"Today News": بغداد
لاقى مقالي الأسبوع الماضي «تشريح العقل السياسي العراقي» ترحيباً واسعاً، وطلب مني عدد من الباحثين أن أتبعه بمقال عن العقل السياسي المطلوب للعراق. وقد وجدت في هذه الدعوة فرصة لتوضيح مسألة أعمق؛ لأنني لا أعتقد أن الباحث، مهما أوتي من قدرة فكرية وفلسفية، يستطيع أن يصوغ لنا عقلاً جديداً بقرار أو رغبة، فالعقل الذي يصدر الأحكام ويتخذ القرارات ليس هو المشكلة وحده، وإنما المشكلة في العقل الذي يُنتجه.
يميز الفيلسوف الفرنسي أندريه لالاند بين «العقل المكوِّن» و«العقل المكوَّن». الأول هو البنية والقواعد والمرجعيات التي تنتج الأحكام، والثاني هو العقل في صورته النهائية حين يحكم ويقرر ويتصرف. وقد شرح محمد عابد الجابري هذا التمييز في مشروعه (نقد العقل العربي)، ليؤكد أن تغيير النتائج لا يكون ممكناً من دون مساءلة البنية المعرفية التي تنتجها.
أجد أن الحديث عن «عقل سياسي شيعي جديد» مثلا يحتاج أولاً إلى تفكيك العقل المكوِّن الذي ينتج الاستجابة السياسية لدى قطاعات واسعة من النخب والجمهور الشيعي. وأنا هنا لا أتحدث عن الأفراد ومصالحهم الخاصة، ولا أضع جميع الشيعة في قالب واحد، وإنما أتحدث عن ظاهرة اجتماعية وثقافية عامة يمكن ملاحظتها في طريقة التفكير والاستجابة للتحديات السياسية والأمنية والاجتماعية.
هنا يمكن استعارة مفهوم «الهابيتوس» الذي طوره عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، بوصفه : منظومة من الاستعدادات الذهنية والاجتماعية المتراكمة التي تجعل الفرد والجماعة يميلان إلى رؤية العالم والتصرف فيه بطريقة تبدو طبيعية وبديهية. ويمكن، على سبيل التحليل، أن نتحدث عن «هابيتوس شيعي» تشكل تاريخياً بفعل الذاكرة والمظلومية والمرجعية والجماعة والرموز الدينية وتجارب الصراع والتهديد، وأصبح في حالات كثيرة أشبه بصندوق أسود تنتج داخله المواقف السياسية قبل أن تصل إلى مرحلة التفكير الواعي فيها.
ولهذا فإن الخروج على هذا الهابيتوس ليس مسألة فكرية بسيطة؛ إذ قد يُفهم اجتماعياً بوصفه خروجاً على الجماعة وتفلتاً من الهوية. تفسر نظرية الهوية الاجتماعية لهنري تاجفيل جانباً من المشكلة، فالإنسان لا يفكر دائماً باعتباره فرداً مستقلاً، وإنما يتأثر بانتمائه إلى الجماعة وحدود «نحن» و«هم». ولذلك يصبح الاختلاف مع الجماعة أحياناً أكثر كلفة من الاختلاف مع الفكرة نفسها.
المشكلة إذن ليست في أن نقول للشيعي: فكّر بطريقة جديدة، وإنما في أن نسأل: كيف يمكن إعادة بناء البيئة المعرفية والاجتماعية التي تنتج طريقة التفكير؟ وكيف يمكن الانتقال من عقل تحكمه الذاكرة والخوف والهواجس والاصطفافات إلى عقل سياسي تحكمه الدولة والمصلحة الوطنية والأولوية الواقعية وإدارة المصالح المشتركة؟
وأهمية هذه المسألة أنها لا تخص الشيعة وحدهم. فحين يتغير أحد المكونات الكبرى في العراق، ستتأثر بالضرورة بقية المكونات؛ السنة والكرد وسواهم، لأن السياسة العراقية ليست جزرًا منفصلة، وإنما منظومة من الاستجابات المتبادلة. وإذا نجحنا في فتح نقاش جدي حول العقل المكوِّن، فإننا لا نبحث عن «عقل شيعي» في مواجهة عقل سني أو كردي، وإنما عن إمكانية الوصول إلى أرضية سياسية جديدة تتقاطع فيها هذه الهويات عند مفهوم الدولة ومصالحها وأولوياتها وتحدياتها.
