رأس المال الاجتماعي: الإطار النظري والمعنى السياسي للتنمية
"Today News": بغداد
لم يعد رأس المال الاجتماعي مفهومًا نظريًا هامشيًا في علم الاجتماع، بل بات أحد المفاتيح الأساسية لفهم لماذا تتعثر التنمية في بعض الدول رغم توافر الموارد، ولماذا تنجح في أخرى رغم محدودية الإمكانات. فالمسألة لا تتعلق فقط بما تمتلكه الدول من ثروات أو خطط، بل بما يربط أفرادها من علاقات، وبمستوى الثقة السائد بينهم، وبقدرتهم على العمل المشترك خارج الروابط الضيقة.
في جذوره الأولى، يرتبط المفهوم بفكرة التضامن الاجتماعي كما صاغها إميل دوركايم (1858-1917)، الذي رأى أن استقرار المجتمعات لا يقوم على القوانين والمؤسسات وحدها، بل على منظومة قيم ومعايير غير مكتوبة تنظّم السلوك العام. وحين تتآكل هذه المنظومة، تدخل المجتمعات في حالة من التفكك القيمي، حيث تفقد القواعد المشتركة قدرتها على ضبط الفعل الاجتماعي. هذه الفكرة تكتسب أهمية خاصة في الدول الخارجة من الحروب والصراعات، حيث يسبق الانقسام الاجتماعي غالبًا أي محاولة جادة للتنمية.
لاحقًا، قدّم بيير بورديو (1930-2002) قراءة أكثر واقعية للمفهوم، حين تعامل مع رأس المال الاجتماعي بوصفه موردًا يمكن توظيفه لتحقيق النفوذ والمصالح. فشبكات العلاقات، في هذا التصور، لا تُنتج دائمًا تعاونًا عامًا، بل قد تتحول إلى أدوات إقصاء وهيمنة عندما تُحتكر داخل جماعات مغلقة. وهنا لا يكون رأس المال الاجتماعي عامل استقرار، بل أحد مصادر الاختلال البنيوي، خصوصًا في المجتمعات المنقسمة طائفيًا أو سياسيًا.
أما جيمس كولمان، فقد نظر إلى رأس المال الاجتماعي من زاوية وظيفية، معتبرًا أن الثقة والمعايير المشتركة تقلل من كلفة التعامل، وتزيد من فرص نجاح السياسات العامة. فالدولة التي تعمل في بيئة من انعدام الثقة، مهما امتلكت من تشريعات وخطط، ستواجه صعوبات مستمرة في التنفيذ، لأن المشكلة لا تكمن في النصوص، بل في البيئة الاجتماعية الحاضنة لها.
الإسهام الأكثر تأثيرًا في نقل المفهوم إلى حقل السياسات العامة يعود إلى روبرت بوتنام (1943-)، الذي ربط بين رأس المال الاجتماعي وجودة الحكم والديمقراطية. وقد ميّز بين رأس مال اجتماعي يعزز التماسك داخل الجماعات، ورأس مال آخر يربط بين الجماعات المختلفة. المشكلة لا تظهر حين يكون الأول حاضرًا، بل حين يطغى على الثاني. ففي هذه الحالة، تتكاثر الولاءات الجزئية، ويضعف المجال العام، وتتحول الدولة إلى ساحة صراع بين شبكات متنافسة بدل أن تكون إطارًا جامعًا.
اقتصاديًا، يتفق عدد متزايد من الخبراء على أن رأس المال الاجتماعي يمثل شرطًا غير مرئي للتنمية. فقد أشار كينيث آرو (1921-2017) إلى أن نقص الثقة أحد أهم معوقات النمو، فيما شدد دوغلاس نورث (1920-2015) على أن المؤسسات الرسمية لا تعمل بمعزل عن الأعراف والقيم السائدة في المجتمع. وعندما يتناقض القانون مع الواقع الاجتماعي، تكون النتيجة مؤسسات شكلية واقتصادًا هشًا. أما الهندي أمارتيا سن (1933-2023) فقد وسّع مفهوم التنمية ليشمل القدرة على المشاركة والفعل والاختيار، وهي عناصر لا يمكن تصورها في بيئة يسودها الشك المتبادل وانعدام الثقة.
سياسيًا، يرى فرانسيس فوكوياما أن المجتمعات منخفضة الثقة تميل إلى إنتاج دول ضعيفة، تعتمد على الروابط الأولية بدل المؤسسات، وتغذّي أنماط الزبائنية والفساد. وفي هذه الحالة، لا يكون ضعف الدولة ناتجًا عن نقص الموارد، بل عن هشاشة البنية الاجتماعية التي تستند إليها.
