الرئيسية / رؤية تحليلية في قوله تعالى:- { وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}

رؤية تحليلية في قوله تعالى:- { وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}

"Today News": بغداد 

 القران الكريم وإنْ كانت مهمته نصرة الرسول و تعليمه بما يُعينه على اتمام دعوته إلا أنه في ذات الوقت كان بياناً للمسلمين في عصر النزول وحتى يومنا هذا وسيبقى كذلك إلى أنْ يرث الله الارض ومَنْ عليها .
و من عظمة الرسول (ص) انه نقل الوحي بأمانة  فلم يجد حرجاً في نقل كل ما أمره الله به ،فكله يتعلق بأمور الدعوة  ، فحياة الرسول  سلوكه تفكيره  امنياته  وإن كانت أموراً ذاتية  إلا أنها مرتبطة بالرسالة ،
وفي هذا المقطع  من الاية نرى خطاباً مباشراً للرسول تأمره بفعلين في آن واحد ، وكان للروايات  الواردة في أسباب النزول أثراً كبيراً على المفسرين  

 أما هذه الرؤية التحليلة فلن تُكرر ما قاله المفسرون وإن كان المنطلق فيها يعتمد على قوله إلا أنها تبحث عن الاسلوب القراني في توجيه الرسول (ص) في دعوته الى الله ، والدروس التي يمكن أنْ نستفيد منها  .
 فكما يبدو لمن يقرأ النص أنه يتحدث عن حالتين الاولى ترك  يتقدمها (لا ) والثانية حث على امر  ( وقل رب ) وجاءت بصيغة الدعاء لذلك لم تكتب ( ربي) كما يرى أهل البلاغة .
ففي هذا المقطع  يربط القران بين عدم التسرع وطلب العلم  وهي من أهم  أسلحة الدعوة الى الله سبحانه وتعالى صبر ومن ثم دعاء لزيادة العلم ،
وكأنَّ الاية  توضح أنَّ الرسول يملك العلم  ولكنها تحثه على طلب الزيادة  وتتنوع هذه الزيادة وتتوسع في الميادين التي تواجهه .
وزيادة العلم تفتح له  أفاق المعرفة  للتحرك داخل المجتمع  فالعلم من الله و والمعرفة تعتمد على العلم ف " دراسة العلم لقاح المعرفة وطول  التجارب زيادة العقل والشرف والتقوى …….."1

فالله سبحانه وتعالى يبين لرسوله (ص) ان حرصك بالتبليغ واستعجالك بالقران قد لا يوفر لك المساحة المطلوبة من زيادة العلم ، لهذا (لا تعجل ) فإن الله اللطيف الخبير هو من يرعاك ويسددك لهذا ادع بزيادة العلم ،
و لقد جاءت  مفردة العلم منكرة و منونة لتعطي  مفهوماً أبعد فيما لو  جاءت معرفة  ، ولكان المقصود نوعاً واحداً و قد لايكون فيه زيادة ، لكن  الرسالة تتطلب تلقي أنواع العلوم فيما يحتاجه الرسول (ص) من خلال بناء أُطر معرفية ،  وبهذا  تلم  الرسالة الخاتمة بكل حاجات البشرية وتستطيع أنْ تواجه التحدي على مر التاريخ .
فالاية توضح بأنَّ العلمَ  يتطلب صبراً ودعاءً  والعلم يعني حالة َانكشاف ووضوح  لكنه بحاجة الى وعاء نقي ويتحلى بالصبر ، وهو ما تتطلبه الدعوة إلى الله .
و الاية تبين أنَّ مسارَ الدعوة والتبليغ  بيد الله سبحانه وتعالى { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ}
 و الاية توضح بأنَّ العجلة تعارض حصول العلم الكلي ،ولهذا جاء الترتيب الدقيق  ( لاتعجل ) ثم ادع ( وقل ربي زدني علماً) …
فالعجلة تؤدي إلى نقص اكتمال العلم  ومن ثم المعرفة، ولا يكتمل علمٌ إلا بالوحي
وتبين الاية بعد ذلك إنَّ العلم مصدره الله سبحانه وتعالى وحده ، ولهذا أمرت بالدعاء في طلبه  منه .
 ماذا تتطلب حركة الدعوة :-
لعل هذه الاية  من الايات التي رسمت منهجاً فيما يجب انْ يتحلى به الدعاة الى الله سبحانه وتعالى، فالقران الكريم رسالة الله  التي يُراد لها أنْ تصل  بحكمة الله وتقديره لذا  يتطلب التأني فيه -وإنْ كان لديه اطلاع مسبق عليه - و يوفر مساحة في فهم أبعاده ، والعجلة وإن كانت حرصاً من الرسول (ص) في أداء الرسالة كما كان مع موسى (ع) قبله{وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ}طه : 83 إلا أنها قد لا تفي بالغرض المطلوب .

 هذه الاية لا تخرج عن قاعدة الاسوة الحسنة :-

 
عندما يأمر الله رسوله (ص) بفعل ما ، ودونه الوحي فهو  أمر يتعلق بالرسالة ومقتضيات الدعوة الى الله
 وكذلك حث على العمل به سيما أدعية الرسول والانبياء من قبله .
فهذه الايات وإنْ خاطبت النبي (ص)
 وأمرت بأمور معينة لم تكن بعيدة المنال  عن المسلمين بل  أمرنا الله أن نقتدي به {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } الاحزاب الاية 21 ، مع التذكير بأحكام خاصة به بحثها المفسرون في موضعها.
 و  الاية أعلاه من ضمن هذه الايات التي تذكرنا بأنَّ العلم من الله وحده ولا ينبغي لنا أن ننسبه لانفسنا كما هي بقية النعم ، ولقد أذل الله قارون لأنه نسب العلم بصنعته الى نفسه ولم يشكر الخالق  فعُدَّ من المجرمين { قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ }  القصص 78.
  فالله سبحانه وتعالى  نسب العلم الى نفسه أما المعرفة فهي  تعود الى كيفية الاستفادة من هذا العلم  وبالتالي هي فعل بشري  ولعل ذلك بحتاج الى تفصيل عندما نتناول تحليل الاية {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ } محمد :30

ماذا تقرر الاية ؟
الاية تقرر أنَّ مصدر العلم هو الله سبحانه وتعالى ، ولذلك أمر  رسوله  وهو الكامل  المطلع وهو أكمل البشر — مأمور أن يطلب العلم من الله، لهذا كانت المقدمة ( لا تعجل ) لأنَّ  الامر  لايتعلق بك  فالدعوة   وتطبيق الشريعة والاحكام لا تخضع  للتجربة الشخصية  ،وغير وارد فيها  الخطأ  مهما كانت نسبته ،
 (ص) بأنّْ يطلبه منه لانه المربي والراعي له ولهذا جاء لفظ (ربي) كما أشار إلى ذلك أهل اللغة لما لهذا اللفظ من دلالة ،
هذه الاية

1-  حديث الامام الحسين (ع) بحار الانوار ط بيروت ج 75 ص 129
اليوم, 13:50
عودة