"Today News": متابعة
كشف تقرير تحليلي نشرته صحيفة "تلغراف" اللندنية في عددها الصادر اليوم الخميس 1 تشرين الأول/أكتوبر 2026، عن تراجع الخيارات المتاحة أمام طهران في ظل استمرار الحصار البحري الشامل الذي تفرضه البحرية الأمريكية على موانئها، ونجاح واشنطن في كسر قبضتها على مضيق هرمز وإعادة فتحه أمام حركة الملاحة الدولية وتدفق النفط.
وأوضح التحليل، الذي كتبه ديفيد بلير، كبير المعلقين للشؤون الخارجية في الصحيفة اللندنية، أن ناقلات النفط عادت للإبحار مجدداً عبر مضيق هرمز بالوتيرة السابقة نفسها، محملة بكميات تقارب ما كانت تنقله قبل اندلاع العمليات العسكرية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران.
أرقام التعافي وتدفق النفط
تظهر البيانات المستقلة أن الولايات المتحدة نجحت، على الأقل في الوقت الراهن، في إنهاء المحاولات الإيرانية لتعطيل هذا الممر المائي الاستراتيجي. ووفقاً لبيانات شركة "كبلر" المتخصصة في تتبع حركة الملاحة والشحن البحري، بلغ متوسط تدفق النفط عبر المضيق 13.5 مليون برميل يومياً خلال الأسبوع المنصرم، وهو ما يطابق المعدلات المسجلة قبل الحرب.
وفي السياق ذاته، تمكنت المملكة العربية السعودية من إصلاح خط الأنابيب (شرق - غرب) الذي يربط حقولها النفطية الرئيسية بالبحر الأحمر، عقب تعرضه لهجوم بطائرات مسيرة انطلقت من العراق في ليلة العاشر من أيلول/سبتمبر المنصرم ونفذتها فصائل موالية لطهران.
ونتيجة لتلك التطورات، ارتفع إجمالي صادرات النفط من منطقة الشرق الأوسط عبر المسارات كافة إلى 20.5 مليون برميل يومياً، ما يعادل 89% من مستويات عام 2025؛ وهي أرقام وصفها محللون في بنك "جي بي مورغان" بأنها تمثل "تعافياً لافتاً لمنطقة لا تزال تشهد نزاعاً عسكرياً".
شلل تام في الصادرات الإيرانية
في المقابل، تجد إيران نفسها في عزلة بحرية واقتصادية كاملة؛ حيث تعجز عن تحميل ناقلة واحدة أو تصدير برميل نفط بحراً جراء الطوق الشامل الذي تفرضه السفن الحربية الأمريكية على موانئها. وتسبب هذا الحصار في تراجع العائدات النفطية لطهران نحو نقطة الصفر، في وقت أخفقت فيه محاولاتها الرامية إلى شل صادرات الطاقة من بقية دول المنطقة للرد على الضغوط المتصاعدة.
ويضع هذا الواقع القيادة الإيرانية تحت وطأة ضغوط غير مسبوقة منذ اندلاع المواجهة في 28 شباط/فبراير الماضي، حين شنت واشنطن وتل أبيب ضربة مشتركة أودت بالمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي. ورغم أن طهران تمكنت في الأسابيع الأولى للمواجهة من فرض إغلاق مؤقت للمضيق أمام حركة الشحن مع استمرارها في تصدير 1.8 مليون برميل يومياً من نفطها، مستغلة في حينه النقص في الحشود البحرية الأمريكية، إلا أن واشنطن سرعان ما عدلت استراتيجيتها وحشدت قوة نارية غير اعتيادية في مياه المنطقة.
حضور عسكري أمريكي مكثف
دفع البنتاغون بنحو 20% من إجمالي الأسطول البحري الأمريكي إلى المنطقة، تقوده حاملتا طائرات تعملان بالدفع النووي هما "يو إس إس جورج واشنطن" و"يو إس إس جورج إتش دبليو بوش"، إلى جانب نحو 12 مدمرة صواريخ موجهة. ومكنت هذه القوة الضاربة الإدارة الأمريكية من قلب المعادلة، حيث فتحت المضيق أمام ناقلات دول المنطقة تحت حماية عسكرية مشددة، وفرضت في الوقت عينه إغلاقاً محكماً على موانئ إيران التي تقف اليوم عاجزة عن تسويق طاقتها.
ورغم هذا التفوق العسكري، يشير تقرير "تلغراف" إلى أن إعادة حركة الملاحة لا تنفي حقيقة أن الحشود العسكرية الهائلة لم تفعل سوى إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الصراع؛ إذ يرى التحليل أن فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني كان ممكناً دون خوض هذه الحرب، لا سيما وأن تدمير المنشآت النووية الرئيسية كان قد أُنجز بالفعل خلال الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي في حزيران/يونيو من العام الماضي.
أعباء الاستنزاف وسيناريوهات التصعيد
تفرض هذه العملية المزدوجة – المتمثلة في حماية الممر المائي وحصار إيران – ضغوطاً متزايدة على جاهزية الأسطول الأمريكي؛ إذ إن إبقاء مجموعتين قتاليتين متمركزتين في مياه الخليج يحد من مرونة واشنطن العسكرية وانتشارها في بقية أنحاء العالم، وهو ما قد تعول عليه طهران على أمل الصمود وتحمل نزيف الخسائر المالية إلى حين تراجع الوجود الأمريكي.
ومع تعثر محاولاتها السابقة لفك الحصار عبر استهداف البنية التحتية، لا يستبعد مراقبون لجوء طهران إلى خيارات تصعيدية أكثر حدة، من بينها استخدام ترسانتها من الصواريخ الباليستية لضرب المنشآت النفطية في دول الخليج. غير أن إحجامها الأخير عن إطلاق موجات جديدة يشير إما إلى تراجع مخزوناتها وقدراتها الصاروخية، أو إلى خضوعها لحسابات الردع خوفاً من رد أمريكي أكثر شراسة، أو الأمرين معاً.
ويخلص التقرير إلى أنه في حال حافظت البحرية الأمريكية على انتشارها الراهن، فإن طهران ستجد نفسها مجبرة في نهاية المطاف على القبول بتسوية سياسية بشروط أقسى بكثير من "مذكرة التفاهم" التي أنهت الجولة الأولى من الحرب بصورة مؤقتة في حزيران/يونيو الماضي، نظراً لاستحالة استمرارها في تحمل شلل اقتصادي شامل بينما تواصل جاراتها تصدير النفط بحرية وأمان.