كشفت صحيفة "الفايننشال تايمز" البريطانية، عن ممارسة الولايات المتحدة ضغوطاً على كبار السياسيين العراقيين خلال الأسابيع الماضية، من أجل تشكيل حكومة لا تضم في صفوفها ممثلي الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، من خلال تهديدات تشمل إجراءات اقتصادية، مثل تقليص إمدادات الدولار التي تُرسل نقداً مقابل المبيعات النفطية الخاصة بالعراق.
ونقلت الصحيفة عن مصادر مطّلعة في تقرير لها ، أن مسؤولين أميركيين وخلال اجتماعهم مع قيادات سياسية عراقية بارزة مكلفة بتشكيل الحكومة المقبلة خلال الأسابيع الأخيرة، دفعوا باتجاه تقديم خطة تحظى بالمصداقية، لنزع سلاح الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، وبسرعة.
ونقل التقرير عن خمسة مصادر مطّلعة على المحادثات، أن المسؤولين الأميركيين هددوا باتخاذ إجراءات عقابية إذا لم يتحقق ذلك.
وبحسب ثلاثة مصادر، فإن التهديدات شملت فرض إجراءات اقتصادية، مثل تقليص إمدادات الدولار التي تُرسل نقداً مقابل المبيعات النفطية العراقية.
وبحسب التقرير، فإن التوترات مع واشنطن تصاعدت بعد انتخاب عدنان فيحان، العضو السابق في عصائب أهل الحق، والذي يقود الآن جناحها السياسي، نائباً أول لرئيس مجلس النواب في الشهر الماضي، وذلك في بلد وصفه التقرير بأنه يُنظر إليه على أنه آخر معاقل النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.
ونقل التقرير عن أحد المصادر قوله، إن "السفارة الأميركية فقدت أعصابها بالكامل، وقالت لنا إن هذا سلوك عدائي وعمل تحدٍ، وطالبتنا باستبداله".
ولفت التقرير إلى أن الإطار التنسيقي الحاصل على أكبر حصة من الأصوات، يقود عملية تشكيل الحكومة، وهو يضم أعضاء من "ميليشيات" عدة تصنفها الولايات المتحدة جماعات "إرهابية"، لافتاً إلى أنه برغم أن مقاتلي هذه الجماعات أصبحوا أقل ظهوراً حالياً، إلا أنهم يتمتّعون بحضور قوي في العراق، بينما أصبحت هذه الجماعات جزءاً من الأجهزة الأمنية للدولة".
كما اعتبر التقرير، عصائب أهل الحق، من بين أكثر هذه الجماعات نفوذاً، مشيراً إلى أن العصائب تحاول إعادة تقديم نفسها سياسياً، وكان لها وزير في الحكومة السابقة.
ويشير التقرير إلى أن العصائب بعدما حلّت ثالثة في نتائج الانتخابات، فإن جناحها السياسي، على غرار أجنحة الفصائل الأخرى، يحاول توسيع حضوره داخل الحكومة ومؤسسات الدولة، إلى تعميق الحوار مع العواصم الغربية التي تتوجّس من التعامل مع جماعة مصنفة أميركياً كمنظمة إرهابية.
وذكّر التقرير بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم تعيّن حتى الآن سفيراً في بغداد، كما هو الحال في العديد من عواصم العالم التي كانت تُعتبر محورية للسياسة الخارجية الأميركية، كما أن مارك سافايا، مرشح ترمب للعمل كمبعوث خاص الى العراق، لم يحصل حتى الآن على مصادقة الكونجرس بعد، بينما يقول محللون إن نفوذه محدود.
وذكر التقرير أيضاً أن القوات الأميركية انسحبت قبل أيام بالكامل من الأراضي العراقية الخاضعة للحكومة الاتحادية، إلا أنها ستبقى في إقليم كوردستان.
ونقل التقرير عن الباحث في مركز "تشاتهام هاوس" البريطاني، ريناد منصور، قوله إن "العراق أصبح خارج رادار الولايات المتحدة أكثر من أي وقت خلال العقود الماضية، وبرغم ذلك، فإن إدارة ترمب لا تزال مؤثرة جداً، بشكل مباشر وغير مباشر، في كيفية تشكيل الحكومة".
