مقومات نصر الله
"Today News": بغداد
بسم الله الرحمن الرحيم
{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّـهِ وَالْفَتْحُ ﴿١﴾
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّـهِ أَفْوَاجًا﴿٢﴾ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴿٣﴾ سورة النصر.
يُشكّل مفهوم النصر في القرآن الكريم منظومة متكاملة من الشروط الربانية، تتجاوز المكاسب أو التفوق الدنيوي، وتمتد إلى القيم الأخلاقية والروحية. فالنصر في الإسلام مشروط بالاستقامة على الحق، والالتزام بأوامر الله تعالى، وعند تحقق النصر يستوجب تسبيح الله عز وجل والشكر له بالقول ( سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
ويبقى السؤال: لماذا يتأخر النصر الإلهي رغم الدعاء والجهاد؟ القرآن الكريم يجيبنا بأن هناك سننًا ربانية تحكم مسار النصر والهزيمة، وترسم خارطة الطريق نحو التمكين والعزة، ومنها نذكر:
أولًا: شروط النصر الرباني في القرآن الكريم
1- الالتزام بنصرة قيم ومبادىء الله عز وجل: قوله تعالى:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) [محمد: 7 ].
(وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم: 47].
2. الصمود والتفاؤل والنجاح في الامتحان الرباني:
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].
3. النصر لا يُنسب إلى البشر، بل إلى الله خالقنا عز وجل ، (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) [ آل عمران: 126].
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ...﴾ (الحج: 40).
4- الاستقامة وعدم الركون إلى الظالمين: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 112، 113].
ثانيا: متى يتحقق النصر الرباني؟
يتحقق النصر بمشيئة الله القوي القادر الحكيم عندما يتم تجنب الفتن التالية:
1.فتنة التمحيص والابتلاء:
{وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} (الأنبياء: 35)
والبلاء يشمل:
أ- المعاصي والذنوب: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (آل عمران: 165).
ب- الفرقة والنزاع: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ (الأنفال: 46).
ج- حب الدنيا وكراهية الموت: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (التوبة: 24).
د- مكائد الشيطآن التي تخوف الإنسان
من طاعة الله {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ}[البقرة: 268]، و {إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175].
ه- الهزيمة النفسية: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ...﴾ (آل عمران: 155).
و -،الهزيمة الأخلاقية: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ (النحل: 112).
2.فتن الخبثاء:
{مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ } (آل عمران: 179)
3.عدم نضج الأمة لتحمّل النصر:
فالنصر مسؤولية عظيمة، لا تُمنح لمن لم يُعدّ لها نفسيًا وروحيًا.
4.عدم تهيئة البيئة لقبول الحق
فقد يكون التأخير لحين انكسار الطغيان أو تهيئة القلوب.
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55].
5.تحقيق الإخلاص الكامل لله في الجهاد في سبيل الله:
{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } (التوبة: 111).
ان تأخر النصر لا يعني الخسارة، بل هو مرحلة تمهيد وتمحيص، يدعو الأمة لمراجعة نفسها واستكمال شروط التمكين سواء من خلال نضجها الداخلي أو من خلال تهيئة البيئة المحيطة بها أو تهيئة الإمكانات اللازمة لتحقيق النصر.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ الرعد: 11،
( وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ }الصف: 13.
وليد الحلي
24-6-2025
1-07-2026, 12:03 الأصول الإيرانية المجمدة .. أين تتركز ولماذا تُعدّ مهمة لإيران ؟
3-07-2026, 14:08 الصادّون عن سبيل الله في القرآن الكريم
د.رعدهادي جبارة25-06-2026, 23:25 عاشوراء... مدرسة الحق والكرامة والمسؤولية
د. محمد عصمت البياتي21-06-2026, 13:52 التعددية من سمات المجتمع الإسلامي
د. صلاح عبد الرزاق20-06-2026, 23:55 المرجعية الصدرية للجماعات الإسلامية الشيعية الحاكمة في العراق
د. علي المؤمن