الرئيسية / رؤية قرآنية .. فقه الكلمة في الخطاب الإسلامي

رؤية قرآنية .. فقه الكلمة في الخطاب الإسلامي

"Today News": بغداد 

خصوصية المفردة القرآنية-86

تمهيد:
[الحلقةالثانية:«راعنا»  عندما يصبح اختيار المفردة جزءًا من حماية الخطاب الديني]
في الحلقة الأولى توقفنا عند مفهوم "القول السديد"، و تبين لنا أن القرآن لا ينظر إلى الكلام باعتباره مجرد ألفاظ تحمل المعاني، وإنما يحمّل المؤمن مسؤولية المعلومة، و الوصف، والحكم، و العبارة، وما يمكن أن يترتب عليها من آثار.

وكان من بين النماذج القرآنية التي أشرنا إليها قوله ﷻ:
﷽ *﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾*
[البقرة: 104]

وهنا يبرز سؤال جدير بالتأمّل:
لماذا يتدخل القرآن في كلمة واحدة؟
لماذا لم يكتفِ بتصحيح العقيدة أو السلوك، وإنما نهى المؤمنين عن مفردة بعينها، مع أن استعمالهم لها كان في الأصل بقصد صحيح؟
الجواب يكشف لنا جانبًا بالغ الأهمية من فقه الكلمة.

ماذاتعني"راعنا"؟

لفظ «راعنا» من مادة "رعى"، وكان مستعملًا في العربية في معنى "المراعاة والانتباه"، ومنه أن يطلب المتكلم من مخاطبه أن يراعيه في الكلام أو يمهله حتى يفهم.

ولهذا كان المسلمون يقولون للنبي وآلـﷺـه: «راعنا» يريدون بها معنى قريبًا من: أمهلنا وانتظرنا حتى نفهم عنك ونعي ما تقول.

لكن المشكلة لم تكن في هذا القصد.
المشكلة أن اللفظ نفسه كان قابلًا لأن يُستعمل على وجه آخر، وأن جماعة من أهل الكتاب اتخذوه ذريعة إلى التلاعب والإساءة.
وهنا جاءت الآية:
*﷽*﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾
فبدلًا من اللفظ المحتمل، جاء التوجيه إلى لفظ أوضح وأبعد عن الالتباس.
وهذه نقطة جوهرية:
«قد يكون قصد المتكلم صحيحًا، لكن اللفظ الذي اختاره قد لا يكون هو اللفظ الأسلم.»

«راعنا» بين اللغة والتفسير

يذكر الراغب الأصفهاني في [مفردات ألفاظ القرآن] مادة «رعى» وما يتصل بها من معنى المراعاة و الحفظ والانتباه، وهو ما ينسجم مع أصل الاستعمال العربي للكلمة.
لكن قيمة الآية لا تتوقف على معناها اللغوي المجرد؛ لأن السياق القرآني يكشف أن القضية أصبحت مرتبطة بكيفية تداول اللفظ واستعماله من قبل المخاطبين.

وهنا تظهر أهمية الانتقال من المعنى القاموسي إلى المعنى التداولي.
فليست كل كلمة تُفهم فقط من أصلها اللغوي، بل قد تتغير دلالتها بحسب السياق، والمتلقي، وطريقة استعمالها، وما يحيط بها من قرائن.
وهذا بالضبط ما يجعل قضية «راعنا» ذات صلة وثيقة بعالم الإعلام.

الميزان: المشكلة في قابلية اللفظ للاستغلال

وعند الرجوع إلى تفسير العلامة الطباطبائي في [الميزان] نجد أن الآية تُقرأ في ضوء ما جاء في سورة النساء:
*﷽*﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ... وَ `رَاعِنَا` لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾
[النساء: 46]

فالمشكلة ليست أن المسلمين قصدوا الإساءة بقولهم «راعنا»، وإنما أن اللفظ كان مستغلًا من قبل آخرين في وجه من وجوه التلاعب والسب والطعن.
ومن هنا كان النهي عنه، مع إرشاد المسلمين إلى البديل:
«﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾»

وهذا مهم جدًا؛ لأن القرآن لا يطالب المؤمنين بمجرد حسن النية، بل يعلّمهم أيضًا حسن الاختيار.
أي أن المسلم لا يسأل نفسه فقط:
ماذا أريد أن أقول؟
بل ينبغي أن يسأل:
ما اللفظ الذي ينبغي أن أستعمله لأقول ذلك بأوضح وأقوم صورة؟

وماذا نجد في تفسير العامة؟

هذه الدلالة لا تنفرد بها قراءة تفسيرية واحدة.
فالطبري يذكر في تفسير الآية أن «راعنا» كانت تستعمل في معنى صحيح عند المسلمين، و أن اليهود كانوا يستعملونها على وجه آخر بقصد الأذى والاستهزاء، ولذلك جاء النهي عنها، و أُرشِد المسلمون إلى استعمال `«انظرنا»` بدلًا منها.
وتورد كتب تفسير العامة روايات متعددة في بيان هذا المعنى، مع اختلاف في بعض تفاصيل القصة، لكن الجامع بينها هو أن اللفظ كان بابًا للاستغلال والإساءة، فجاء القرآن ليغلق هذا الباب.