كما نقل التقرير عن المسؤولة الأميركية السابقة في وزارة الخارجية فيكتوريا تايلور، قولها إن "سياسة إدارة ترمب تجاه العراق تحركها إيران أكثر مما تحركها العلاقة مع العراق".
وكشف التقرير أيضاً، أنه منذ انتخاب فيحان في منصبه الجديد، فإن المسؤولين الأميركيين جمدوا كل الاجتماعات مع حلفائهم الذين صوتوا له، وأصدروا قائمة بأسماء نوّاب لا يرغبون في مشاركتهم في الحكومة.
وبالإضافة إلى المطالبة باستبدال فيحان من منصبه كنائب أول لرئيس البرلمان، فإن المسؤولين الأميركيين يطالبون أيضاً بتسريع خطط نزع سلاح الجماعات المسلحة الشيعية.
ولفت التقرير، إلى أن سافايا قال في منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً، إن وزارة الخزانة الأميركية ستقوم بمراجعة معاملات الكيانات العراقية المشتبه بوجود صلات مالية لها بـ"أنشطة إرهابية".
وبحسب ثلاثة مصادر مطّلعة، فإن واشنطن هدّدت بقطع إمدادات الدولار عن العراق إذا رفضت بغداد المطالب الأميركية، وهي خطوة وصفها أحد هؤلاء المصادر بأنها "الخيار النووي".
وأوضح التقرير أن اقتصاد العراق يعتمد منذ فترة طويلة على ترتيب خاص جرى التوصل إليه بعد الغزو الأميركي للعراق، حيث أنه منذ العام 2003، ترسل واشنطن إلى بغداد شحنات نقدية بمليارات الدولارات سنوياً عبر رحلات جوية شهرية، وهي أموال مصدرها مبيعات النفط العراقي، تودع عائداتها في حساب العراق لدى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
وقال التقرير إنه في حال أقدمت واشنطن على قطع هذه الإمدادات من عملة الدولار مجدداً، فإن العراقيين يخشون من عدم الاستقرار وحدوث أزمة اقتصادية.
ونقل التقرير عن أحد هذه المصادر قوله "قالوا لنا إذا لم نلبِ مطالبهم، فلن تكون أميركا مستعدة لمساعدة العراق".
ووفق التقرير، فإن هذه التهديدات، بالإضافة إلى المخاوف من عمل عسكري محتمل من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، ساهمت في دفع السياسيين العراقيين إلى تلبية بعض المطالب الأميركية.
كما نقل التقرير عن خمسة أشخاص مطّلعين على المحادثات قولهم إن الإطار التنسيقي وعصائب أهل الحق أبديا استعدادهما لاستبدال فيحان، حيث قال أحد هذه المصادر إنه "من الأفضل التنازل في هذه النقطة بدلاً من التنازل في أمر آخر".
وطبقاً للتقرير البريطاني، فإن قضية نزع السلاح تبقى أكثر القضايا حساسية، إذ طالما قاومت "الميليشيات" الضغوط لنزع سلاحها، معتبرة أن أسلحتها لا تزال ضرورية للدفاع عن العراق.
ونقل التقرير عن أحد المصادر قوله إن الإطار التنسيقي، بما في ذلك "الميليشيات" الرئيسية المدعومة من طهران، عرض الإعلان عن خطة تدريجية لنزع السلاح على مدى عامين بعد تشكيل الحكومة، على أمل أن "تفقد القضية زخمها" قبل تنفيذها، إلا أن التقرير قال إن واشنطن طالبت باتخاذ إجراءات فورية.
ونقل التقرير عن تايلور قولها إن "هذه المطالب كلها تتماشى مع أهداف هذه الإدارة"، مضيفة أنه "في ظل ضعف إيران، وخوف الميليشيات من ترمب وما قد يقدم عليه، لماذا لا تحاول الولايات المتحدة الضغط إلى أقصى حد ممكن؟".
