الصبر الواعي ومنهج التغيير الرسالي للإمام الكاظم (ع) في مواجهة الطغيان
"Today News": بغداد
بسم الله الرحمن الرحيم
تمثّل شهادة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) محطةً مهمّة في تاريخ الصراع بين الحق والباطل، إذ تكشف عن طبيعة المواجهة غير المتكافئة بين القيادة الرسالية والأنظمة الاستبدادية. فقد عاش الإمام (ع) مرحلةً سياسية شديدة التعقيد، اتّسمت بالقمع الممنهج، وتشويه الوعي الديني، واستغلال الفقر والجهل لإدامة الحكم. ومن هنا، تأتي أهمية دراسة سيرته دراسةً تحليلية تكشف أبعاد مشروعه الإصلاحي ومنهجه في التغيير.
أولًا: مفهوم "كاظم الغيظ" في سيرة الإمام الكاظم (ع):
اقترن الإمام موسى بن جعفر (ع) بلقب «كاظم الغيظ»، وهو وصفٌ يحمل دلالة منهجية عميقة. فالصبر الذي مارسه الإمام لم يكن خنوعًا، بل ضبطًا واعيًا للنفس في مواجهة الاستفزاز، وتحويلًا للمعاناة إلى طاقة بناء. وقد أكّد القرآن الكريم هذا المعنى بقوله تعالى:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 134).
كما شدّد الإمام (عليه السلام) على مركزية الوعي الذاتي بقوله:
( مَن لم يكن له من نفسه واعظ، تمكّن منه عدوّه).
ثانيًا: التحديات السياسية والفكرية في العصر العباسي
واجه الإمام الكاظم (ع) جملة من التحديات، أبرزها:
1-القمع السياسي: تمثّل في الاعتقالات المتكررة، خصوصًا في عهد هارون العباسي، بهدف عزله عن الأمة وتقويض دوره القيادي.
2-تشويه الدين: عبر توظيف فقهاء السوء لتبرير سياسات السلطة الجائرة، وتحريف المفاهيم الإسلامية الأصيلة.
3-الظلم الاجتماعي: باستغلال الفقراء والمحرومين كأدوات لإسناد الحكم الجائر.
ثالثًا: معالم المشروع الإصلاحي للإمام الكاظم (ع):
أ- التربية وبناء الوعي
ركّز الإمام على تصحيح الوعي الديني، معتبرًا الفقه أساس البصيرة، إذ قال:
( تفقّهوا في دين الله، فإن الفقه مفتاح البصيرة وتمام العبادة).
ب-بناء الكوادر الرسالية:
اعتمد الإمام (عليه السلام) منهج التنظيم لإعداد جماعة صالحة للتغيير، واخترق الجهاز الحاكم بعناصر مؤمنة، من أبرزها الوزير علي بن يقطين، لتحقيق أهداف إصلاحية، منها دعم المستضعفين ومراقبة قرارات السلطة.
ت- المواجهة الأخلاقية
تميّزت مواجهة الإمام بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة العقلية، بعيدًا عن العنف، مع التزامٍ صارم بالقيم الأخلاقية.
ث-رعاية الفقراء: الاهتمام بالمحرومين ركن أساسي في مشروع الإمام، لمنع استغلال فقرهم في دعم الظلم، وحماية كرامتهم الإنسانية.
رابعًا: التنظيم والعمل السري بوصفه أداة تغيير:
أسّس الإمام الكاظم (ع) شبكةً تنظيمية واعية، هدفت إلى:
1-تأمين التواصل السرّي
2-اختراق الجهاز الحاكم لمراقبة المكائد، توعية السلطة، إسناد الفقراء، تضعيف علماء السوء.
3-بناء كوادر مدربة على التدين، السياسة، الصبر، والتضحية.
4-تقوية الترابط الإيماني لشلّ حركة الحكم.
5-حماية الأتباع من الملاحقة.
6-دعم العلماء المخلصين.
7-المقاطعة العملية: شلّ أجهزة الظلم من الداخل، ثورة بإرادة سياسية.
8-تعميق التدين والترابط الإيماني، وتعميق العلاقة مع العلماء المخلصين.
