الرئيسية / الحوراء زينب الكبرى دافعت عن العقيدة ببصيرة، وصبر قل نظيره

الحوراء زينب الكبرى دافعت عن العقيدة ببصيرة، وصبر قل نظيره

"Today News": بغداد 

بسم الله الرحمن الرحيم
لم يكن ميلاد السيدة زينب بنت الامام علي (عليهما السلام) في الخامس من جمادى الأولى في السنة الخامسة للهجرة- تشرين الأول عام 626م ، حدثًا عابرًا في صفحات التاريخ، بل كان ميلادًا لشخصية استثنائية حملت في روحها نور النبوّة، وفي عقلها حكمة الإمامة، وفي قلبها قوة الإيمان، لتغدو فيما بعد صوتًا مدويًا في وجه الظلم والطغيان، ورايةً لا تنحني أمام الجور والظلم والمحن والابتلاءات.
أولًا: زينب (ع) ابنة بيت النبوّة ومدرسة العلم والبصيرة
نشأت السيدة زينب (ع) في أحضان أسرةٍ اصطفاها الله بالعلم والطهارة والإيمان؛ فنهلت من أبيها الإمام علي (عليه السلام) الحكمة والشجاعة، ومن أمها السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) العفّة والصبر والثبات، وتعلّمت من أخويها الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) معاني التضحية والإيثار والوفاء للمبدأ.فكانت مثالًا للمرأة الواعية التي تجمع بين العلم والعمل، وبين العبادة والمسؤولية، وبين رقة القلب وصلابة الموقف، وأثبتت أن المرأة قادرة على أداء دور رسالي عظيم في بناء المجتمع وصيانة القيم الإنسانية والإسلامية.
ثانيًا: زينب (ع) عنوان العبادة والتقوى:
لم تكن عظمة السيدة زينب (عليها السلام) في مواقفها التاريخية وحدها، بل تجلّت أيضًا في إيمانها العميق وارتباطها بالله تعالى، فقد عُرفت بالعبادة والزهد والورع، وظلّت متمسكةً بحبل الله حتى في أشدّ لحظات الألم والمحنة.
وكانت عبادتها تعبيرًا عن يقينٍ راسخ بأن النصر الحقيقي لا يتحقق بالقوة المادية وحدها، بل بالإيمان والثبات والتمسك بالمبادئ. ولذلك أصبحت سيرتها درسًا خالدًا في الصبر الجميل، والتوكل على الله، ومواجهة الشدائد بقلبٍ مطمئن وإرادةٍ لا تلين.
ثالثًا: كربلاء.. الموقف الذي أظهر عظمة زينب (ع):
حين وقعت فاجعة كربلاء سنة 61 للهجرة، واجهت السيدة زينب (عليها السلام) إحدى أعظم المحن في تاريخ أهل البيت (عليهم السلام). فقد شهدت استشهاد أخيها الإمام الحسين (عليه السلام)، وأخيها العباس بن علي (عليه السلام) واخوته، وولداها محمد وعون، ونخبةٍ من أهل بيته وأصحابه، ورأت بأمّ عينيها ما حلّ بالخيام والنساء والأطفال من خوفٍ وعطشٍ وألم.
كان عمرها سنة 61 هجرية 56 عاما عند شهادة الامام الحسين (ع)، وتوفيت في 15 رجب عام 62 هـ وعمرها 57 عاما.
ومع عِظم المصاب، لم تستسلم للانكسار، ولم تسمح للحزن أن يعطّل مسؤوليتها، بل وقفت شامخةً لتحتضن الأطفال، وتواسي النساء، وترعى الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) في مرضه، وتحافظ على تماسك قافلة أهل البيت في أحلك الظروف حيث قطعت اكثر من الفي كيلومتر عند الذهاب إلى الشام والرجوع إلى كربلاء ثم إلى المدينة المنورة.
لقد تحوّلت زينب (ع) في كربلاء إلى رمزٍ للصبر الواعي، الذي لا يعني الاستسلام للواقع، بل يعني الثبات على الحقّ ومواصلة الطريق مهما بلغت التضحيات.
رابعًا: زينب (ع) صوت الحقّ في مواجهة الطغيان:
