الماءفي الخطاب القرآني .. أصل الحياة ومحطّ العرش
"Today News": بغداد
☆بحث حول "الماء في القرآن؛بين الإحياء وسوء الفهم الشائع"☆
قال الله تعالى:
(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ" أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء: 30]
????تمهيد:
لا يكاد مفهومٌ في القرآن يرتبط بالحياة ارتباطًا مباشرًا مثل ارتباط الماء بها، فهو:
☆أصل الخلق،
☆ومحط العرش
☆ومقوّم البقاء،
☆وأداة الطهارة،
☆وعنوان الرحمة.
ولم يكن ورود الماء في الخطاب القرآني ورودًا عرضيًا أو تابعًا، بل جاء مقصودًا بذاته، دالًا على حقيقة كونية، ومعنى تشريعي، وإشارة عقدية عميقة.
????أولًا: حضور مفردة (الماء) في القرآن
وردت مفردة (الماء) ومشتقاتها في القرآن الكريم نحو (63) مرة، وذُكِرت كلمتا "ماء، والماء" في القرآن الكريم "59" مرة، و ذكر الماء بصيغ أخرى"ماءك، ماءها، ماؤكم، ماؤها" 4 مرات، وبذلك يكون الماء قد ورد ذكره في القرآن الكريم كله "63" مرة وتوزع ورود الكلمة على سياقات متعددة، من أبرزها:
■الخلق والتكوين:
_﴿خَلَقَ مِنَ الْمَاءِبَشَرًا﴾_
■الإحياء بعد الموت:
_﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾_
■الطهارة والعبادة:
_﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾_
■الامتنان الإلهي:
_﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾_
وهذا الحضور العددي ليس مجرد تكرار لفظي، بل تنويع دلالي مقصود، يرسّخ مركزية الماء في البناء القرآني بوصفه أصل الحياة ومظهر العناية الإلهية.
(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) [هود: 7].
????ثانيًا: الماء بين البيان القرآني والعلم الحديث
{وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النور: 45].
يثبت العلم الحديث أن الماء يشكّل ما يقارب (60%) من كتلة جسم الإنسان، وتزيد هذه النسبة أو تنقص تبعًا للعمر والحالة الصحية، وهو ما يجعل الماء شرطًا لا غنى عنه للحياة البيولوجية.
وهنا تتجلى دقة التعبير القرآني في قوله تعالى:
_﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾_
إذ لم يقل: مع الماء، ولا بالماء، بل قال: (من الماء)، دلالة على الأصلية و الابتداء، لا على المصاحبة أو الآلية فحسب.
????ثالثًا: حين تُشوَّه الدلالة وتُنسَب الأقوال
من الظواهر التي تستدعي الوقوف عندها أن بعض الأقوال الشائعة تُتداول بين الناس على أنها روايات أو أحاديث، دون تثبُّت من مصدرها أو معناها، حتى تكتسب مع الزمن سلطة معنوية لا تستحقها.
ومن ذلك القول المنتشر في المجالس والمقاهي بصيغ متقاربة:
■ «ما عُرِضَ الماءُ على عاقلٍ فردَّه»!
أو:
■«ما عُرِضَ الماءُ على عاقلٍ فأبى»!!
وهذا القول ليس حديثًا نبويًا، ولا يُعرف له أصل ثابت في كتب السنة المعتمدة، ولا يصح أن يُبنى عليه حكم شرعي أو معيار أخلاقي.
????رابعًا:الخلل في التعميم لا في حالات جزئية
قد يُلاحظ أن رفض شرب الماء في بعض الحالات الخاصة يُعد فعلًا عقلانيًا، بل مطلوبًا، ومن ذلك:
1. الصائم؛إذ يمتنع عن شرب الماء التزامًا بالحكم الشرعي في زمن مخصوص، لا رفضًا للماء في ذاته.
