• بغداد
    +31...+34° C
  • الموصل https://www.booked.net/
    +23...+29° C
  • كربلاء https://www.booked.net/
    +32...+37° C

عاشوراء... مدرسة الحق والكرامة والمسؤولية

عاشوراء... مدرسة الحق والكرامة والمسؤولية

  • أمس, 23:25
  • مقالات
  • 21 مشاهدة
د. محمد عصمت البياتي

"Today News": بغداد 

ليست عاشوراء مجرد ذكرى تاريخية نستحضرها كل عام، وليست حادثة مؤلمة نذرف عليها الدموع فحسب، بل هي مدرسة إنسانية وأخلاقية متكاملة، تتجدد دروسها في كل زمان ومكان، وتبقى منارة تهدي الأجيال إلى معاني الحق والكرامة والثبات على المبادئ.

لقد وقف الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء موقفاً لم يكن دفاعاً عن شخصه أو طلباً لسلطة أو جاه، وإنما كان دفاعاً عن جوهر العقيدة، وعن القيم التي أراد البعض طمسها وتحريفها. ولذلك خلد التاريخ كلمته الخالدة حين أعلن أن هدف نهضته هو الإصلاح في أمة جده، ليؤكد أن المسؤولية الحقيقية تبدأ عندما يقدم الإنسان المبادئ على المصالح، والحق على المكاسب، والواجب على الرغبات.

إن أعظم ما تعلمنا إياه عاشوراء هو الإخلاص؛ ذلك الإخلاص الذي يجعل الإنسان ثابتاً على قناعاته مهما تغيرت الظروف، ومهما كثرت المغريات أو اشتدت الضغوط. ففي كربلاء رأينا رجالاً باعوا الدنيا كلها من أجل موقف حق، فربحوا الخلود في ضمير الإنسانية. لقد أثبتوا أن العقيدة ليست شعارات تردد، بل التزام عملي يظهر عند الامتحان الحقيقي.

وعاشوراء تعلمنا أيضاً أن قوة الإنسان لا تقاس بما يملك من مال أو منصب، بل بقدرته على مقاومة أهوائه والانتصار على نفسه. فكثيرون يستطيعون مواجهة الخصوم، لكن القليل من يستطيعون مواجهة إغراءات السلطة والمال والنفوذ. ومن هنا كان درس الحسين عليه السلام أن الانحراف يبدأ عندما يصبح المنصب غاية بدلاً من أن يكون وسيلة لخدمة الناس.

وفي واقعنا المعاصر، نحن أحوج ما نكون إلى استلهام هذه القيم في بناء مؤسسات الدولة وإدارة شؤون المجتمع. فالدولة لا تنهض بالشعارات، وإنما تنهض برجال ونساء يحملون ضميراً حياً، ويعتبرون المسؤولية أمانة لا امتيازاً، وتكليفاً لا تشريفاً. رجال دولة لا تتبدل مواقفهم بتبدل المصالح، ولا تتغير مبادئهم أمام بريق المكاسب الشخصية، ولا يبيعون ضمائرهم مقابل منفعة عابرة.

إن رجل الدولة الحقيقي هو من يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ويجعل القانون والعدالة معياراً لقراراته، ويستشعر رقابة الله قبل رقابة الناس. وهذا بالضبط ما جسدته ثورة الإمام الحسين عليه السلام، حين أثبتت أن الشرعية الأخلاقية أعظم من كل سلطات القوة، وأن التاريخ يخلد أصحاب المواقف لا أصحاب المناصب.

كما تعلمنا عاشوراء أن الإصلاح يبدأ من الذات قبل أن يمتد إلى المجتمع. فكل فرد منا يستطيع أن يكون حسينياً في صدقه، وأمانته، وإخلاصه، وعدله، واحترامه لحقوق الآخرين، ورفضه للفساد والظلم. وعندما تتحول هذه القيم إلى سلوك يومي، فإنها تصنع مجتمعاً أقوى، ومؤسسات أكثر نزاهة، ودولة أكثر استقراراً.

وفي كل عام، حين يحل شهر المحرم وتعود ذكرى عاشوراء، ينبغي ان يكون السؤال: كيف نقتدي بالحسين؟ كيف نجعل من قيمه منهجاً في حياتنا وأعمالنا ومسؤولياتنا؟ وكيف نربي أبناءنا على أن الحق أثمن من المصالح، وأن الكرامة أغلى من المكاسب، وأن المبادئ لا تُباع مهما ارتفع الثمن؟

لقد انتصر الإمام الحسين عليه السلام لأنه انتصر للقيم، وانتصر للحق، وانتصر للإنسانية. ولذلك بقيت كربلاء حية في الضمير الإنساني، وبقيت عاشوراء رسالة خالدة تعلمنا أن الرجال العظماء لا تصنعهم المناصب، بل تصنعهم المواقف، وأن الأمم لا تبنى بالقوة وحدها، بل تبنى بالأخلاق والإخلاص والثبات على المبادئ.

السلامم على الحسين، وعلى أصحاب الحسين، وعلى كل من جعل من عاشوراء مدرسةً للإصلاح، ومن الإخلاص منهجاً للحياة، ومن خدمة الوطن والناس طريقاً إلى رضا الله تعالى.

أخر الأخبار