لذلك ربما لا يكون السؤال الصحيح اليوم: ما هو العقل السياسي الشيعي الجديد؟ بل: كيف نعيد بناء الشروط التي تنتج عقلاً سياسياً عراقياً جديداً؟ فالعقل الجديد لا يُكتب على الورق، وإنما يتشكل حين تتغير المرجعيات التي تنتجه، وتتغير معها طريقة فهمنا لأنفسنا وللآخر وللدولة وللمصلحة الوطنية. وهذه، في تقديري، هي المعركة الفكرية الحقيقية التي ينبغي أن تسبق أي حديث عن الإصلاح حيث يمكن ملاحظة أثر هذا الهابيتوس في عدد كبير من المواقف السياسية المعاصرة. فعندما تواجه النخب الشيعية تحدياً أمنياً أو سياسياً، كثيراً ما تكون الاستجابة الأولى محكومة بسؤال «من معنا ومن ضدنا؟» أكثر من سؤال «ما الذي يخدم الدولة والمصلحة العراقية؟». وعندما تتعرض البيئة الشيعية إلى تهديد، يعود العقل تلقائياً إلى مخزون الذاكرة التاريخية، وإلى مفردات الحماية والوجود والمظلومية والتهديد الخارجي، حتى وإن كان التحدي الجديد مختلفاً تماماً عن التحديات التي أنتجت تلك المفردات في الماضي.
ولعل الجدل حول السلاح خارج الدولة واحد من أوضح الأمثلة. فبدلاً من أن يبدأ النقاش من سؤال بسيط: هل تستطيع الدولة أن تكون دولة مكتملة السيادة في ظل وجود قوى مسلحة تتخذ قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها؟ يتحول النقاش سريعاً إلى أسئلة الهوية والولاء والمقاومة ومن يقف مع من؟، وكأن المطالبة باحتكار الدولة للسلاح تعني بالضرورة موقفاً من قضية مذهبية أو إقليمية. هنا يظهر الهابيتوس بوصفه منتجاً للاستجابة؛ إذ يستدعي المخزون السابق لتفسير الحاضر، حتى عندما يكون المطلوب هو بناء قاعدة جديدة للحكم والسياسة.
ومثال آخر يظهر في الموقف من العلاقة مع إيران. فبدلاً من أن يكون السؤال: ما طبيعة العلاقة التي تحقق للعراق أكبر قدر من المصالح وتحفظ استقلال قراره وسيادته؟ يتحول النقاش لدى بعض النخب والجمهور إلى سؤال هوياتي: هل يمكن أن نختلف مع إيران من دون أن نكون ضدها؟ وهل يمكن أن نقترب من الولايات المتحدة من دون أن نكون تابعين لها؟ وهكذا تتحول السياسة الخارجية من إدارة للمصالح إلى امتحان للولاء، ويصبح الموقف من الدولة الأخرى معياراً للحكم على وطنية الفرد أو انتمائه.
والأمر نفسه يمكن ملاحظته في الموقف من الولايات المتحدة. فهناك من يرى أي علاقة معها باعتبارها استمراراً للاحتلال والهيمنة، وهناك من يرى أن رفض العلاقة معها بصورة مطلقة يضر بالمصالح العراقية. وفي الحالتين قد يتحول الموقف إلى هوية سياسية ثابتة يصعب مراجعتها، بحيث يصبح التفكير في جدوى العلاقة أقل أهمية من الانتماء إلى المعسكر الذي يمثلها.
بل إن الانتخابات العراقية تقدم مثالاً أكثر وضوحاً على عمل الهابيتوس. فبدلاً من أن تكون المنافسة في كثير من الأحيان بين برامج ومشروعات مختلفة لإدارة الدولة والاقتصاد والتعليم والخدمات والعلاقات الخارجية، تتحول إلى استنفار للهويات الاجتماعية والمذهبية والقومية، ويصبح التصويت في بعض الحالات تعبيراً عن حماية الجماعة أكثر منه اختياراً لبرنامج سياسي. وحينها لا يعود السياسي مضطراً إلى إقناع المواطن بأنه قادر على بناء الدولة، وإنما يكفيه أن يقنعه بأن الجماعة الأخرى تشكل خطراً عليه.
وهنا تكمن المفارقة: نحن نريد دولة حديثة، لكننا نذهب إليها أحياناً بعقول سياسية تشكلت في ظروف ما قبل الدولة الحديثة، ونريد مواطنة متساوية، لكننا نستدعي في لحظة الخوف والانقسام هوياتنا الأولية، ونريد قراراً وطنياً مستقلاً، لكننا نقيس المواقف السياسية أحياناً بميزان القرب والبعد من هذا المحور الإقليمي أو ذاك.
ولا يعني هذا أن المشكلة شيعية وحدها. فالهابيتوس موجود لدى جميع الجماعات العراقية، وإن اختلفت مصادره وتاريخه ومضامينه. فالسني لديه مخزونه التاريخي والسياسي، والكردي لديه تجربته وذاكرته الخاصة، والشيعي كذلك. وكل جماعة تحمل معها إلى الحاضر جزءاً من تاريخها، وتقرأ الأحداث الجديدة من خلال ما راكمته من تجارب ومخاوف وتصورات عن الآخر.
