"Today News": بغداد
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ آل عمران: 19
بمناسبة ذكرى رحيل خاتم الأنبياء والمرسلين الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) في 28 صفر عام 11 هجرية (8-6-632م) والموافق في يوم الأربعاء 12 آب 2026، نتقدم بأصدق آيات العزاء إلى الأمة الإسلامية، سائلين الله تعالى أن يجعل هذه الذكرى محطةً لاستلهام قيم الرحمة والعدل والمحبة التي جسدها رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله)، وتعزيز ثقافة السلام والتعايش السلمي وصيانة الكرامة الإنسانية.
لقد جاءت رسالة النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) امتدادًا لرسالات الأنبياء جميعًا، ومتممةً لمسيرة الهداية الإلهية التي بدأت بآدم (عليه السلام)، فكانت رسالة إصلاح وبناء للإنسان، اعتمدت الحكمة والحوار والأخلاق، حتى وصفها القرآن الكريم ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ الأنبياء: 107.
وفي عالم تمزقه الحروب والصراعات، تبرز الحاجة إلى استعادة جوهر هذه الرسالة، القائمة على توحيد الله سبحانه تعالى والرحمة والعدل واحترام حقوق الإنسان.
أولًا: وحدة الرسالات السماوية:
يؤكد القرآن الكريم على أن الرسالات السماوية ليست أديانًا متنازعة، وإنما رسالة إلهية واحدة تعاقب على حملها الأنبياء من النبي الأول آدم (ع) إلى خاتم الأنبياء محمد (ص) ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ المائدة: 48 .
أهدافها المشتركة: توحيد الله تعالى، وإقامة العدل، وصيانة كرامة الإنسان، ونشر الرحمة والإحسان بين ما خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان والجن {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} الذاريات :56، كما في إثبات المعاد ، والإيمان باليوم الآخر ، والموت ، وما بعده من القبر ، ونعيمه وعذابه ، والبعث بعد الموت ، والجنة والنار ، والثواب والعقاب. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ — النحل: 124.
ثانيًا: جميع الأنبياء دعوا إلى دين واحد:
يقرر القرآن الكريم أن الأنبياء جميعًا دعوا إلى الإيمان وعبادة الله وحده والعمل الصالح، قال تعالى﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ البقرة: 285، كما وصف الأنبياء وأتباعهم بأنهم من المسلمين، ومنهم نذكر ما يلي:
النبي نوح (ع) ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ يونس: 72.
النبي موسى (ع): {يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ } يونس :84.
الأنبياء إبراهيم وإسماعيل(ع)، تأكيدًا لوحدة الدين الإلهي. ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ البقرة: 128.
وعن النبي إبراهيم (ع) {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } البقرة :131،
النبي يوسف (ع) : ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ يوسف: 101.
الحواريون مع النبي عيسى (ع): ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ آل عمران: 52.
النبي سليمان (ع) على لسان ملكة سبأ: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} النمل :44.
رسل الله سبحانه الى الأمم: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} النحل :36.
و {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ } الانبياء :25.
ثالثًا: اختلاف الشرائع لا يعني اختلاف الدين:
يبين القرآن أن أصل الدين واحد، بينما اختلفت الشرائع (اليهودية والمسيحية) بحسب حاجات الأمم وأزمانها. ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ المائدة: 48. والفرق بين الدين والشريعة كما يلي:
•الدين: التوحيد والعقيدة والقيم الثابتة.
•الشريعة: الأحكام العملية التي تتنوع وفق مقتضيات الزمان والمكان.
رابعًا: رسالة النبي محمد (ص) خاتمة الرسالات:
جاءت رسالة النبي محمد (ص) مصدقة لما سبقها، ومتممة لمسيرة الأنبياء، وخاتمة للرسالات الإلهية.
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3.
خامسًا: جوهر الرسالات الإلهية جاءت لبناء الإنسان، لا لإشعال الصراعات.
وترتكز على الرحمة والمحبة، والعدل والتعاون،واحترام كرامة الإنسان، ونبذ الطغيان والكراهية والعنف.
وقد استطاع النبي محمد (ص) أن ينقل مجتمعًا غارقًا في العصبية والاقتتال إلى مجتمع يؤمن بالتكافل والإيثار والعمل الصالح، معتمدًا الحكمة والحوار والأخلاق.
سادسًا: رفض التطرف والعنف:
شوّهت بعض الجماعات المتطرفة صورة الإسلام بأعمال العنف والإرهاب، بينما الإسلام الذي جاء به النبي محمد (ص) هو دين الرحمة والعدل وصيانة النفس الإنسانية، ويرفض الغلو والتطرف، كما أكد القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ — الأنبياء: 107.
سابعًا: مسؤولية المسلمين اليوم:
تقتضي الأمانة الدينية والإنسانية أن يستعيد المسلمون روح رسالتهم بالعودة إلى القرآن الكريم وسيرة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وأهل بيت النبوة (عليهم السلام)، وأن يكونوا دعاة سلام ووحدة،وبناةً للعدل والإصلاح، والتعاون على البر والتقوى، وناشرين للرحمة والتسامح، وحماةً لكرامة الإنسان.
إن وحدة الدين الإلهي ليست دعوة إلى الصراع، بل إلى التعارف والتعاون والتنافس في الخير، وبناء حضارة إنسانية تقوم على الإيمان بالله الواحد الأحد الفرد الصمد والعدل والرحمة. وهذه هي الرسالة التي حملها جميع الأنبياء، واكتملت بخاتمهم محمد (ص)، لتبقى منارةً تهدي البشرية إلى طريق السلام والخير.
وليد الحلي
27 صفر 1448- 11 آب 2026