة قد تقع من بعض المتدينين أنفسهم؛ فقد يصد الإنسان عن سبيل الله من حيث لا يشعر، إذا أساء تمثيل الدين، أو غلظ في دعوته،فينفر الناس من الدين بسبب سوء تصرفه، لا بسبب الدين نفسه.

☆ولهذا فإن المؤمن مطالب بأن يكون داعيةً إلى الله بخلقه قبل كلامه، وبرحمته قبل شدته، وبحكمته قبل جداله، حتى يكون مفتاحًا للخير، مغلاقًا للشر.

☆إن المعيار الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا في أذهاننا هو أن كل من أعان على تقريب الناس من الله فقد ساهم في فتح سبيل الله، وكل من أعان على إبعادهم عن الله، أو عن كتابه، أو عن عبادته، أو عن أخلاقه، فقد دخل في معنى الصد عن سبيل الله بقدر ما أحدثه من أثر، والله تعالى هو الحكم العدل، وهو أعلم بالنيات، وأعلم بمن ضل ومن اهتدى.

☆ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من الدالين عليه، وأن يعيذنا من أن نكون سببًا في صد أحد عن سبيله، إنه سميع مجيب.

د.رعدهادي جبارة
الأمين العام
للمجمع القرآني الدولي

اليوم, 14:05
عودة