زينب الكبرى (ع) .. حين تهزم المرأةُ العالِمةُ عروشَ الطغيان
"Today News": بغداد
بسم الله الرحمن الرحيم
في زمنٍ تُقاس فيه القوة بعدد الجيوش، وتُختزل السيادة في السلاح، وقفت امرأةٌ أعزلها الطغاة من كل شيء… إلا من الحق.
إنها السيدة زينب بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وابنة فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين واخت الامامين الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة، وشريكة النهضة الحسينية، والمرأة التي أعادت تعريف معنى الانتصار، فهزمت الطغيان بالكلمة، وأسقطت هيبة السلطان بالوعي، وفضحت السلطة الجائرة وهي في ذروة نشوتها.
لم تكن زينب (ع) صوت حزنٍ بعد كربلاء، بل عقل الثورة ولسانها الناطق، ولولا موقفها لكان السيف الأموي قد انتصر مؤقتًا في التاريخ، لكنه انكسر إلى الأبد في الوعي.
أولًا: المرأة العالِمة… حين يصبح العلم موقفًا
نشأت السيدة زينب (ع) في مدرسة النبوّة، وتربّت في بيتٍ صاغه الوحي علمًا وعدلًا وشجاعة.
لم يكن علم زينب علم رواية فحسب، بل علم موقف وبصيرة؛ علم يواجه الانحراف، ويكشف الزيف، ويقف في وجه السلطان بلا خوف ولا مداراة. وهنا تتجلى زينب أنموذج المرأة العالِمة المتصدّية، لا المنكفئة، ولا التابعة.
ثانيًا: «ما رأيتُ إلا جميلًا»… فلسفة التحدي العقائدي حين واجهت الطاغية يزيد بن معاوية، لم تنكسر أمام المشهد، ولم تتراجع أمام الدم، بل أعلنت بعقيدة راسخة:
«مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً…»
كانت تلك الكلمة صفعة فكرية للطغيان، أعلنت فيها زينب أن الشهادة ليست هزيمة، وأن دم المظلوم هو الذي يصنع التاريخ، وأن من يقتل الحق لا ينتصر، بل يُدان إلى الأبد.
ثالثًا: سقوط الهيبة الزائفة
في مجلس يزيد، حيث اجتمع السلطان والبطش والغرور، وقفت زينب (ع) أسيرةً في الظاهر، سيّدةً في الموقف، وقالت:
«أَمِنَ الْعَدْلِ يَا ابْنَ الطُّلَقَاء؟!»
لم تكن تلك خطبة عاطفية، بل محاكمة سياسية وعقائدية أُقيمت في قلب قصر الحكم. وحين قالت:
«فَكِدْ كَيْدَكَ… فَوَاللهِ لا تَمْحُو ذِكْرَنَا، وَلا تُميتُ وَحْيَنَا»
كانت تُعلن سقوط مشروع الطغيان أخلاقيًا، وإن طال بقاؤه زمنيًا. لقد أثبتت أن السلطة التي تعادي الحق محكومة بالزوال، وأن الكلمة المؤمنة تهزم السيف مهما طال أمده.
رابعا: زينب (ع): شريكة الإمام الحسين (ع) في انتفاضته الإصلاحية
كانت العقيلة زينب (ع) إلى جانب أخيها الإمام الحسين (ع) في ملحمة كربلاء، تشدّ عزائم المجاهدين، وتواسي الأطفال والأرامل، ثم حملت راية الثورة بعد الشهادة.
وفي مجلس يزيد بن معاوية، وقفت شامخةً لتقول كلمتها المدوية في وجه الظلم:
“أَمِنَ العدلِ يا ابنَ الطلقاءِ تُخدّيرك حرائرك، وتُساق بنات رسول الله سبايا؟
فكشفت زيف الحكم الأموي، وفضحت جرائم الاستبداد باسم الدين، وسجّلت في التاريخ صفحةً من أعظم مواقف الشجاعة النسائية.
وقالت (ع) أيضًا:
“وما أيامك إلا عدد، ووشيكًا تشهدهم ولن يشهدوك.”
لتنبئ بزوال حكم يزيد، وتعلن أن العدل الإلهي ماضٍ لا محالة.
خامسا: المرأة في مواجهة الطغيان المعاصر
إن زينب (ع) ليست ذكرى، بل منهج مقاومة. وهي اليوم:
•مدرسة للمرأة العالِمة التي لا تفصل العلم عن الموقف،
•وأنموذج للوعي في زمن التضليل،
•ودليل على أن مواجهة الطغيان تبدأ بكشفه لا بمهادنته.
في عالم تُحاصر فيه الحقيقة، وتُستبدل القيم بالدعاية، تقف زينب (ع) لتقول لكل امرأة:
كوني واعية، كوني شجاعة، كوني صوت الحق، ولا تخشي سلطانًا زائلًا.
سادسا: زينب في مواجهة "الزيف العميق"
إن رسالة زينب تتجاوز زمانها؛ فاليوم تواجه الإنسانية "دولة الزيف العميق" القائمة على التضليل الإعلامي. وبروز روح زينب (ع) في هذا الواقع يقول لنا:
* إن مواجهة الإفساد في الأرض هي امتداد لرسالة كربلاء.
* إن العدل لا يُصان إلا بالوعي، والكلمة الصادقة كفيلة بهدم عروش التضليل.
* السيدة زينب (ع) هي "الحارسة للرسالة"، تماماً كما كانت خديجة الكبرى (ع) وفاطمة الزهراء (ع) من قبلها.
سابعا: رحيل راية خالدة للكرامة الإنسانية
في الخامس عشر من رجب عام 62 هـ رحلت السيدة زينب الكبرى (ع) عن عمر ناهز 57 عاماً قضتها في محراب العبادة والجهاد، وستبقى ميزانا يقاس به صدق المواقف، ستبقى السيدة زينب الكبرى "أنموذجاً" لا يحده زمن في العفة، والعقل، والبصيرة.
لقد كرم الله البشرية بأن جعل "زينب" شريكة النهضة الحسينية، لتؤكد للعالم أجمع: أن الكرامة الإنسانية لا تموت، وأن صوت الحق هو الغالب في نهاية المطاف.
سلامٌ على الحوراء زينب، نداء الوعي في زمن الغفلة، وراية الصمود التي لا تنكس. ستبقى زينب (ع):
•التحدي الدائم للطغاة،
•والمدرسة الخالدة للمرأة العالِمة المتصدّية،
•والبرهان على أن الحق لا يُقتل إذا وجد من ينطقه بوعي وشجاعة.
سلامٌ على زينب الكبرى…
يوم واجهت الطغيان بالكلمة،
ويوم صنعت من الأسر سيادة،
ويوم بقي صوتها أقوى من كل العروش.
وليد الحلي
15 رجب الحرام 1447
5 كانون الثاني 2026
31-12-2025, 19:32 ذكرى الاعدام .. دم الشهداء وصوت ذاكرة الألم
أمس, 14:25 زينب الكبرى (ع) .. حين تهزم المرأةُ العالِمةُ عروشَ الطغيان
د. وليد الحليأمس, 13:35 رأس المال الاجتماعي: الإطار النظري والمعنى السياسي للتنمية
ابراهيم العبادي3-01-2026, 21:31 خطف الرؤساء .. ديمقراطية واشنطن حين تقول الدول: “لا”
د.رعدهادي جبارة3-01-2026, 16:46 الماءفي الخطاب القرآني .. أصل الحياة ومحطّ العرش
د.رعدهادي جبارة