"Today News": بغداد
[قراءة اقتصادية معمقة في كلفة الصراع، ودعوة إلى تغليب العقل والحوار من أجل مستقبل اليمن.]
◇■مما يحز في القلب ما أعلنته وزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار في صنعاء، بأن الخسائر التي لحقت بالقطاعات الاقتصادية اليمنية خلال اثني عشر عامًا من الحروب والحصار و الصدامات العسكرية الداخلية والخارجية بلغت مستويات غير مسبوقة، إذ قُدرت خسائر قطاع الاقتصاد بنحو 1.13 تريليون دولار، منها :
☆القطاع الصناعي[82.5]
☆الخزينةالعامة و القطاع المالي[32.1]
☆التجارةالخارجية [ 111.13]
☆النفط والمعادن[57 ]
☆الزراعة والثروة الحيوانية[111 ]
☆الثروةالسمكية[12.6]
☆النقل[23]،
☆الكهرباءوالطاقة والمياه[28]
☆السياحةوالآثار والثقافة[11]
☆القطاع الصحي[7]مليارات دولار.
◇■وسواء اتفق المراقبون أو اختلفوا حول بعض هذه التقديرات، فإن الحقيقة التي لا تكاد تقبل الجدل هي أن اليمن كان ولا يزال دولة مظلومة وهو الخاسر الأكبر من استمرار الصراع، وأن الاقتصاد الوطني تعرض لاستنزاف هائل انعكس بصورة مباشرة على معيشة المواطنين، و ارتفاع معدلات الفقر و البطالة، وتراجع الخدمات الأساسية، وهجرة رؤوس الأموال والكفاءات.
◇■إن هذه الأرقام ليست مجرد بيانات اقتصادية، بل هي مؤشرات على حجم الفرص الضائعة. فكل دولار يُستهلك في الحرب هو في المقابل ؛
#مدرسة لم تُبنَ،
#ومستشفى لم يُجهز،
#وطريق لم يُعبّد،
#ومشروع تنموي لم يرَ النور،
#وفرصة عمل حُرم منها شاب أو أسرة كانت تتطلع إلى حياة كريمة.
◇■لقد عرفتُ اليمن عن قرب خلال عملي الدبلوماسي ومكوثي فيه، وأحببت شعبه لما وجدته فيه من أصالة وكرم وصبر وحكمة، وتجولت طويلاً بين "ناطحات السحاب" عند باب اليمن و ميدان التحرير وسنحان ونهم وهمدان في صنعاء وأسواقها القديمة ،وأنحاء قلعة وادي ظهر حيث قصر دار الحجر،والى وادي آل جبارة، وصعدة وغيرها، ولذلك فإنني أكتب هذه الكلمات بحرقة وإخلاص و بدافع المحبة و الحرص، متمنيًا أن تستعيد هذه البلاد العزيزة على قلبي أمنها واستقرارها، وأن تتجه جهود جميع أبنائها نحو البناء و التنمية، بعيدًا عن دوامة الصراعات الداخليةوالخارجية التي أنهكت العباد والبلاد.
◇■واليمن ليس بلدًا فقيرًا في موارده، بل يمتلك موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا يعد من أهم المواقع في المنطقة، ويملك ثروات طبيعية و بحرية ومعدنية و زراعية وسياحية وشمساً مشرقة ساطعة يمكنها إنتاج معدلات كبيرةمن الكهرباء، وأمطاراً كافية،مما تؤهله(كل هذه الامور)وجبالاً وسفوحاً وسواحل جميلة ذات مناظر خلابة ليكون اقتصادًا واعدًا إذا توافرت له بيئة مستقرة وآمنة وإدارة مدنية حكيمة. غير أن استمرار الصراع العسكري جعل جانبًا كبيرًا من هذه الإمكانات معطلًا، وأبقى الدولة و المجتمع في دائرة الإنفاق العسكري و النزيف الاقتصادي المستمر.
◇■ومن هنا يبرز سؤال يفرض نفسه بإلحاح: ألا ينبغي إعادة النظر في أسلوب إدارة الدولة، وفي طبيعة العلاقات الداخلية والخارجية، والانتقال من منطق الصراع والتناحر إلى منطق الدولة، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة التنمية وتغليب لغةالحوار والعقل بين أبناء الوطن؟
◇■إن الحكمة تقتضي أن يتقدم صوت العقل على قعقعة السلاح، وأن تُغلق جبهات القتال و تختزن الصواريخ في الترسانات وتغلق أبوابها، وتُفتح جبهات البناء والإعمار، وأن تتحول الموارد المخصصة حالياً لاستمرار المواجهات إلى استثمارات في التعليم والصحة و البنية التحتية و الإنتاج والخدمات، فهذه هي الأسس الحقيقية لقوة الدول واستقرارها.
◇■كما أن إعادة بناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد، شمالًا و جنوبًا، لا تعني انتصار طرف على آخر، وإنما تعني انتصار اليمن نفسه. فالحوار السياسي الأخوي، مهما كانت صعوبته، يبقى أقل كلفة من الحرب، والتوافق الوطني أقل ثمنًا من استمرار الانقسام.
◇■إن تحويل الموانئ والمطارات إلى مراكز للتجارة والاستثمار، بدلاً من أن تكون أهدافًا للقصف أو ساحات للمواجهة، كفيل بإعادة الحياة إلى الاقتصاد، و استعادة حركة التجارة والملاحة، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص العمل وانعاش قطاع النقل، وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
◇■إن التاريخ يعلمنا أن الحروب لا تصنع الأوطان، وإنما قد تدمرها إذا طال أمدها وأصبحت دوامة لعقود من الزمن، أما السلام العادل القائم على الحوار والإرادة الوطنية الصادقة فهو الطريق الأقصر إلى التعافي واستعادة الدولة وبناء المستقبل وتحقيق العزة و الرفعة والرفاهية.
◇■فالأوطان تُبنى بالحكمة والعمل و الانتاج ، لا باستمرار الحروب وتفاقم الصراعات الداخلية والخارجية، والسلام هو الاستثمار الأكثر ربحًا للأجيال،وعلى جيران اليمن إلغاء الحصار والضغوط على شعب عربي مسلم أصيل يريد الخير للجميع .
■أنظر:
وزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار (صنعاء)، "المؤشر الاقتصادي اليمني"، العدد الثاني، 2026، فصل: الأضرار والخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحرب والحصار (مارس 2015–مارس 2026).
د.رعدهادي جبارة
الباحث في العلاقات الدولية والدبلوماسي السابق