"Today News": بغداد
حين يُصاغُ عنوانٌ كهذا، تتجهُ الأنظارُ إلى الاسم المقترنِ بالقرآن الكريم.
و تبدأ الاسئلة التقليدية التي تراود مَنْ يقرأ مثل هذه العناوين
ماهو موقعه ليقرن اسمه بالقران الكريم ؟ ومن ثم ما علاقته بالقران الكريم ؟ أو ماذا قدم للقران الكريم لنكتب مثل هذا العنوان ؟
إنَّ الاجابة على هذه التساؤلات يمكن أنْ تكون مباشرة وهي أمر بسيط ، ولكنَّي عن مدى أوسع للاسئلة وإجاباتها التي تأتي من خلال قراءة لتاريخ الامام الصادق، فتكشف لنا حركته ،و موقعه في المجتمع ، ودوره في ترسيخ الوعي والهداية من خلال المنهج الذي رسمه لطلابه ومريديه ،ولعل تسمية المذهب الاثني عشري بالجعفري يوحي لنا ما فعله الصادق (ع) ،
إنَّ التأمل نسبه الذي ينتمي إلى الرسول (ص) يتبادر إلى أذهاننا الحديث النبوي " إني مخلف فيكم الثقلين، ما إنْ تمسكتم بهما لنْ تضلوا بعدي أبداً: كتابَ اللهِ ، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض"1وهو من أهل هذا البيت (ع) .
وقد عُرف بحديث الثقلين وهو ركيزة من ركائز فهم العلاقة بين الطرفين ( أهل البيت والقران الكريم ) الطرف الاول مَثَلَّهُ الامام جعفر بن محمد الصادق في تلك المرحلة التي عاش فيها .
مشروع الهداية :-
حديث الثقلين وضعَ أهلَ البيتِ في دائرةِ الهداية وهم أحد جناحيها التي أوصى بها رسول الله (ص) ولايمكن لغيرهم أنْ يكون له هذا الدور بتمامه وكماله ، والحديث يحصر الامر فيهم مع القران الكريم .
ويمكننا أنْ نعود الى الكثير من المواقف التي سجلها التاريخ ابتداءً من الامام علي (ع) .
كما إنَّ الامام جعفر بن محمد الصادق حفيد مارس نفس الدور ( دور الهداية ) و ( الدفاع عن الاسلام الاصيل)
وقد نتعرف على ذلك من خلال المواقف الحوارية التي سجلها التاريخ 2لنا شاهداً على ما قلناه وتصديقاً للحديث الشريف الذي عُرف بحديث الثقلين .
إنَّ الحديث يدعونا الى معرفة الدور المنوط بالقران الكريم و أهل البيت وهو الهداية التي تشمل كل حركة الانسان في الحياة وعلاقته بالخالق سبحانه وتعالى .
و اهل البيت كانت رؤيتهم للقران الكريم بأنَّه المصدر الاساس للوعي المعرفي للامة و الامام جعفر بن محمد من أهل هذا البيت ، و حاول ترسيخ هذا الوعي في الامة ، وكان يضع القواعد بأنَّ القران الكريم منهاج الحياة للفرد والمجتمع، وينظم العلاقة بينهما وفق معايير العبودية لله ، العدل والحرية وغيرها فيما يتعلق بالعلاقات الانسانية ، ومن ثم يرسم القران الكريم العلاقة مع الخالق سبحانه وتعالى فرداً او جماعة من خلال العبادة واعمار هذه الارض وسيأتي بيان ذلك في الأسطر القادمة .
بيت لا يتزعزع رغم الظروف :-
منذ وفاة الرسول (ص) دُفع أهل البيت عن مواقع القيادة وتحول الى المعارضة بالمصطلح السياسي
المتعارف ،
إنَّ البيت المعارض تقل فعاليته اذا ما كانت الحكومة قوية و و تفرض سيطرتها على ارجاء الدولة . و كان البيت النبوي معارضاً للحكم الاموي ، وقد تعرض هذا البيت للقتل والحصار على مدى الحكم الاموي ابتداءً من معاوية و ابنه ومروراً بمروان ومن خلفه من بعده الى انتهاء الحكم الاموي ، لكنَّ المفارقة التاريخية إنَّ هذه القاعدة قد كُسِرَت ،و إنَّ هذا البيت لم يتأثر بهذا القتل والحصار بل إنَّ تأثيره على المجتمع بقى كما هو لا في المدينة بل الى كافة أرجاء التي تواجد فيها المسلمون .
و تجلى هذا الامر بشكل واضح في حياة الامام جعفر بن محمد الصادق الذي تزعم البيت العلوي سواءً بالنص ، أو من خلال طاعة بني هاشم له ، و قد أخفق كل من حاول منافسته على هذا الموقع الريادي من بني هاشم ، و لم يلحظ المؤرخون أي شخصية استطاعت المنافسة ، كما إنَّ محاولات الاجهزة الحاكمة في تسويق أي شخصية قد باءت بالفشل ، وكانت المحاورات و المناظرات العلمية التي أجراها جعفر بن محمد الصادق (ع) أحدى الطرق التي أظهرت فضله الديني ، كما إنَّ سلوكه اليومي أرجعهم الى ماكانوا يسمعونه عن سلوك رسول الله (ص) مما فرض هيبة و وقاراً لم يكن لأي من أهل المدينة أنْ يتخطاه بل أنَّ زائري المدينة كانوا يرون ذلك أيضاً .
الهداية من خلال القران الكريم :
كما أشرت بأن أهل البيت ومنهم الامام الصادق رأوا أنَّ القرآن الكريم المصدر المعرفي الأول الذي يفهم من خلاله تركيبة الإنسان و تركيبة المجتمع، و لم يكن القران الكريم في وعي الامام الصادق كتابَ أحكام فحسب بل هو المنهج الذي يحدّد أو يوضح كيف يعيش الإنسان، وكيف يتفاعل المجتمع، وكيف تُعمر الأرض، وكيف تتحقق العبادة الحقيقية التي تجمع بين الوعي والعمل.
وقد عبّر الإمام الصادق ( ع) عن هذا الفهم فقال ما نصه كما ورد في الكافي " كتابُ اللّه فيه نبأُ ما قبلكم، وخبرُ ما بعدكم، وفصلُ ما بينكم، وهو حجّةُ اللهِ عليكم " و المتأمل في هذا الحديث وغيره من الاحاديث -التي لا يسعني ان أورد مجموعة منها- ، يرى أنَّ القرآن الكريم يوصف على أنه مرجع شامل لفهم التاريخ والإنسان والعلاقات الاجتماعية.
وفي نص اخر يبين المعنى الذي تحدثت عنه بما يمثله القران الكريم كمصدر معرفي لابد من التفقه فيه " من لم يعرف القرآن لم يعرف الناس " والنص واضح بأنّ فهم الإنسان لا ينفصل عن فهم النصّ الإلهي ، لأنَّ القرآن عنده هدىً ونورًا واستقامةً، لا كتاب أحكام نحسب، بل مشروعًا معرفيًا تُبنى عليه العبادة الحقيقية وإعمار الأرض {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ }المائدة :15
————1————