انطلاقًا من ذلك، يمكن القول إن التنمية ليست مسألة تقنية تُحلّ عبر الخطط والمؤشرات الاقتصادية وحدها، بل هي عملية اجتماعية–سياسية مشروطة بطبيعة رأس المال الاجتماعي السائد. فحين يكون هذا الرأس المال مجزأً، ومحصورًا داخل جماعات مغلقة، تتعثر التنمية حتى في أكثر الدول غنى. أما حين يتحول إلى رصيد وطني جامع، فإنه يصبح أحد أهم مصادر القوة والاستقرار على المدى الطويل.
رأس المال الاجتماعي في العراق: من التماسك الجزئي إلى مأزق التنمية:
إذا ما أُسقط هذا الإطار النظري على الحالة العراقية، يتضح أن أزمة التنمية في العراق ليست أزمة موارد أو سياسات فحسب، بل هي في جوهرها أزمة رأس مال اجتماعي. فالمجتمع العراقي يمتلك كثافة عالية من الروابط الاجتماعية، لكنها روابط مجزأة ومغلقة، تعمل في الغالب داخل حدود الطائفة أو العشيرة أو الحزب، ولا تتحول إلى رصيد وطني جامع قادر على دعم الدولة أو إنجاح مشاريع التنمية.
منذ عقود يشهد العراق تفككًا متسارعًا في الثقة العمودية بين المجتمع والدولة، مقابل تضخم الثقة الأفقية داخل الجماعات الفرعية. ووفق منطق روبرت بوتنام، يمكن توصيف هذه الحالة بوجود فائض من رأس المال الاجتماعي الترابطي (Bonding) مقابل عجز حاد في الرأس المال التجسيري (Bridging). والنتيجة هي دولة ضعيفة، واقتصاد ريعي عاجز عن التحول، ومؤسسات تعمل شكليًا من دون سند اجتماعي فعلي.
اقتصاديًا، ينعكس هذا الخلل في ضعف بيئة الاستثمار، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، ومقاومة الإصلاحات، إذ تُقابَل السياسات العامة بشكّ اجتماعي واسع، وتُفرَّغ القوانين من مضمونها عبر شبكات الزبائنية والمحسوبية. فالمشكلة هنا ليست في غياب التشريعات، بل في غياب الثقة التي تجعل الالتزام بها ممكنًا، كما أشار دوغلاس نورث في تحليله للعلاقة بين المؤسسات الرسمية وغير الرسمية.
سياسيًا، يظهر أثر تآكل رأس المال الاجتماعي في هشاشة الشرعية، وفي الفجوة المتزايدة بين الدولة والمجتمع. وقد مثّلت الاحتجاجات المتكررة العابرة للمكونات تعبيرًا واضحًا عن محاولة لإنتاج رأس مال اجتماعي متجاوز للهويات الفرعية، غير أن هذا الرصيد الاحتجاجي ظلّ معلقًا لغياب الأطر المؤسسية القادرة على تحويله إلى قوة إصلاح مستدامة. وهو ما يؤكد أن رأس المال الاجتماعي، ما لم يُجسَّر مؤسسيًا، يبقى طاقة معطلة.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن أي حديث عن تنمية في العراق يظل ناقصًا ما لم يُقارب مسألة إعادة بناء الثقة، وتوسيع المجال العام، وتحويل الروابط الاجتماعية من أدوات حماية ضيقة إلى قاعدة تعاون وطني. فالتنمية في السياق العراقي ليست مسألة زمن أو تمويل، بل مسألة إعادة تركيب العلاقة بين المجتمع والدولة على أساس رأس مال اجتماعي جامع، من دونه ستبقى كل الخطط مجرد استجابات مؤقتة لأزمة أعمق .
31-12-2025, 19:32 ذكرى الاعدام .. دم الشهداء وصوت ذاكرة الألم
أمس, 14:25 زينب الكبرى (ع) .. حين تهزم المرأةُ العالِمةُ عروشَ الطغيان
د. وليد الحليأمس, 13:35 رأس المال الاجتماعي: الإطار النظري والمعنى السياسي للتنمية
ابراهيم العبادي3-01-2026, 21:31 خطف الرؤساء .. ديمقراطية واشنطن حين تقول الدول: “لا”
د.رعدهادي جبارة3-01-2026, 16:46 الماءفي الخطاب القرآني .. أصل الحياة ومحطّ العرش
د.رعدهادي جبارة