"Today News": بغداد
إذا أردنا فهم الكوفة، فعلينا ألا ننظر إليها باعتبارها مجرد مدينة ظهرت على مسار التاريخ كأي مدينة أخرى ، وإنما باعتبارها اجتماعاً سياسياً جديداً تشكل في ظروف استثنائية. فقد اجتمعت فيها قبائل وجماعات ذات أصول وانتماءات مختلفة، وتداخلت فيها تقاليد البداوة مع متطلبات المدينة، والولاءات القبلية مع الولاءات السياسية والعقدية، والمصلحة المباشرة مع التصورات الكبرى عن العدالة والشرعية.
هذه التركيبة أنتجت مجتمعاً شديد الحيوية، لكنه كان في الوقت نفسه شديد القابلية للانقسام.
فالقبيلة لم تكن مجرد رابطة اجتماعية، بل كانت وحدة قوة ومصلحة وحماية وتأثير. وعندما دخلت القبائل إلى المجال السياسي، لم تعد المنافسة على السلطة مجرد منافسة بين أفراد، وإنما أصبحت منافسة بين شبكات من الولاءات والمصالح. ومن هنا يمكن فهم جانب من ظاهرة «الزعاماتية» التي ستصبح لاحقاً واحدة من السمات المتكررة في التاريخ السياسي العراقي.
في الكوفة أيضاً تداخل الديني والسياسي بصورة مبكرة. فقد تحولت بعض الأفكار العقدية إلى مواقف سياسية، وتحولت الخلافات حول الشرعية والحق والعدل إلى صراعات على السلطة. وبذلك أصبح الخلاف السياسي في بعض مراحله خلافاً على معنى الشرعية نفسها، وليس مجرد خلاف حول من يحكم.
وهذا ما جعل البيئة الكوفية تنتج تيارات متعددة: تيارات مثالية تبحث عن النموذج العادل، وأخرى أكثر واقعية تتعامل مع موازين القوة، وأخرى تتجاوز حدود الواقع باتجاه تصورات طوباوية أو شديدة المثالية. ولم تكن المشكلة في وجود هذه التيارات، فالتعدد الفكري ظاهرة صحية في ذاته، وإنما في تحول الاختلاف الفكري إلى انقسامات سياسية واجتماعية يصعب احتواؤها.
كما أن الكوفة حملت في داخلها تجربة سياسية شديدة القسوة: صراعات، انتصارات وهزائم، ثورات، قمع، وتضحيات بشرية كبيرة. هذه مسألة بالغة الأهمية في فهم الاجتماع السياسي: العلاقة بين التضحية والنتيجة.
فالمجتمعات التي تعيش زمناً طويلاً في ظل الصراع ، قد تطور وعياً سياسياً تصبح فيه التضحية قيمة قائمة بذاتها، بينما تصبح القدرة على الاعتراف بالخسارة أو التسوية أو قبول حدود الممكن السياسي أكثر صعوبة.
لكن هذه الخبرات لا تختفي بانتهاء الحدث. وهنا يمكن أن نستفيد من ثلاثة مفاهيم متجاورة، وإن كانت مختلفة في طبيعتها وتفسيرها: «اللاشعور الجمعي» عند كارل يونغ، عالم النفس السويسري الشهير ( 1875-1961 )و«الهابيتوس» عند عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو (1930-2002 ) الذي تحدثنا عنه في مقالات سابقة ، و«الذاكرة الجمعية» في علم الاجتماع ودراسات الذاكرة.
فكارل يونغ، من خلال مفهوم «اللاشعور الجمعي»، افترض وجود طبقة عميقة داخل النفس الإنسانية تتجاوز التجربة الفردية وتحمل أنماطاً وصوراً رمزية مشتركة. ولا ينبغي إسقاط هذا المفهوم بصورة مباشرة على المجتمع العراقي أو اعتباره تفسيراً جاهزاً لسلوكه السياسي، لكنه يتيح لنا التفكير في الطريقة التي يمكن لبعض الرموز والصور التاريخية العميقة ، أن تظل حاضرة في الوعي الثقافي، وأن تعود إلى الظهور في لحظات الأزمات والصراع.