2. من أُجريت له عملية جراحية حديثًا؛فيمتنع امتثالًا للتوجيه الطبي، حفظًا للنفس ودفعًا للضرر.
3. من يُراد تقديره أو تكريمه في سياق اجتماعي مخصوص فيؤثِر الامتناع بدافع أدبي أو أخلاقي.
غير أن الامتناع في هذه الصور لا يدل على فضل ذاتي في ترك الماء، و إنما يدل على حسن تقدير الظرف، ومراعاة الحكم، أو دفع الضرر.
أما تحويل هذا المعنى الجزئي إلى قاعدة عامة يُقاس بها العقل، فذلك خطأ في الفهم، و مجاوزة للميزان الشرعي.
????خامسًا: الميزان القرآني أدق وأعدل.
حين نرجع إلى القرآن نجد أن الماء لم يُذكر في سياق الذم أو الارتياب، بل جاء مقترنًا بـ:
■الإحياء
■والرحمة
■والطهارة
■والامتنان الإلهي
ولو كان الامتناع عن الماء في ذاته علامة عقل أو فضيلة مطلقة، لكان لذلك أثر ظاهر في الخطاب القرآني، غير أن القرآن يجعل الإحياء بالماء أصلًا، لا الإعراض عنه.
(أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ)
[الواقعة: 68‑70].
????سادسًا: بين الفطرة والتكليف
الفطرة السليمة تميل إلى الماء لأنه حياة،و الشريعة لا تصادم الفطرة، بل تهذبها وتنظمها.ولا يمنع التكليف شرب الماء إلا لعارض مؤقت:
■زمن مخصوص
■حالة صحية
■أو خشية ضرر
فإذا زال العارض، عاد الماء إلى أصله:نعمةً ومنحةً لا موضع اختبارٍ للعقل ولا مقياسًا للالتزام.
????الخاتمة:
إن تحرير المفردة القرآنية لا يكتمل إلا بتحرير الوعي مما علق به من أقوال شائعة أُلبست لباس الرواية و هي ليست منها، حتى صار الناس يحاكمون بها الفطرة والعقل والنص.
والماء – كما يقدمه القرآن – ليس موضع شك، ولا معيار عقل، بل أصل الحياة، وسر البقاء، وعلامة الرحمة الإلهية.
قال تعالى (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ)
[الرعد: 17].
????للمزيد يُراجع:
1. الراغب الأصفهاني
مفردات ألفاظ القرآن.
2. أبو جعفر الطبري
جامع البيان عن تأويل آي القرآن .
3. القرطبي:الجامع لأحكام القرآن.
4. فخر الدين الرازي
مفاتيح الغيب .
5. العلامة محمد حسين الطباطبائي:الميزان في تفسير القرآن .
6. مصطفى صادق الرافعي:إعجاز القرآن والبلاغة النبوية .
7. آرثر غايتون وجون هول
Textbook of Medical Physiology (Guyton and Hall) – .
8. منظمة الصحة العالمية (WHO)
Water, sanitation and health – تقارير علمية حول دور الماء في صحة الإنسان والحياة.
د.رعدهادي جبارة
الأمين العام
للمجمع القرآني الدولي
31-12-2025, 19:32 ذكرى الاعدام .. دم الشهداء وصوت ذاكرة الألم
3-01-2026, 21:31 خطف الرؤساء .. ديمقراطية واشنطن حين تقول الدول: “لا”
د.رعدهادي جبارة3-01-2026, 16:46 الماءفي الخطاب القرآني .. أصل الحياة ومحطّ العرش
د.رعدهادي جبارة3-01-2026, 11:23 الإمام علي (ع) ومنهج العدالة الإنسانية .. مفاهيم رسالية ومعايير خالدة للحكم الرشيد
د. وليد الحلي31-12-2025, 18:19 الإمام الجواد (ع) .. منارة العلم، وبوصلة العدالة، وإمام الوعي المبكر
د. وليد الحلي