لم تنتهِ رسالة السيدة زينب (ع) بانتهاء معركة كربلاء، بل بدأت مرحلةٌ جديدة من مسؤوليتها التاريخية، تمثّلت في كشف حقيقة ما جرى، وفضح الظلم، والدفاع عن رسالة الإمام الحسين (ع).
ففي الكوفة والشام، وقفت ببسالة وثبات أمام السلطة الأموية، وأطلقت كلماتها التي كشفت زيف الانتصار الموهوم للطاغية الأموي، وأظهرت أن قتل الأجساد لا يستطيع قتل المبادئ، وأن إسكات الأصوات لا يعني طمس الحقيقة.
ومن كلماتها الخالدة في مواجهة يزيد بن معاوية:
( فَكِدْ كَيْدَكَ، وَاسْعَ سَعْيَكَ، وَنَاصِبْ جَهْدَكَ، فَوَاللهِ لا تَمْحُو ذِكْرَنَا، وَلا تُمِيتُ وَحْيَنَا).
لم تكن هذه الكلمات مجرّد خطابٍ تاريخي، بل كانت إعلانًا عن انتصار الكلمة الصادقة على سطوة السلطة الطاغية، وعن بقاء الحقّ حيًّا مهما حاول الظالمون إخفاءه.
لقد أثبتت السيدة زينب (ع) أن المواجهة لا تكون بالسيف وحده، بل تكون أيضًا بالوعي والحجة والموقف الشجاع، وأن للكلمة الصادقة قدرةً على زعزعة عروش الظالمين وإيقاظ ضمائر الشعوب.
خامسًا: زينب (عليها السلام) امتداد النهضة الحسينية:
كانت السيدة زينب (ع) شريكةً في حفظ رسالة النهضة الحسينية، إذ حملت أمانة الشهداء، وصانت مبادءهم، وأسهمت في نقل حقيقة كربلاء إلى الأمة، لتبقى تلك الواقعة شاهدًا على الصراع بين الحقّ والباطل. فالإمام الحسين (ع) جسّد التضحية في ميدان المواجهة، فيما جسّدت السيدة زينب (ع) استمرار الرسالة بالكلمة والصبر والموقف. وبذلك تكاملت أدوارهما في الدفاع عن العدالة والكرامة الإنسانية، ومقاومة الظلم والانحراف.
ومن هنا، لم تكن زينب (ع) مجرّد شاهدةٍ على الفاجعة، بل كانت حاملةً لرسالتها، وحارسةً لمعانيها، وصوتًا أبقى تضحيات الشهداء حيّةً في وجدان الأجيال.
سادسًا: رسالة زينب (عليها السلام) الى المرأة والإنسانية:
إن استذكار ولادة السيدة زينب الكبرى (عليها السلام) ليس مناسبةً للاحتفاء بماضٍ عظيم فحسب، بل هو فرصةٌ لتجديد العهد بالقيم التي جسّدتها في حياتها ومواقفها، فهي تعلّمنا أن الإيمان قوة، وأن العلم بصيرة، وأن الصبر موقف، وأن الدفاع عن المظلوم مسؤولية، وأن الكرامة الإنسانية لا يجوز أن تخضع للترهيب أو التضليل.
كما تقدّم للمرأة نموذجًا خالدًا يجمع بين العفّة والوعي، وبين الرحمة والقوة، وبين تحمّل المسؤولية والتمسك بالمبادئ. وتؤكد سيرتها أن المرأة ليست على هامش صناعة التاريخ، بل قد تكون في قلب أحداثه، حاملةً للرسالة ومدافعةً عن الحقيقة،حاضرةً لتذكّرنا بأن الوعي مسؤولية، وأن قول الحقّ يحتاج إلى شجاعة، وأن مقاومة الظلم تبدأ من رفض تزييف الحقيقة والتنازل عن المبادئ.
سابعا: سلامٌ على زينب يوم وُلدت.  في ذكرى ولادة السيدة زينب الكبرى (ع)، نستحضر سيرة امرأةٍ صنعت من الألم موقفًا، ومن المحنة رسالةً، ومن الصبر طريقًا إلى الخلود.
سلامٌ على عقيلة بني هاشم، وعلى صاحبة البصيرة والإيمان، وعلى المرأة التي أثبتت أن قوة الإنسان لا تُقاس بقدر ما يملك من سلطة، بل بقدر ما يحمل من حقّ، وما يمتلك من شجاعةٍ في الدفاع عنه.
كل عامٍ والأمة الإسلامية بألف خير، بمناسبة ولادة السيدة زينب الكبرى (ع)، سائلين العلي القدير أن يرزقنا الاقتداء بسيرتها، والثبات على نهجها، والتمسك بقيم الحقّ والعدل والكرامة.
             وليد الحلي
5 جمادى1- 117 تشرين1 2026
أمس, 23:35
عودة