"Today News": بغداد
لم تكن الكوفة وبغداد مجرد مدينتين في التاريخ العراقي، بل مثلتا بيئتين اجتماعيتين وثقافيتين أسهمتا، بدرجات متفاوتة، في تشكيل الوعي الجمعي والذاكرة السياسية وأنماط السلوك التي استمرت آثارها، بصور مختلفة، في التاريخ العراقي اللاحق. وإذا كانت الحلقات السابقة قد تناولت الظاهرة الكوفية وتأثيرها في الهابيتوس الشيعي وتكرار بعض أنماط السلوك السياسي والاجتماعي، فإن ذلك يستدعي التوقف عند بغداد كما طالب بذلك باحثون اعزاء ، بوصفها مركزاً حضارياً وفكرياً متعدد الثقافات والمذاهب، وطرح سؤال جوهري: لماذا لم يتحول إرثها الحضاري والتعددي إلى مرجعية مهيمنة في تشكيل العقل السياسي العراقي؟كونها تختلف نسبيا في تفاعلاتها وتقاليدها واثرها الحضاري عن الكوفة كما يُظن .
تأسست الكوفة في القرن السابع الميلادي، وسرعان ما أصبحت مركزاً للصراعات السياسية والانقسامات الاجتماعية والتنافس على السلطة والموارد والشرعية، كما تحولت لاحقاً إلى فضاء مهم في التاريخ الفكري والفقهي والتشيع الإسلامي. غير أن تأثيرها الأعمق لم يتوقف عند حدود الأحداث التي شهدتها، بل امتد إلى الذاكرة الجماعية، ولا سيما بعد ارتباطها الرمزي بواقعة كربلاء وما استقر حولها من معاني الوفاء والخذلان والتضحية والمظلومية. وبفعل الرواية الدينية والطقوس والشعائر وتكرار استدعاء الماضي، تحولت هذه الأحداث إلى مرجعيات أخلاقية قابلة للاستحضار في أزمات الحاضر، وأسهمت في إنتاج استعدادات ذهنية وسلوكية يمكن مقاربتها بمفهوم الهابيتوس عند بيير بورديو.ع
لكن بغداد تمثل تجربة مختلفة. فقد كانت عاصمة حضارية كبرى، ومركزاً للعلوم والفلسفة والآداب والترجمة، وفضاءً لتفاعل تقاليد دينية ومذهبية وثقافية متعددة. وعلى الرغم مما شهدته من صراعات واضطرابات، فإنها راكمت خبرة مدينية غنية بالتفاعل المعرفي وتعدد المصالح وأنماط العيش المشترك. ومع ذلك، لم تتحول هذه الخبرة إلى ثقافة سياسية مؤسسية راسخة تستطيع ضبط الصراع، وإدارة الاختلاف، وإخضاع السلطة لقواعد مستقرة.
وهنا تكمن المفارقة: إذا كانت بغداد أكثر قدرة على إنتاج الحضارة والمعرفة، فإن الكوفة امتلكت رموزاً تاريخية أكثر قابلية للتحول إلى ذاكرة سياسية وأخلاقية متوارثة. فالتجربة البغدادية، بتعدد روافدها وتناقضاتها، لم تنتج سردية سياسية واحدة، بينما أتاح ارتباط التجربة الكوفية بأحداث مفصلية بناء سرديات أخلاقية قابلة للتعبئة والاستدعاء عبر الأجيال.
ولا يعني ذلك أن الكوفة كانت دائماً بيئة للخذلان والانقسام، أو أن بغداد كانت نموذجاً متجانساً للتسامح والاستقرار؛ فتلك اختزالات لا تصمد أمام التاريخ. إنما يتعلق الأمر بالكيفية التي تنتقي بها الذاكرة الجماعية بعض الأحداث، وتعيد تفسيرها، ثم تحولها إلى رموز ومعايير للحكم على الحاضر. من ذلك يمكن تفسير الشعار الذي يستحضر الكوفة بوصفها رمزاً للتخلي عن النصرة، كما في العبارة المتداولة في الخطاب الإيراني: «نحن لسنا أهل الكوفة لنترك الإمام وحيداً». فالكوفة هنا ليست مدينة تاريخية بتعقيداتها، بل صورة رمزية تُستخدم لبناء هوية سياسية مضادة، قوامها إعلان الوفاء ونفي الخذلان.
لكن السؤال الأهم هو: لماذا لم تنتصر الثقافة المدينية التي يمكن استخلاصها من تجربة بغداد على أنماط التعبئة والانفعال والصراع؟ ربما لأن ازدهار المعرفة لا ينتج بالضرورة ثقافة سياسية حديثة، ولأن التعدد لا يتحول تلقائياً إلى تسامح مؤسسي، ولأن القيم المدنية لا تستقر في الوعي السياسي ما لم تحمها مؤسسات وقواعد تضمن الحقوق وتضبط التنافس. كما أن الانقطاعات السياسية المتعاقبة، وضعف استمرارية المؤسسات، وطبيعة الدولة العراقية الحديثة، أسهمت في إضعاف فرص تحول الإرث الحضاري إلى تقاليد سياسية مستقرة.
إن المطلوب ليس المفاضلة بين الكوفة وبغداد، ولا إدانة الأولى وتمجيد الثانية، أو العكس ،بل إعادة قراءة التجربتين لاستخلاص ما يعيننا على فهم العقل السياسي العراقي ونقده . فمن الكوفة نستطيع استلهام الالتزام الأخلاقي ومقاومة الظلم، من دون تحويل الوفاء إلى طاعة غير مشروطة أو التضحية إلى بديل عن التفكير في النتائج. ومن بغداد نستطيع استعادة قيمة المعرفة والتعدد والتفاعل والمصالح المشتركة، من دون افتراض أن الازدهار الحضاري يكفي لبناء دولة عادلة.
إن معضلة العراق ليست في ذاكرته التاريخية، بل في عجزه عن تحويل أفضل ما فيها إلى قواعد تحكم الحاضر. فبناء عقل سياسي جديد لا يتحقق بمحو الذاكرة، وإنما بتحريرها من الاستخدام التعبوي، وتغيير المؤسسات التي تعيد إنتاج أنماط السلوك القديمة، وصولاً إلى ثقافة سياسية تجعل المواطنة والمصلحة الوطنية وسيادة القانون أساس العلاقة بين المجتمع والدولة .