الإمام علي (ع) ومنهج العدالة الإنسانية .. مفاهيم رسالية ومعايير خالدة للحكم الرشيد
"Today News": بغداد
بسم الله الرحمن الرحيم
نهنئكم في الذكرى السنوية المباركة العطرة لولادة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، المولود في جوف الكعبة المشرفة في الثالث عشر من شهر رجب عام 23 قبل الهجرة النبوية (17 آذار 599م).
تلك الشخصيةً الرساليةً الأستثنائية التي جسّدت القيم العليا للإسلام فكرًا وسلوكًا. فقد كان الإمام علي (ع) أول من آمن برسالة الإسلام، ورافق النبي محمد (ص) في مسيرته الدعوية والجهادية، ودافع عن الدين الأسلامي طوال حياته، فغدا نموذجًا خالدًا للشجاعة في نصرة الحق، والحكمة في إدارة شؤون الحكم، والعدل في القضاء، والنزاهة في المال العام، والسمو الأخلاقي في الصدق والأمانة والإخلاص والرحمة والإحسان.
وقد لخّص الإمام (ع) فلسفته في الحكم والإدارة بوصيته الجامعة:
( أوصيكم بتقوى الله ونظم أمركم)،
حيث أقام علاقة تكاملية بين التقوى والتنظيم، وبين الإيمان والعقل، فجعل العقل مصباح العلم، وأداة التفكير والتخطيط، وركيزة أساسية لبناء السلطة العادلة وصناعة القرار الرشيد.
ومن هذا الترابط البنيوي بين الدين والعقل، انطلقت رؤيته الشمولية لإصلاح الدولة والمجتمع.
وانطلاقًا من هذه النظرة المتكاملة، صاغ الإمام علي (ع) إصلاحاته الإدارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، فتعامل مع الإدارة بوصفها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون وظيفة سلطوية، وقام نظام الحكم لديه على الأمانة والكفاءة والمساءلة، بحيث يكون الإنسان شريكًا في حفظ المال العام وصيانة القيم العامة، لا مجرد تابع للسلطة أو أداة في يدها.
وفي معالجته للأوضاع الاقتصادية والمالية، أدرك الإمام (ع) أن الفساد الاقتصادي ليس ظاهرة مالية منفصلة، بل نتيجة حتمية لفساد أخلاقي وتربوي، نابع من ضعف الإيمان، واختلال الوعي، وسوء إدراك الإنسان لمنظومة القيم التي تنظم الحياة. ولذلك ربط بين الإصلاح الاقتصادي والإصلاح الأخلاقي،
داعيًا إلى تهذيب النفس قبل فرض العقوبة، وإصلاح الإنسان قبل إصلاح السوق.
وقال (ع) ( إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها) (نهج البلاغة – الحكمة 128).
فربط بين الاقتصاد والأخلاق، والسياسة والقيم، والسلطة بالمسؤولية أمام الله تعالى والناس.
ولم يقتصر مشروع الإمام (ع) الإصلاحي على معالجة الأزمات والاختلالات الاجتماعية، أو مواجهة الفتن ومخلّفات الجاهلية وثقافة التمييز والكراهية،
بل عمل على استثمار الطاقات الإيجابية في شخصية الإنسان والمجتمع، ومعالجة مواطن الضعف والقصور، تمهيدًا لبناء إنسانٍ واعٍ قادر على النهوض بمسؤوليات التغيير والإصلاح.
مفاهيم أساسية جسّدها الإمام علي (ع) لتحقيق العدالة:
أولًا: العدالة بوصفها منهج حكم
لم يتعامل الإمام علي (ع) مع العدل بوصفه شعارًا سياسيًا أو قيمةً نظرية، بل جعله منهجًا عمليًا لإدارة الدولة، فكانت سياساته الإصلاحية قائمة على النزاهة، والكفاءة، والمساءلة، واحترام كرامة الإنسان، بوصفه محور العملية السياسية والاجتماعية.
ثانياً: التضحية من أجل المصلحة العامة
قدّم الإمام (ع) مصلحة الأمة على مصلحته الشخصية، فجعل سلامة المجتمع معيار الحق، لا سلامة الحاكم، حين قال:( لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا عليّ خاصة)، وهو تعبير رفيع عن أخلاقيات القيادة العادلة التي تضحي ولا تساوم على الوحدة.