9-مسؤولية الأمر بالمعروف: قال الامام (ع): "لَا دِينَ لِمَنْ لَا مَرْوَةَ لَهُ وَلَا مَرْوَةَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ".
10-دعم "المقاومة الهادئة" التي تسعى إلى إضعاف بنية الظلم من الداخل دون التفريط بالثوابت الشرعية.
خامسا: من حكم الامام موسى الكاظم (ع):
1- ( مَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِثَلَاثٍ فَقَدْ لَطَفَ لَهُ: عَقْلٌ يَكْفِيهِ مَئُونَةَ هَوَاهُ، وَعِلْمٌ يَكْفِيهِ مَئُونَةَ جَهْلِهِ، وَغِنًى يَكْفِيهِ مَخَافَةَ الْفَقْرِ).
2- ( مَنْ تَكَلَّفَ مَا لَيْسَ مِنْ عِلْمِهِ ضَيَّعَ عَمَلَهُ وَخَابَ أَمَلُهُ).
3-(اجْتَهِدُوا فِي أَنْ يَكُونَ زَمَانُكُمْ أَرْبَعَ سَاعَاتٍ: سَاعَةٌ لِمُنَاجَاةِ اللَّهِ، وَسَاعَةٌ لِأَمْرِ الْمَعَاشِ، وَسَاعَةٌ لِمُعَاشَرَةِ الْإِخْوَانِ الَّذِينَ يُعَرِّفُونَكُمْ عُيُوبَكُمْ، وَسَاعَةٌ تَخْلُونَ فِيهَا لِلذَّاتِ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ).
4-(مَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِثَلَاثٍ فَقَدْ لَطَفَ لَهُ: عَقْلٌ يَكْفِيهِ مَئُونَةَ هَوَاهُ، وَعِلْمٌ يَكْفِيهِ مَئُونَةَ جَهْلِهِ، وَغِنًى يَكْفِيهِ مَخَافَةَ الْفَقْرِ).
سادسا: شهادة الامام الكاظم (ع) صرخةٍ تاريخية في وجه الظلم:
وُلد الإمام موسى الكاظم (ع) سنة 128هـ، وتولى الإمامة بعمر 20 سنة، دامت 35 عاما، وعاصر عددًا من الحكام العباسيين، حتى استُشهد مسمومًا في سجن هارون العباسي في 25 رجب سنة 183هـ. وقد شكّل تشييعه الجماهيري في بغداد مشهدًا كاشفًا لانهيار هيبة الطغيان، وتحولت شهادته إلى صرخةٍ تاريخية في وجه الظلم، حيث المسيرات المليونية اليوم تجدد البيعة، وترفض الظلم، وتلتزم منهجه.
سابعا: الصبر العالي استراتيجية تغيير هادئة:
تؤكّد سيرة الإمام موسى الكاظم (سلام الله عليه ) على أن الصبر الواعي ليس حالة سكون، بل استراتيجية تغيير، وأن التربية والتنظيم والالتزام الأخلاقي ركائز أساسية لأي مشروع إصلاحي.
وفي ذكرى شهادته، تبقى تجربته دعوةً مفتوحة للأمة للاختيار بين طريق الوعي والكرامة، أو طريق الخضوع للظلم.
السلام عليك يا إمام المسلمين حضرت موسى بن جعفر الكاظم يا حليف السجدة الطويلة بما صبرت في قعر السجون، أعظم الله أجورنا وأجوركم بهذا المصاب الجلل،
يا باب الحوائج، إنا لله وإنا اليه راجعون.
وليد الحلي
22 رجب 1447
12-1-2026
اليوم, 14:13 الصبر الواعي ومنهج التغيير الرسالي للإمام الكاظم (ع) في مواجهة الطغيان
د. وليد الحلياليوم, 12:03 الظاهرة نوري المالكي
سليم رسول10-01-2026, 13:49 إمكانية إسقاط النظام في إيران
د. علي المؤمن8-01-2026, 12:40 أيهما الأصح: إل ياسين أم آل ياسين؟ ج-1
د.رعدهادي جبارة