• بغداد
    +31...+34° C
  • الموصل https://www.booked.net/
    +23...+29° C
  • كربلاء https://www.booked.net/
    +32...+37° C

رجل السياسة في العراق .. أزمة التكوين ومعضلة الدولة

رجل السياسة في العراق .. أزمة التكوين ومعضلة الدولة

  • اليوم, 10:42
  • مقالات
  • 19 مشاهدة
ابراهيم العبادي

"Today News": بغداد 

من يتأمل مسار الحياة السياسية في العراق بعد عام 2003، يكتشف أن جوهر أزماتنا المتكررة لا يكمن فقط في الدساتير أو القوانين أو شكل النظام السياسي، بل في العنصر البشري الذي يتولى إدارة هذا النظام: رجل السياسة نفسه. فالمشكلة العراقية، قبل أن تكون مشكلة نصوص دستورية أو آليات انتخابية، هي بالأساس مشكلة تكوين معرفي وثقافي، انعكست بصورة مباشرة على فهم الدولة وممارستها.

رجل السياسة في العراق لم يتكوّن – في الغالب – داخل مؤسسات دولة مستقرة، ولم يمر بتجربة حزبية طبيعية كالتي عرفتها المجتمعات الديمقراطية. معظم الطبقة السياسية الحالية جاءت من خلفيات معارضة، أو من تجارب عمل سري، أو من مناخات صراع أيديولوجي حاد أو مكوناتي صارخ وصارت تتناسل هذه الخلفيات حتى في جيلها الثاني والثالث . ولذلك حملت معها إلى الدولة عقلية الجماعة لا عقلية المؤسسة، ومنطق الغنيمة لا منطق الخدمة العامة.

هذه الخلفيات تركت آثاراً عميقة في بنية الوعي السياسي. فالدولة في نظر كثير من الفاعلين السياسيين ليست إطاراً أعلى للجميع، بل ساحة تنافس بين مكونات وقوى. والسلطة ليست مسؤولية عامة، بل فرصة لإعادة توزيع الموارد والمواقع. وهكذا تحولت العملية السياسية إلى عملية تفاوض دائم على المكاسب، لا إلى تنافس على البرامج.

إن مشكلة التكوين المعرفي تظهر بوضوح في ثلاثة مستويات أساسية:

أولاً: ضعف الثقافة الدستورية.
كثير من السياسيين يتعاملون مع الدستور بوصفه وثيقة تفاوضية قابلة للتأويل المفتوح، لا باعتباره عقداً اجتماعياً ملزماً. لذلك نرى بعد كل انتخابات جدلاً طويلاً حول أبسط المسلّمات: من هي الكتلة الأكبر؟ ما حدود تصريف الأعمال؟ متى تُشكَّل الحكومة؟ أسئلة بديهية في الدول المستقرة، لكنها تتحول عندنا إلى أزمات وطنية.

ثانياً: غياب الفهم المؤسسي للدولة.
الدولة الحديثة تقوم على التخصص، وتراكم الخبرة، واحترام السياقات القانونية والإدارية. أما في التجربة العراقية، فكثيراً ما تُدار الوزارات بعقلية الحزب أو المكوّن أو الولاء الشخصي. فتتقدم الثقة على الكفاءة، ويُقدَّم الانتماء على الخبرة، وتتحول المؤسسات إلى امتدادات للقوى السياسية بدلاً من أن تكون كيانات مستقلة تخدم الجميع،لاحظ مثلا كيف تستقتل الجهات السياسية على الوزارات السمينة كالنفط والكهرباء والنقل للافادة من عقودها وتلزيماتها .

ثالثاً: محدودية الخبرة في إدارة الأزمات.
العمل السياسي في الديمقراطيات هو فن إدارة الخلاف، لكن رجل السياسة العراقي غالباً ما يتعامل مع الخلاف بوصفه صراعاً وجودياً. لذلك تطول مفاوضات تشكيل الحكومات، وتتعقد الحلول، وتُستنزف الدولة والمجتمع في معارك لا تنتهي. وما نعيشه اليوم من أزمة تشكيل الحكومة الراهنة ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة أزمات متكررة سببها الأساس هذا الخلل البنيوي في طريقة التفكير السياسي.

بعد كل انتخابات يتكرر المشهد ذاته: شهور من الانسداد، وتبادل الاتهامات، تأثيرات وتدخلات خارجية ،وتفسيرات متضاربة للنصوص، وتعطيل لمصالح الناس. والسبب ليس في ضيق المدد الدستورية، بل غياب العقل السياسي القادر على تحويل نتائج الانتخابات إلى سلطة تنفيذية بسلاسة. فالديمقراطية ليست صناديق اقتراع فقط، بل ثقافة قبول بالنتائج، واستعداد للتسويات، وإيمان بأن الدولة أكبر من الجميع.وحماية العراق ومصالحه هي الواجب الاسمى .
إن إصلاح هذا الواقع لا يتحقق بتغيير القوانين وحدها، بل بتغيير نمط إنتاج وتربية وتنشئة النخب السياسية نفسها. نحن بحاجة إلى جيل سياسي جديد يتكوّن داخل فضاءات مدنية مفتوحة، يمتلك معرفة حقيقية بالإدارة والاقتصاد والقانون، ويؤمن بأن العمل العام خدمة لا غنيمة. بحاجة إلى أحزاب برامج لا أحزاب هويات، وإلى سياسيين يفكرون بمنطق الدولة لا بمنطق المكوّن.
قد تبدو هذه مهمة طويلة الأمد، لكنها المدخل الحقيقي لكسر حلقة الأزمات. فطالما بقي رجل السياسة أسير تكوينه القديم، ستبقى الدولة أسيرة أزماتها المتكررة، وسنبقى ندور بعد كل انتخابات في الحلقة نفسها.
المشكلة إذن ليست في جغرافيا وتاريخ العراق  وحدها ، بل في العقول التي تديره وتريد ادارته ،  وهي عقول صراعية بأمتياز كانت ومازالت  ، وحين يتغير هذا العقل، تبدأ الدولة بالتعافي تلقائياً.لكن تغيير العقول عندنا معضلة تحتاج الى صدمات وزلازل وهزات كبيرة ترغم العامة والخاصة على اعادة النظر في مكونات عقلنا السياسي ومنهج تعاطينا مع الازمات والمشكلات .

أخر الأخبار

مقالات

4-02-2026, 13:51 اليوم الدولي للأخوة الإنسانية

لقمان عبد الرحيم الفيلي

3-02-2026, 10:18 خيارات إيران المحدودة

إبراهيم العبادي