"Today News": متابعة
بدأ العراق، أمس، تطبيق العقوبات الأميركية الجديدة على قطاع الطيران الإيراني، في خطوة تضعه أمام اختبار جديد في طريق موازنة علاقاته مع الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وبينما تدافع مصادر عراقية مطّلعة عن الإجراءات التي اتخذتها بغداد، خشية التعرّض لعقوبات ثانوية أميركية، يرفض سياسيون عراقيون القرار، معتبرين أنه يحمّل البلاد كلفة سياسية واقتصادية، بدأت بوادرها بالظهور لدى شركات السفر والمسافرين، ولا سيما على خط بغداد – طهران.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد فرضت، في 8 أيلول الجاري، عقوبات على 27 شركة طيران إيرانية، ضمن حملة تستهدف عزل قطاع الطيران الإيراني عن النظام المالي العالمي. وحذّرت الوزارة الجهات التي تقدّم خدمات التزوّد بالوقود أو المناولة أو المبيعات لتلك الشركات من التعرّض للعقوبات، ما دفع عدداً من الدول إلى إعادة النظر في استقبال الطائرات الإيرانية.
وبحسب تقرير لصحيفة "الأخبار" اللبنانية، شدّدت السلطات إجراءاتها في مطار بغداد الدولي، ومنعت استقبال الطائرات الإيرانية، التي هبطت آخرها في المطار قبل يومين من بدء تنفيذ القيود، في وقت تجري فيه مساعٍ لتحويل بعض الرحلات إلى مطار النجف، الذي لم يذكره البيان الرسمي العراقي، فيما يظل وضعه مرتبطاً بمدى استمرار القيود الأميركية واتساعها.
ويقول رئيس مجلس محافظة النجف، حسين العيساوي، إن المحافظة "لم تُبلّغ رسمياً من الحكومة الاتحادية" بقرار منع الطيران الإيراني في المطار، مستدركاً بأن الحكومة المحلية اتخذت إجراءات تحسّباً لتداعيات الحظر.
ويشير العيساوي إلى أن المعلومات المتوافرة تتحدث عن تحويل المسافرين من بغداد إلى النجف، مضيفاً أن المحافظة "مستعدة بشكل كامل" لاستيعاب أي زيادة محتملة في أعداد المسافرين.
وسبق أن تحدثت مصادر رسمية عراقية عن أن شركات المناولة والخدمات الأرضية، وهي شركات خاصة متعاقدة مع الناقلات الإيرانية، امتنعت عن تقديم خدماتها خشية العقوبات الأميركية.
وتكشف حركة السفر بين البلدين حجم التداعيات المحتملة للقرار العراقي؛ فوفق وزير التراث الثقافي والسياحة الإيراني، رضا صالحي أميري، يزور نحو 3.6 ملايين عراقي الجمهورية الإسلامية الإيرانية سنوياً، فيما يسافر عدد مماثل تقريباً من الإيرانيين إلى العراق، من دون احتساب حركة زوار الأربعين.
كما تشير بيانات قطاع الطيران إلى أن النجف كانت من أبرز الوجهات الدولية للرحلات المغادرة من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بنحو 11 ألف مقعد أسبوعياً في آب الماضي، وهو ما يعكس مركزية الخط الجوي بين البلدين.
لكن الأثر المباشر لا يقتصر على شركات الطيران، إذ بدأت مكاتب السفر العراقية، التي تعتمد نسبة كبيرة منها، في النجف تحديداً، على حجوزات الرحلات إلى المدن الإيرانية، بإلغاء حجوزات أو استبدال الرحلات الجوية بالنقل البري.
إلا أن الرحلة البرية للوصول إلى قم، مثلاً، تمتد لأكثر من 12 ساعة، الأمر الذي يضاعف الكلفة والوقت، ويصعّب سفر المرضى وكبار السن. كما أن الخط البري لا يمكنه أن يعوّض بالكامل قدرة النقل الجوي على استيعاب الأعداد الكبيرة من المسافرين.
وإلى جانب شركات السفر، تنضم إلى قائمة الخسائر المتوقعة الفنادق ووسائل النقل والمطاعم والقطاع الصحي، فضلاً عن نفقات الزوار.
ويعتقد النائب مقداد الخفاجي أن القرار جاء نتيجة "ضغوط أميركية"، معتبراً أن الموافقة عليه تمت "من دون أسئلة أو مفاوضات مع الولايات المتحدة".
ويشير الخفاجي إلى أن قطع الرحلات "سيؤثر سلباً على حياة المواطنين"، ولا سيما في ظل كثافة الرحلات المتبادلة وحركة الزوار والمصالح الاقتصادية بين البلدين.
في المقابل، يرى الباحث في الشأن السياسي، نجم القصاب، أن بغداد تتعامل مع الملف من زاوية تجنّب أزمة أوسع مع واشنطن، معتبراً أن الالتزام بالعقوبات يأتي في إطار "الحفاظ على استقرار العراق"، ولا سيما في ظل المصالح العراقية الواسعة مع الولايات المتحدة.
وبحسب القصاب، فإن الحكومة العراقية لا تريد الدخول في مواجهة جديدة، وإن عدم الالتزام بالعقوبات قد يعرّضها لإجراءات أميركية لا يحتملها الاقتصاد.
وعلى أي حال، يبدو الحظر حلقة جديدة في سلسلة الضغط الأميركي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يجد العراق نفسه، مرة أخرى، مضطراً إلى التعامل معها، من دون قطع شبكة المصالح الاقتصادية والدينية والسياحية الواسعة التي تشكّلت بينه وبين الجمهورية الإسلامية الإيرانية على مرّ السنوات الماضية.