وهذا الاتفاق في أصل الدلالة مهم؛ لأنه يجعل القضية التي نريد إبرازها أوسع من الخلاف في بعض التفاصيل:
«إذا أصبح لفظ معين قابلًا لأن يُستغَل في الطعن بالدين أو الإساءة إلى مقام النبوة، وكان هناك بديل واضح يؤدي المعنى نفسه، فإن ترك اللفظ الملتبس واختيار البديل الأقوم من الحكمة.»

القرآن لايكتفي بالنهي،بل يقدّم البديل

وهنا ربما تكمن أجمل دلالة في الآية.
فالقرآن لم يقل:
*«لا تقولوا راعنا»*
ثم يترك المسلمين يبحثون عن البديل.
بل قال مباشرة:
*«﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾»*
أي إن معالجة الخطأ اللغوي ليست بالصمت فقط، وإنما بإيجاد التعبير الأفضل.

وهذه قاعدة شديدة الأهمية في الإعلام الإسلامي.
فإذا اكتشفنا أن مصطلحًا ما أصبح ملتبسًا، أو أن عبارة معينة صارت تحمل إيحاءً سلبيًا، أو أن لفظًا يمكن اقتطاعه بسهولة وتحريف دلالته، فليس المطلوب أن نتخلى عن المعنى الذي نريد إيصاله.بل المطلوب أن نبحث عن:
البديل الأدق،
والأوضح،
والأقرب إلى المعنى المقصود.

وهنا يمكن أن نصوغ قاعدة عملية:
*«الإعلام الإسلامي الرشيد لا يكتفي بتجنب الكلمة الملتبسة؛ بل يبحث عن الكلمة البديلة التي تصون المعنى.»*

«ليًّا بألسنتهم وطعنًا في الدين»

وتأتي سورة النساء لتكشف لنا الخلفية بصورة أكثر صراحة:
*﷽*﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ... لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾.

إنها صورة دقيقة للتلاعب باللغة:
تحريف للكلم،
و ليّ للألسنة،
ثم طعن في الدين.
وهذا يجعل الكلمة في القرآن أكثر من مجرد وعاء للمعنى؛ إنها قد تكون أداة لإظهار الحقيقة، وقد تصبح أداة لتحريفها.

ومن هنا يمكن فهم خطورة العبارة القابلة للتلاعب.
فإذا كان هناك من يتعمد اقتطاع الكلام أو تحريفه أو حمله على غير مراده، فإن من الحكمة أن يكون خطابنا أكثر دقة، وأن نقلل ـ ما أمكن ـ من المساحات التي تسمح بهذا التلاعب.

ولا يعني ذلك أن نعيش أسرى لاحتمالات التحريف، وإنما يعني أن الحكمة تقتضي اختيار الصياغة الأكثر إحكامًا عندما يكون البديل متاحًا.

من «قصد المتكلم» إلى «مآل الكلام»

وهنا نصل إلى لب القضية؛في التخاطب العادي قد يقول الإنسان:
«أنا لم أقصد الإساءة».
وقد يكون صادقًا.

لكن القرآن في قصة «راعنا» يعلّمنا أن سلامة القصد وحدها ليست نهاية المسؤولية.
فاللفظ نفسه قد يكون موضع استغلال.

ومن هنا يصبح لدينا مستويان:
⭕قصد المتكلم.
⭕ومآل الكلام.

والخطاب المسؤول هو الذي يجمع بينهما.

«ليس السؤال فقط: ماذا أردت أن أقول؟ بل أيضًا: ماذا يمكن أن يصنع ما قلت؟»
وهذه الجملة تختصر كثيرًا من مشكلة الإعلام المعاصر.

في الإعلام: الكلمة لا تبقى حيث قلتها

كان المسلم في الماضي يتحدث إلى جماعة محدودة في مجلس أو سوق أو مسجد.
أما اليوم فقد يخرج كلامه من هاتفه إلى العالم كله.
#قد يتحول إلى عنوان.
#وقد يُترجم.
#وقد يُقتطع منه سطر واحد.
#وقد تنتشر العبارة دون سياقها.
#وقد يصبح المقطع الذي استغرق دقائق، في التداول الرقمي، جملة واحدة لا تتجاوز ثواني.

ومن هنا فإن الإعلام الإسلامي بحاجة إلى درجة عالية من الوعي اللغوي.
فالكلمة التي تبدو عادية داخل بيئة إسلامية قد تحمل لدى جمهور آخر دلالة مختلفة.
????والمصطلح الذي له معنى شرعي دقيق قد يُفهم في لغة أخرى بمعنى مختلف.
والعبارة التي لا يلتبس معناها عند المتخصص قد تكون موهمة عند الجمهور العام.
وهذا لا يعني أن نتخلى عن المصطلحات الإسلامية الأصيلة، ولا أن نسمح للآخر بأن يفرض قاموسه علينا.
بل يعني:
«أن نعرف ألفاظنا، ونعرف كيف يمكن أن تُفهم، ونختار من بينها ـ عند الحاجة ـ ما يؤدي المعنى الإسلامي بدقة ووضوح.»