لكن خصوصية الحالة الشيعية في عراق ما بعد 2003 تستحق نقاشاً خاصاً؛ لأن الشيعة انتقلوا من موقع الجماعة المعارضة أو المهمشة في بنية الدولة السابقة إلى موقع الجماعة الأكثر تأثيراً في إدارة الدولة الجديدة. وهذا الانتقال التاريخي لم يكن مجرد انتقال سياسي، وإنما كان انتقالاً في الوعي أيضاً. فقد وجدت الجماعة نفسها أمام سؤال جديد لم تختبره طويلاً: كيف تتحول من جماعة تطالب بالعدالة والحماية والتمثيل إلى جماعة تتحمل مسؤولية الدولة كلها ،في هذا المفصل تبدأ المشكلة الحقيقية. فالعقل الذي نشأ في بيئة المعارضة والمواجهة والبحث عن الحماية ، ليس بالضرورة هو العقل نفسه الذي تحتاجه الدولة حين تصبح مسؤولية القرار والسلطة وإدارة الموارد والحرب والسلم والعلاقات الدولية في يده.
الدولة تحتاج إلى عقل مختلف؛ عقل لا يرى المعارضة فضيلة بذاتها، ولا السلطة حقاً للجماعة، ولا الدولة غنيمة سياسية، ولا السلاح وسيلة دائمة لحماية الهوية، ولا العلاقة مع الخارج امتداداً للانتماء الداخلي. الدولة تحتاج عقلاً يستطيع أن يقول: قد تكون إيران دولة صديقة، لكن العراق ليس إيران؛ وقد تكون الولايات المتحدة شريكاً مهماً، لكن العراق ليس تابعاً لها؛ وقد تكون المقاومة جزءاً من تاريخ جماعة، لكن الدولة لا تستطيع أن تتعدد فيها قرارات الحرب والسلم؛ وقد تكون الهوية المذهبية جزءاً من هوية المواطن، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن المواطنة.
هذه هي النقلة التي أعتقد أننا بحاجة إليها: الانتقال من «عقل الجماعة» إلى «عقل الدولة»، من دون إلغاء الجماعة أو محو هويتها، وإنما بإعادة ترتيب العلاقة بين الهوية والدولة. فالهوية يمكن أن تبقى حاضرة في المجتمع، لكن الدولة لا تستطيع أن تُدار بمنطق الهويات المتنافسة؛ لأنها في النهاية ملك لجميع مواطنيها.
إن الحديث عن عقل سياسي شيعي جديد ينبغي ألا يكون مشروعاً لإعادة إنتاج الهيمنة الشيعية بعقل أكثر كفاءة، وإنما ينبغي أن يكون خطوة باتجاه عقل سياسي عراقي جديد. وإذا استطاعت النخب الشيعية أن تبدأ هذه المراجعة بجرأة، فإنها لن تغيّر نفسها فقط، وإنما ستدفع السنة والكرد وسائر المكونات إلى مراجعات مماثلة، لأن كل تغيير في هابيتوس جماعة سيؤثر بالضرورة في هابيتوس الجماعات الأخرى.
وربما تكون هذه هي البداية الحقيقية لبناء ما أسميته في مقالات سابقة «الكتلة التاريخية»: كتلة لا تتشكل على أساس مذهبي أو قومي، وإنما حول فكرة جديدة عن الدولة والعقد الاجتماعي والمواطنة والمصلحة الوطنية. كتلة تؤمن بأن العراق لا يمكن أن يخرج من أزمته بعقل الأمس، ولا يمكن أن يبني دولة المستقبل بأدوات الماضي.
فالمطلوب في النهاية ليس أن نصنع للشيعي عقلاً جديداً، ولا للسني أو الكردي عقلاً جديداً، وإنما أن نخلق شروطاً اجتماعية وثقافية وسياسية تسمح للعراقي بأن ينتج عقلاً سياسياً جديداً؛ عقلاً يرى اختلافاته، لكنه لا يجعل منها قدراً سياسياً أبدياً، ويعرف تاريخه، لكنه لا يسمح للتاريخ بأن يحكم مستقبله، ويحترم هويته، لكنه يجعل الدولة الإطار الأعلى لتنظيم اختلاف الهويات والمصالح.
وعندها فقط يمكن أن نبدأ الحديث جدياً عن عراق جديد، لا بتغيير الأشخاص وحدهم، وإنما بتغيير البنية العميقة التي تنتج طريقة تفكيرهم وقراراتهم.