الرئيسية / بعد خروج القوات الأميركية .. السيادة العراقية من منظور الفلسفة الحضارية

بعد خروج القوات الأميركية .. السيادة العراقية من منظور الفلسفة الحضارية

"Today News": بغداد 

يستعد العراق لإغلاق صفحة تاريخية ثقيلة امتدت، بصور مختلفة، منذ عام 2003. فالقوات الأميركية تستكمل انسحابها من آخر قواعدها في العراق مع نهاية أيلول/سبتمبر 2026، بعد اتفاق كان قد أُبرم عام 2024، وفي الوقت نفسه اتفق العراق وتركيا على النقل التدريجي لمعسكر بعشيقة ـ زليكان إلى الحكومة العراقية. هذان التطوران يعيدان إلى الواجهة واحدة من أهم قضايا بناء الدولة العراقية: السيادة. (Reuters)
لكن السؤال الذي ينبغي طرحه لا يتوقف عند خروج القوات الأجنبية: هل يصبح العراق، بمجرد خروجها، دولة مكتملة السيادة؟
من منظور الفلسفة الحضارية، لا تكفي الإجابة القانونية أو الجغرافية عن هذا السؤال. فوجود دولة معترف بها دوليًا، لها حدود وعلم وحكومة ومقعد في الأمم المتحدة، يمثل جانبًا من السيادة، لكنه لا يستنفد معناها الحضاري. السيادة، في معناها الأعمق، هي قدرة الدولة على أن تكون صاحبة القرار الأعلى والنافذ في المجال الذي تديره، وأن تمتلك المؤسسات والقوة والمعرفة والموارد التي تمكّنها من تحويل هذا القرار إلى واقع.
ومن هنا يمكن التمييز بين مستويين للسيادة: السيادة السلبية والسيادة الإيجابية.
السيادة السلبية تعني تحرير المجال الوطني من سلطة عسكرية أجنبية لا تخضع للدولة. ومن هذه الزاوية، فإن خروج القوات الأميركية، وكذلك الاتفاق على تسليم معسكر بعشيقة، يمثلان خطوات مهمة في استعادة السيادة العراقية. وليس من المنطقي المطالبة بسيادة الدولة ثم التقليل من أهمية زوال وجود عسكري أجنبي كان موضع خلاف سياسي وقانوني داخل البلاد.
لكن السيادة الإيجابية تبدأ بعد ذلك، وربما تكون أصعب بكثير.
فالسؤال ليس فقط: من خرج من العراق؟ بل أيضًا: من يملك القرار داخل العراق بعد خروجه؟
إذا غادرت القوات الأجنبية، بينما بقي السلاح موزعًا بين الدولة وقوى أخرى، وبقيت قرارات الحرب والسلم قابلة للتأثر بإرادات تقع خارج المؤسسات الدستورية، وبقيت الحدود أو أجزاء من المجال الأمني خارج السيطرة الكاملة للدولة، فإن السيادة تكون قد قطعت خطوة مهمة، لكنها لم تكتمل.
وهنا تظهر المفارقة العراقية بوضوح. فبعض الاطراف تنظر إلى الانسحاب الأميركي بوصفه انتصارًا لها، بينما يحذر اخرون من مخاطر أمنية محتملة بعد انتهاء وجود التحالف، بما فيها نشاط خلايا داعش واحتمال حدوث فراغات أمنية. وهذه المخاوف، بصرف النظر عن تقدير حجمها، تضع الدولة أمام الاختبار الحقيقي: هل تستطيع المؤسسات العراقية أن تملأ بنفسها المجال الذي تخليه القوات الأجنبية؟ (Reuters)
من منظور الفلسفة الحضارية، تكشف هذه المسألة الفرق بين الاستقلال والقدرة.
قد يكون البلد مستقلًا من الناحية القانونية، لكنه ضعيف القدرة. وقد يملك قراره نظريًا، لكنه لا يملك الوسائل الكافية لتنفيذه. والدولة الحضارية الحديثة لا تكتفي بإعلان السيادة؛ إنها تنتج القدرة التي تحمي السيادة.
وهنا يرتبط مفهوم السيادة بالمركب الحضاري نفسه: الإنسان، والأرض، والزمن، والعلم، والعمل، في إطار منظومة القيم العليا الحاكمة. فحماية الأرض تحتاج إلى إنسان مؤهل، والمؤسسة الأمنية تحتاج إلى العلم والمعلومات والتكنولوجيا، وإدارة المخاطر تحتاج إلى حسن استثمار الزمن، والقوة العسكرية تحتاج إلى اقتصاد قادر على تمويلها، وكل ذلك يحتاج إلى دولة مؤسسات لا إلى مراكز قوى متوازية.
ولهذا فإن احتكار الدولة للسلاح ليس شعارًا سياسيًا ولا مطلبًا موجّهًا ضد جماعة بعينها. إنه نتيجة منطقية لمفهوم الدولة نفسه. فإذا تعددت الجهات التي تمتلك القدرة المنظمة على استخدام القوة خارج القرار الدستوري، تعددت معها مراكز السيادة.
والأمر نفسه ينطبق على العلاقات الخارجية. فاكتمال السيادة لا يعني استبدال النفوذ الأميركي بالنفوذ الإيراني، ولا النفوذ الإيراني بالنفوذ التركي، ولا الانتقال من محور خارجي إلى محور خارجي آخر. السيادة الحقيقية تعني أن تكون علاقة العراق بالولايات المتحدة وإيران وتركيا والسعودية وسائر الدول محكومة بمصلحة العراق التي تحددها مؤسساته الشرعية، لا بأن يتحول العراق إلى مساحة تتنافس فيها إرادات الآخرين.
بل إن الاستقلال الحضاري لا يعني العزلة. تستطيع الدولة ذات السيادة أن تتحالف، وأن تستعين بخبرات الآخرين، وأن تعقد الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية، وأن تدخل في شراكات استراتيجية واسعة. الفرق الجوهري هو أن تفعل ذلك بقرارها ولخدمة قدرتها، لا تعويضًا عن غياب قدرتها.
ولهذا فإن يوم خروج آخر جندي أميركي لا ينبغي أن يكون نهاية قصة السيادة العراقية، بل بداية مرحلتها الأصعب.
فالمرحلة السابقة كان السؤال فيها: متى تخرج القوات الأجنبية؟
أما المرحلة الجديدة فينبغي أن يكون السؤال فيها: ماذا سيفعل العراقيون بالمجال السيادي الذي أصبح في أيديهم؟
وهنا يصبح على الدولة أن تثبت قدرتها على حماية الحدود، وملاحقة الإرهاب، وضبط السلاح، ومنع استخدام الأراضي العراقية في صراعات الآخرين، وبناء أجهزة أمنية محترفة، وإقامة علاقات خارجية متوازنة، وضمان خضوع القوة المسلحة كلها لقرار الدولة.
وعندئذ فقط يمكن الانتقال من سيادة الأرض إلى سيادة الدولة، ومن السيادة القانونية إلى السيادة الحضارية.
إن خروج القوات الأجنبية حدث مهم في تاريخ العراق الحديث، لكنه لا يمنح العراق تلقائيًا دولة مكتملة السيادة. الذي يفعل ذلك هو بناء دولة تمتلك القدرة على إدارة نفسها وحماية مجتمعها وأرضها وقرارها.
وفي المعادلة الحضارية يمكن صياغة الأمر على النحو الآتي:
السيادة ليست غياب قوة الآخرين فقط، بل حضور قدرة الدولة.
وهذا هو الامتحان الذي يبدأ للعراق الآن.
اليوم, 11:06
عودة