أما الهابيتوس عند بورديو فيذهب إلى اتجاه مختلف؛ فهو لا يتحدث عن بنية نفسية موروثة، وإنما عن استعدادات تتشكل اجتماعياً عبر التنشئة والتجربة والممارسة والتاريخ، ثم تتحول إلى طرائق شبه تلقائية في إدراك العالم والحكم على الأشياء والتصرف تجاهها. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى بعض أنماط التفكير السياسي والاجتماعي بوصفها مكتسبة ومتراكمة وليست مجرد اختيارات فردية واعية.
أما الذاكرة الجمعية، فتساعدنا على فهم الكيفية التي تحتفظ بها الجماعة بخبراتها الكبرى ورموزها وصراعاتها ومآسيها، ثم تعيد استحضارها في الحاضر. فالحدث التاريخي لا يبقى بالضرورة حدثاً ماضياً، فقد يتحول إلى رمز، والرمز إلى ذاكرة، والذاكرة إلى جزء من الهوية، ثم تصبح الهوية إطاراً يفسر الحاضر.
وهنا تصبح الكوفة مهمة بالنسبة إلى بحثنا؛ لأن بعض أحداثها لم تبق في حدود التاريخ، وإنما تحولت إلى ذاكرة دينية ورمزية عميقة، واستمرت في تشكيل المخيال الاجتماعي والسياسي لجماعات واسعة عبر قرون طويلة.
لا ينبغي أن نسأل : ماذا حدث في الكوفة؟فالتاريخ يعج بالاحداث الجسام التي شكلت مسارا من صراع الافكار والقيم والجماعات والاحزاب والزعامات وربما الاقوام ايضا.
بل علينا أن نسأل أيضاً: ماذا بقي من الكوفة في الذاكرة؟ وكيف أعيد تفسير ما حدث فيها؟ وكيف تحولت بعض الشخصيات والأحداث والتضحيات والانقسامات إلى رموز تستعاد في أزمنة مختلفة؟ وهل يمكن أن تؤثر هذه الذاكرة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى السلطة والعدالة والزعامة والصراع والتضحية؟
إننا هنا لا نفترض وجود خط مستقيم يصل الكوفة بالعراق المعاصر، وإنما نبحث عن سلسلة أكثر تعقيداً: تجربة تاريخية تنتج رموزاً وذاكرة، والذاكرة تدخل في الثقافة، والثقافة تتفاعل مع التنشئة الاجتماعية، والتنشئة تنتج استعدادات ذهنية وسلوكية، ثم يمكن لهذه الاستعدادات أن تظهر في السياسة عندما تتوافر الظروف الملائمة.
ومن هذه الزاوية يصبح «الحفر المعرفي» محاولة لفهم العلاقة بين التاريخ والذاكرة والهابيتوس والسلوك السياسي، من دون الوقوع في الحتمية التاريخية.
فالمجتمع الكوفي لم يكن مجتمعاً فوضوياً بالمعنى البسيط، بل كان مجتمعاً شديد السياسة وشديد الحساسية . مشكلته لم تكن غياب الرغبة في المشاركة أو انعدام الاهتمام بالشأن العام،او تعرض لضغوط واضطهادات ، وإنما صعوبة تحويل هذه الطاقة السياسية والاجتماعية إلى مؤسسات مستقرة قادرة على إدارة الاختلاف وتحديد الاولويات والعمل بالممكنات والتطلع الى المستقبل برؤية واقعية أو عقلانية .
تكمن أهمية النموذج الكوفي بالنسبة إلينا: ليس لأنه يمثل العراق كله، وإنما لأنه يكشف مبكراً عن مشكلة ستظل حاضرة في تاريخ العراق بدرجات مختلفة، وهي الفجوة بين قوة المجتمع السياسي من جهة، وقدرة الدولة والمؤسسة على تنظيم هذه القوة من جهة أخرى.