ثالثًا: إنسانية العدالة وشمولها
رسّخ الإمام (ع) مبدأً إنسانيًا عالميًا بقوله: ( الناس صنفان: إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق)،وهو نص يؤسس لمفهوم العدالة الشاملة القائمة على كرامة الإنسان بوصفه إنسانًا، بعيدًا عن التمييز الديني أو العرقي أو الاجتماعي. ولعالمية هذا المبدأ وعمقه الإنساني، حظيت هذه المقولة باهتمامٍ في الأدبيات الحقوقية المعاصرة، حيث أُشير إليها في تقارير ودراسات صادرة ضمن أعمال حقوق الإنسان في الأمم المتحدة عام 2002، بوصفها نموذجًا متقدمًا في الفكر الإنساني والحكم العادل، لما تتضمنه من رؤية سبقت المفاهيم الحديثة لحقوق الإنسان والمساواة المدنية.
وقد اعتُبر هذا النص من الإمام علي (ع) مرجعًا أخلاقيًا وإنسانيًا في الفكر الحقوقي، لما يحمله من تصور شامل للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، قائم على الاحترام المتبادل، وصيانة الكرامة الإنسانية، وترسيخ العدالة بوصفها حقًا عامًا.
رابعًا: تنظيم العلاقات على أساس الموقف والمبدأ
ربط الإمام علي (ع) العلاقات الاجتماعية والسياسية بالمواقف الأخلاقية في الأزمات والشدائد، لا بالمصالح الآنية، مؤسسًا وعيًا سياسيًا يقوم على الثبات المبدئي والالتزام القيمي.
خامسًا: الحكمة في حل النزاعات
اعتمد الإمام (ع) الحكمة وتحكيم الضمير الإنساني في فضّ النزاعات، مقدّمًا نموذجًا للعدالة الرحيمة التي تنتصر للحق دون قهر أو عنف.
سادسًا: تربية المجتمع على قبول العدل
قال (ع):( ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق)،
مؤكدًا أن رفض العدل يقود حتمًا إلى الظلم والفساد، وأن العدالة هي الطريق الأقل كلفة على الفرد والمجتمع.
سابعًا: الحكمة أساس الحكم الرشيد
اعتبر الإمام الحكمة قيمة إنسانية متجددة: ( الحكمة ضالة المؤمن)،
فجعل المعرفة والخبرة والانفتاح على الرأي السديد أساسًا لاتخاذ القرار.
ثامناً: حسن الظن وبناء الثقة الاجتماعية
دعا الإمام (ع) إلى صيانة المجتمع من التفكك وسوء الظن، بقوله:
( لا تظنن بكلمة خرجت من أحد سوءًا وأنت تجد لها في الخير محتملًا)،
وهو مبدأ أخلاقي لحماية السلم الاجتماعي.
تاسعاً: الإمام علي (ع) مرجعية دائمة للعدل
لقد وضع الإمام علي (ع) أسس الحكم الصالح على قواعد العدل، والحرية، والمساواة، والكفاءة، والمساءلة،
فاختار ولاته على أساس النزاهة والقدرة، وحدد صلاحياتهم، وراقب أداءهم، وكرّم الملتزم، وحاسب المقصّر، فجعل الدولة في خدمة الإنسان لا أداة للهيمنة عليه.
وهكذا بقي الإمام علي بن أبي طالب (ع) معيارًا للحق، ومرجعية للعدل، ونموذجًا إنسانيًا خالدًا للحكم الرشيد، تستلهم منه المجتمعات والدول مبادئ العدالة كلما اضطربت الموازين، أو اختلط الحق بالباطل.
والسلام عليه يوم وُلد، ويوم استُشهد، ويوم يُبعث حيًّا.
الدكتور وليد الحلي
الأمين العام لمؤسسة حقوق الإنسان
13 رجب 1447
3 -1- 2026
31-12-2025, 19:32 ذكرى الاعدام .. دم الشهداء وصوت ذاكرة الألم
اليوم, 21:31 خطف الرؤساء .. ديمقراطية واشنطن حين تقول الدول: “لا”
د.رعدهادي جبارةاليوم, 16:46 الماءفي الخطاب القرآني .. أصل الحياة ومحطّ العرش
د.رعدهادي جبارةاليوم, 11:23 الإمام علي (ع) ومنهج العدالة الإنسانية .. مفاهيم رسالية ومعايير خالدة للحكم الرشيد
د. وليد الحلي31-12-2025, 18:19 الإمام الجواد (ع) .. منارة العلم، وبوصلة العدالة، وإمام الوعي المبكر
د. وليد الحلي