هل يعني هذا أن نخاف من كل كلمة؟
بالطبع لا.
فليس المقصود أن يصبح الإعلام الإسلامي مترددًا، ضعيفًا، خائفًا من كل تفسير محتمل.
كما أن القرآن لم يطلب من المسلمين أن يتنازلوا عن الحق لأن الآخرين قد يسيئون فهمه.
المطلوب شيء آخر:
#أن تكون اللغة قوية بقوة الحجة، لا بقوة الإساءة.
#وأن يكون الرد على الباطل بالبيان، لا بالفحش.
#وأن يكون الدفاع عن النبي وآلـﷺـه والدين قائمًا على الحجة والخلق، لا على تحويل الخطاب الإسلامي نفسه إلى قاموس من الشتائم.
فالإساءة إلى الآخر لا تجعل خطابنا أكثر إسلامية.
بل قد تمنح خصمنا مادة جاهزة ليقدم بها صورة مشوهة عن الإسلام.

«راعنا» درس قرآني يتجاوز زمانه

لا نريد أن ندعي أن آية «راعنا» نزلت من أجل الإعلام الحديث، فهذا تحميل للآية ما لا تحتمل.
لكننا نستطيع أن نستخرج منها مبدأً قرآنيًا:
إذا كان لفظ ما يؤدي معنى صحيحًا في الأصل، ثم أصبح قابلًا للاستغلال في الإساءة إلى الدين، وكان هناك لفظ آخر يؤدي المقصود بوضوح أكبر، فإن اختيار البديل الأقوم يدخل في الحكمة وحسن الخطاب.

وهذا المبدأ صالح للتأمل في كل عصر.
وفي عصر الإعلام المفتوح، حيث يمكن أن تتحول كلمة واحدة إلى عنوان عالمي، يصبح هذا الدرس أكثر حضورًا.
فالإعلام الإسلامي لا ينبغي أن يسأل فقط:
هل هذه الكلمة جائزة؟
بل يسأل أيضًا:
هل هذه الكلمة دقيقة؟
هل هي أوضح من غيرها؟
هل تحمل معنى قد يُفهم على غير مرادنا؟
وهل يوجد بديل يؤدي المعنى بصورة أكثر إحكامًا؟
إذا كان البديل موجودًا، فلماذا لا نختاره؟
أليس ذلك أقرب إلى قوله تعالى:
«﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾؟»

????من «راعنا» إلى ميثاق الكلمة

????وهكذا لا تبدو قصة «راعنا» حادثة تاريخية منفصلة، وإنما تصبح مثالًا قرآنيًا على مبدأ أوسع:
????الكلمة أمانة.
????والخطاب الديني مسؤولية.
????وحسن النية لا يغني عن حسن التعبير.
????وصحة المعلومة لا تعفي من دقة الصياغة.
????وقوة القضية لا تبرر ضعف اللغة.
????والرد على الإساءة لا يبرر الفحش.
????والبديل الأفضل، حين يكون متاحًا، أولى من العبارة الملتبسة.

????ولعل العبارة الجامعة لهذا كله هي:
«ليس مطلوبًا من الخطاب الإسلامي أن يغيّر الحقيقة إرضاءً للآخر، وإنما المطلوب أن يقدم الحقيقة بأفضل لغة تحفظ معناها، وتوضح مقصودها، وتقلل إمكان تحريفها أو اقتطاعها أو إساءة توظيفها.»

????وهنا تكتمل الدائرة:
بدأنا في الحلقة الأولى بـ:
*﷽*«﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾»
ووصلنا في هذه الحلقة إلى:
«﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾»
????لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو:
????كيف نترجم هذا الأدب القرآني إلى معايير عملية للإعلام الإسلامي في عصرنا؟
????هل يكفي أن تكون الأخبار صحيحة؟
????كيف نتعامل مع العناوين المثيرة؟
????ماذا عن الكلمات الجارحة والسباب؟
????كيف نواجه الإسلاموفوبيا دون أن نستعير لغتها؟
????ومتى يكون استخدام مصطلح صحيح شرعًا غير موفق إعلاميًا؟
????وكيف يمكن أن نضع ميثاقًا قرآنيًا للكلمة الإعلامية يجمع بين الحق والدقة والحكمة وحسن المآل؟

????ذلك هو موضوع الحلقة الثالثة:
من «راعنا» إلى الإعلام الإسلامي... ميثاق الكلمة
♻️يتبع

د.رعدهادي جبارة
 الأمين العام للمجمع
 القرآني الدولي

اليوم, 10:17
عودة