الرئيسية / ما أهون الأرواح في زمن البعث

ما أهون الأرواح في زمن البعث

"Today News": بغداد 

كان السابع والعشرون من اول شهور عام 1981 يوما قارص البرودة وقد اطبق الصمت وخيم الخوف  على الجميع ،والجلاد يجول بينهم حاملا سوطه متربصا بهم مانعا حتى الانفاس.. العيون معصوبة والايدي مغلولة لكنه خائف منهم!
تلك الدار السليبة من اهلها بعد تسفيرهم أحالوها دائرة امن الثورة ومن ثم امن صدام وقد اكتظت بالمعتقلين ومن كل الاعمار ، الهواء نفسه كان خائفًا من أن يتنفس، والدارُ التي كانت بالأمس مأوى لعائلةٍ آمنة، غدت اليوم وكرًا للجلادين.
كل جدارٍ فيها يحفظ أنينًا، وكل زاويةٍ تنزّ بالذكريات كما تنزّ الجراح بالدم.
زجّوة مكبلا يدّعونه دعا الى المجهول، وهو يجر قدميه بثقل واعياء اتعبه الطريق من كربلاء حيث اختطفوه لحظة علا صوته بنداء (لبيك ياحسين ..)، نعم ارعبتهم عبارته فانهالوا عليه ضربا وشدوا وثاقه ساحبين اياه من بين الزائرين منزلين الرعب في قلوب من رأوه ..
في ذلك الطقس البارد أجلسه احدهم على بلاطة من سلّم موّثقا كلتا يديه بسياجه .. ولسانه يلهج بالذكر وقلبه مطمئن ان كل ما يجري هو في عين الله ..فاذا به يسمع اقداما وهرجا وعبارات ذلة : نعم سيدي .. تؤمر سيدي .. نعم ان ضابط التحقيق يتفقد صيد الرفاق صافعا كل من يمر عليه صفعة مصحوبة بأفحش الألفاظ النابية ..دنى منه الجلاد وثارت حفيظته من عمامته السوداء ..صاح صافعا اياه بشدة: شسمك يا ول ؟تدحرجت عمامته واختنق بعبراته : علي عبد الحسين ..
زمجر بهم : "ولكم ليش بعده لابسها ياثولان دنعل ابوكم يا…. !!"
تدحرجت العمامة وتلاقفتها اقدام الجلادين يمعن كل منهم ان يثبت ولاءه بركلها لآخر وكبيرهم يضحك شامتا ولسانه لم يتوقف عن الكفر بالله ورسوله واله ..
عاد اليه ثانية وقبض على لحيته ناتفا اياها : "هم علي وهم عبد الحسين!! جيبوه للتحقيق .."
ومضى متبخترا وكفاه تضم السوط متوعدا ..
وبسرعة جذبه اثنان منهم وعيناه تبحثان  عن عمامته المتربة ولسان حاله يقول :معذرة منك ياجداه ..يارسول الله..
أدخلوه زجرا فأمرهم صارخا : شدوا عيونه.. نعم هو يخشى نظراته الصامدة ويشعر بالضآلة امام ثقته بنفسه.
بادره: "شعندك ولك !؟!
تدعو للثورة ضد القائد الضرورة!
موزين نخليكم تزورون!! انتو ابد مو مال رحمة !!"
ولما لم يجبه ضربه بسوطين على كتفيه وصاح : يابن …. جاوب تره أنهي حياتك ، وكرر عبارته اليومية التي ينعق بها وترج المعتقل الكئيب : نحن مخولون من القائد الضرورة ان نقتل من سته الى سبعه من اعداء الحزب والثورة يوميا اذا لم يعترفوا .. اعترف احسنلك!
انّ السيد انّةً مبتلعا آهاته واستحضر مولاه زين العابدين في طريق الشام وسلم عليه مستقويا بإبائه وصبره.. لم يمهله فقد ركله ركلةً اسقطته من الكرسي وانهالوا عليهم جميعا وكلهم يردد:اعترف ..اعترف ..
فصاح باختناق وألم : على ماذا اعترف هي زيارة لجدي الحسين فمالذي  يضيركم منها !!
رفسه في بطنه وصاح: لا تگول جدي هو جد الريس !! والحسين بريء منك ومن امثالك المتآمرين على حفيده !!
اعترف الى من كنت تنادي يومها من حزبك ؟ادري هي كلمة سر عند حزب الدعوة العميل !!
اعترف واحنا نعتبرك نادم وتطلع براءة !
أنكر وضربوه ..وأنكر وكهربوه.. وأنكر وازدادوا تعذيبا ..
فسكت بلا حراك كرروا الضرب عليه دون جدوى ..لقد فارق الحياة بضربة على رقبته هشّمت عموده الفقري ..
مات .. نعم مات وما اهون البشر عند صدام وزمرته .. عم الصمت.. وتداركوا الامر بان لفوه ببطانية رثة وسحبوه الى خارج المبنى ومضت العجلة بجثمانه الى نهر دجلة ككل من سبقه من شهداء التعذيب الوحشي في تلك الدار السليبة ليضاف اسمه لآلاف الآلاف ممن أغرقوا لتغييبهم ..
ظل فم المكان بعده فاغراً، كما لو أن الزمان امتصّ آخر أنفاس الشجاعة..وظلت جدران الزنزانةٍ تُردد: علي عبد الحسين .. و“لبيك يا حسين” كصرخة لا تهدأ ويرتد صداها في كل ازمان الظلم .
أما عمامته، فقد بقيت تتدحرج في ذاكرة التاريخ لتدون كيف تُرشق الكرامة ويُقذف بها أمام شراذم الخلق في زمن انتمى طغاته لبني امية وتمسك صالحوه بنهج الحسين عليه السلام  .

اليوم, 20:06
عودة